منظومة القيم في المجتمع العربي – جواد عامر – المغرب

من الطبَعِيِّ أن تنتظم الأسس والقواعد في بنيات المجتمعات البشرية وفق السنن الكوني الذي ارتضاه الله تعالى لعباده في الأرض وأي خروج عن هذا السنن لابد أن يكون مصيره الضياع ، فقد خلق الله تعالى الكون وضبط إيقاعه بقدر موزون قال تعالى : ” والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ” الحجر 19 وهذا الشيء يشمل كل ما خلقه الله من الكائنات النباتية بقدر، والناظر إلى الكون المرئي يعلم أن الكواكب تدور في أفلاكها بميزان دقيق والشمس تجري لمستقر لها والمتأمل لمملكتي النحل والنمل سيدرك أنهما مجتمعان غاية في النظام وقس على ذلك ما شئت من العوالم، لذا فالمجتمع البشري لا يخرج عن هذا السنن لأنه محتاج إلى نظام وتقعيد يضبط الحركة والسكون فيه معا، ومن أجل ذلك نزلت التشريعات من السماء وسن الإنسان القوانين المنظمة للحياة تفاديا لأي اختلال أو اعتلال يشوب مناحي الحياة جميعها ، فكان اعتناء الإنسان منذ فجر التاريخ بسن القوانين وعيا منه بقيمتها في إرساء السلام وتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي ولما كانت هاته القوانين غير كافية لوحدها في تحقيق المقصد منها كان لابد أن تضطلع القيم بالدور الأكبر ولعل هاته تعد الغاية العظمى لرسالات السماء التي جاءت لترسي تشريعاتها وتبني منظومة قيمية متكاملة ذات نزوع كوني لأجل التعايش والتثاقف والتعارف الذي أرسى دعامته الإسلام قال تعالى: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” الحجرات آ13
لقد جاءت رسالة الإسلام خاتمة لتثبت دعامات الأخلاق والقيم الجميلة في المجتمع الإنساني، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال الرسول صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” وفي رواية ” إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق “، فكان هذا الجزء جوهرا من جواهر الرسالة لأن عليه قوام الأمر كله وبه تتأسس العلاقات البشرية فينبني على أساسها سير المجتمع قدما نحو التقدم أو انحداره نحو الهوة السحيقة، لذا فالمتأمل لسيرة رسولنا عليه السلام بعد إرساء عقيدة التوحيد سيرى مدى الحرص النبوي على إصلاح وتشذيب شجرة الأخلاق في المنبت العربي الذي كان مهيأ من قبل لتلقي القيم ، فقد كان الكرم وإغاثة الملهوف وإجارة المستجير والوفاء والصدق من أجمل القيم التي وسمت الرجل العربي لذلك كان إتمام مكارم الأخلاق مهمة نبوية جليلة تروم إضافة قيم جديدة لم تكن موجودة وتهذيب أخرى كانت تجري على غير السنن الديني ، لذلك لم يجد النبي عليه السلام حقيقة أدنى صعوبة في تثبيت منظومة القيم مثلما ألفى الأمر متعسرا مع إصلاح العقيدة الفاسدة المتجذرة في النفوس، لذلك عمد النبي عليه السلام إلى تحويل القيم إلى منهج عملي يجري في واقع الحياة عبر الممارسة العملية حتى إن عائشة رضي الله عنها قالت في حديث طويل روته : كان خلقه القرآن ” رواه مسلم ، وظاهر أفعاله عليه السلام وهو المعلم الأكبر للأمة أنها كانت مرآة وتجليا لروح الإسلام في نبضها المشرق، لهذا فأي خلل يصيب هذه المنظومة سيمضي بالمجتمع نحو الانهيار والزوال ألم يقل شوقي من قبل : إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ، أو ليست الأخلاق صانعة الحضارة وبانية المجد حذاء السماكين ؟ وهل بنت الدول والأمم حضارتها دون حاجة إلى القيم النبيلة ؟ أتبنى الحضارة في أرض أصحابها يدلسون ويزورون ويحتالون ويغشون في الميزان ويطففون في الكيل ولا يحكمون بالعدل فيظلمون المظلوم وينصرون الظالم لأنه ذو جاه ومال وسلطة وهلم جرا ؟ أمثل هؤلاء تبنى بأيديهم الحضارة ؟ كلا وربي إنهم ليسيرون نحو هاوية ما أخال أنهم منها سيخرجون إن الناظر إلى القيم في مجتمعنا العربي سيجد حقيقة أننا أمام طامة كبرى لم تكن بالحسبان ، صنعتها عوامل كثيرة ومؤثرات عديدة أقواها موجة التغريب التي أتت على شبابنا الذين أخذوا بالقشور من حضارة الغرب وتركوا اللب الحلو تلوكه ألسنة من يعرفون مذاقته ، وزادت الرقميات التي فتحت النوافذ على كل العالم الطين بلة في العقدين الأخيرين، مدعومة بالخطاب الإعلامي الهش لندفع ضريبة الاهتراء الأخلاقي والميوعة في مجتمعاتنا، فصارت القيم سطورا مكتوبة في كتب السيرة والأحاديث وكلاما يردد في المساجد والمنابر دون أن يرى له أثر في الواقع العملي.
إنك لترى شبابنا وقد تاه في عوالم الموضة الزائفة التي لا تمت إلى قيمنا الدينية بأية صلة فالسراويل الممزقة وتبرج الفتيات وسفورهن و أشكال الحلاقات المشينة على الرؤوس الفارغة أصلا، جعل العيون تألف هذا الأمر حتى غدا جزءا من طبيعة المجتمع العربي وأي مظهر يرى مخالفا تشرئب نحوه الأعناق مستغربة أمره ، فانقلبت الموازين رأسا على عقب وصار الباطل حقا والحق باطلا في عرف الكثيرين ، تبحث عيناك عن الحياء في الدروب والشوارع فلا تقع على شيء منه فتعود الذكرى تقلب صفحات الماضي لتنظر الطفل وهو يأتمر بأمر الجارة حين ترسله لقضاء مأرب من دكان أو فرن شعبي .. وترى المرأة إذا ما كانت تنظف عتبة البيت تتخفى مستترة حين تسمع وقع قدم حتى لا يراها رجل فتحدث في قلبه فتنة ، وتبصر الفتاة تكلمها في شأن فلا ترفع بصرها إليك من حشمة يحمر خداها كشقيقة النعمان ، وتبحث اليوم عمن يميط الأذى عن الطريق فلا تجد غير رام للمؤذيات وملوث للأرصفة ، وتمني نفسك بحافظ للأمانة وواف بالعهد فلا تلفي منهم غير قليل ممن تمكن الإيمان في قلبه فأغلب الناس جرت الدنيا في عروقهم مجرى الدم وتمكن الجشع منهم كل التمكن، وتعلل نفسك بأمل يشع من رجل صادق في حديثه لا رياء يداخله ولا نفاق يسكنه ولا يعرف الكذب إليه طريقا فلا تجد واحدا، وتنقب عن تاجر أمين صادق في بيعه لا يغش في بضاعته وعن موظف أمين ذي ضمير حي يخدم وطنه مخلصا وعن قاض عادل لا يخشى في الله لومة لائم وعن محام نزيه لا يعرف طريقا إلى الاحتيال والاستغلال فتستسلم نفسك مستكينة لما وجدت من نزر قل من غير هؤلاء، فتأسف على زمن ولَّى كان فيه للأخلاق نصيب غير يسير، وتتحسر على جيل كامل تحلى بفضليات الأخلاق ومحامدها فكانت اللحمة قوية والآصرة منسجمة بين الأفراد في المجتمع الواحد.
إنها الأخلاق ، اسم سام لا يعلو فوقه شيء به تتمتن العلاقات وتتقوى الروابط وتنتظم الحياة ، فلا شيء يعكر صفوها ، يطمئِنُّ الغادي والرائح على نفسه وماله وعرضه ويأمن الجار جاره والصديق صديقه ويسلم المرء من ضروب الاحتيال والمكر، فتهدأ النفوس وتتنقى القلوب فلا حقد يغمرها ولا غل يسكنها، تنساب دماؤها كالنهر رقراقا صافيا يرى ما تحت صفحته من الحصى والأعشاب ، فيسود التعاون والإيثار بين الناس كلهم ويهنأ الجميع ويسعدون، وفي غيابها خوف على النفس والمال من قاطع طريق وعلى العرض من نمام مغتاب ولماز هماز ونابز بالألقاب ، وتوجس الخيفة من الآخر فيغدو الإنسان سائرا على وقع الحذر والاحتياط المبالغ فيه فلا ترتاح نفسه من الهواجس ولا تستريح عقله من التوقع المريب لما سيعرض من أحداث، لكأنه شر لابد منه صنعته الخسة والدناءة واللؤم والابتعاد عن منهج الله في أرضه ، فلا رادع يردع الفاعل عن سرقة متاع غيره ولا وازع يحرك في المغتاب والنمام والحقود شيئا يثنيه عن كف لسانه وتصفية قلبه من شوائب الحقد والحسد ، ولا زاجر يزجر قاطع الرحم عن وصله والأنفة العمياء تصده صدا ولا مانع يقف حجرة عثرة في وجه ظالم أو معتد عتل يهضم حقوق الناس ولا يعدل بينهم ، فإن كان الحال كذلك سادت الشرور واستشرت البدع والضلالات وعمت الخرافات فضاع المجتمع وعاش في ظلمات الجهالة الجهلاء يسير خبط عشواء سادرا فتأتي عليه الأمم متكالبة تنهش لحمه كما تنهش النسور البغاث وهي لا تستطيع لنفسها شيئا أمام قوتها وجبروتها.
لقد ضاقت الأرض بما رحبت بمنظومة القيم الجميلة، وصارت الأخلاق اسما يطلق على عواهنه يردد هنا وهناك تتحسر على اندثاره النفوس الأبية ولا تعيره البال نفوس إلى الدناءة أقرب، فلابد أننا الآن نحصد الأشواك ونتجرع طعاما من غسلين بسبب إهمالنا وعبثنا الذي صنعناه في كل محفل وأظهرناه وجها مشرقا أمام الأجيال التي تلقفته بنهم شديد، فشجعنا أهل البدع وحفزنا صناع التفاهة ولمعنا صورهم ومنحناهم كل الدعم حتى غدوا قدوات مزيفة لشبابنا الغفل الذي غلب على أمره في الوقت الذي ضعفت فيه الإرادة وخبت فيه العزيمة وأقبرت فيه النوايا الصادقة القادرة على إحياء منظومة القيم الآخذة اليوم في الاندثار أما م هذا التسارع القوي للمؤثرات من كل جانب وفي حضرة الاستكانة والخنوع غير المفهوم لأمة واقفة تتفرج أمام بناء آيل للسقوط لا تجرؤ حتى على مد يدها إلى جدرانه لترميمها ولأم الصدوع التي أحدثها الذكاء والاحتيال الغربي وأدعياؤه.





