خطاب “المغرب في وضع جيد” و واقع الهروب الجماعي:قراءة استقصائية في موجات الاحتجاج و الهجرة 2005-2026 /محمد مبارك الوحداني

خلال اليومين الماضيين عرف الشريط الساحلي المغربي الممتد من طنجة إلى الداخلة موجة غير مسبوقة من محاولات الهجرة الجماعية غير النظامية نحو السواحل الإسبانية. مشاهد آلاف الشباب و الأسر و النساء و هم يركبون قوارب الموت، و مدن تخلو من ساكنتها “كأنها حرب”، على حد تعبيرات متداولة بقوة في الشارع العام و الإعلام و منتديات التواصل الإجتماعي . هذا المشهد يتكرر للمرة الثالثة خلال عقد: بعد أحداث سبتة 2021، و بعد حراك جيل Z الرقمي في صيف 2025، و اليوم في صيف 2026.
المفارقة أن هذه الموجة تأتي بعد أيام قليلة من خطاب العرش الذي تحدث فيه الملك محمد السادس عن “مغرب الإنجازات” و “التنمية المحلية و الدولية” و “الأوراش الكبرى”. فكيف نفسر هذا التناقض بين الخطاب الرسمي عن الاستقرار و التنمية، و بين تكرار الهزات الاجتماعية العنيفة؟
أولا: من سيدي إفني إلى جيل Z: سلسلة متصلة من كسر عقد الثقة :
لا يمكن فهم ما وقع قبل يومين بمعزل عن سياق تراكمي. فالمغرب منذ 1999 و بعدها احداث افني بين سنوات 2005 و 2008 ، و احداث اخرى ، عرف من خلالها هذا البلد دورات احتجاجية متكررة لم تكن معزولة:
محطة سيدي إفني بين عامي 2005 و 2008، شهد الإقليم احتجاجات شعبية انطلقت بمطالب اقتصادية و اجتماعية مرتبطة بإحداث الاقليم و بالبطالة و أزمة الصيد البحري، و الخدمات الصحية و البنية التحتية و على رأسها الطرق ، قبل أن تتحول إلى مواجهات ميدانية شهدت تدخلات أمنية واسعة خلفت ضحايا و معتقلين. و قد نالت هذه الأحداث تغطية إعلامية دولية واسعة من قنوات و صحف مثل الجزيرة و فرانس 24 و الإعلام الإسباني و الروسي و العربي و الصيني و الإنجليزي، كما صدرت بشأنها مواقف رسمية من الأمم المتحدة و البرلمان الأوروبي، و تقارير من أبرز المنظمات الحقوقية الدولية و العربية على رأسها منظمة العفو الدولية و هيومن رايتس ووتش و الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان و الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، و المركز المغربي و الجمعية المغربية و الوطنية و المنظمة المغربية لحقوق الإنسان….و تزامنت تلك الاحتجاجات مع هجرة جماعية لشباب آيت باعمران عبر قوارب الموت نحو جزر الكناري الإسبانية بأعداد قدرت بالآلاف، في مؤشر مبكر على تحول اليأس الاجتماعي إلى هروب جماعي من التهميش.
2. *احتجاجات 20 فبراير 2011*: كانت المطلب الأساسي هو الكرامة و العدالة الاجتماعية و محاربة الفساد. و انتهت بدستور جديد و وعود بالجهوية المتقدمة و دولة الحق و القانون.
3. *احتجاجات سيدي إفني 2008 و 2020*: ارتبطت أساسا بالبطالة و التهميش و أزمة الصيد البحري و تدبير المراعي. و تميزت بعنف في التعاطي الأمني و بغياب حلول تنموية هيكلية.
4. *حراك الريف بالحسيمة 2016-2017*: بدأ بمطلب اجتماعي بسيط “المستشفى و الجامعة” وتحول إلى سؤال سياسي حول الحكامة و التنمية و العلاقة مع المركز.
5. *أحداث العيون و مخيم اكديم ايزيك 2010 و ما بعدها*: كشفت عن تراكم اجتماعي في الأقاليم الجنوبية حول التشغيل و توزيع الثروة.
6. *هجرة سبتة الجماعية ماي 2021*: أكثر من 10 آلاف شخص عبروا سباحة في 48 ساعة. و كان التفسير الرسمي وقتها “حادث عرضي”.
7. *حراك جيل Z الرقمي صيف 2025*: لم يكن في الشارع فقط بل على الفايس بوك و ديسكورد و تيكتوك و انستغرام. شعار “بغينا نهربو” و “بلادنا باعوها” تصدر الترند. و كان محركه الأساس الصحة و التعليم و الغلاء و البطالة و الإحساس بالانسداد.
ما يقع اليوم هو امتداد لنفس المنطق: الانتقال من الاحتجاج المنطم إلى “الهروب الجماعي” كشكل من أشكال الاحتجاج السلبي.
ثانيا: التفسير الاقتصادي: أزمة القدرة الشرائية و انسداد الأفق
المعطيات الرسمية تتحدث عن نمو و استثمارات كبرى. لكن المؤشرات الاجتماعية تقول العكس.
السبب المباشر لموجة الهروب الأخيرة ليس الحرب و لا الكوارث. السبب هو “العام زين” الساخر الذي ورد في التدوينة. يقصد به ارتفاع الأسعار المتواصل منذ 2022، و زيادة الضرائب غير المباشرة، و تراجع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة و الدنيا.
عندما يصبح سعر الزيت و الخبز و النقل عبئا يوميا، و عندما يرى الشاب أن أفق التشغيل مسدود رغم الشواهد، فإن “العقل يتعطل” ، و تصبح الرغبة في الهروب غريزة للبقاء. الهجرة هنا ليست بحثا عن الرفاه، بل هي رد فعل على انهيار عقد اجتماعي يقوم على “العمل مقابل الكرامة”.
ثالثا: التفسير السياسي: أزمة التمثيل و خطاب التنمية
المشكل ليس في غياب المشاريع الكبرى. المشكل في طريقة تدبيرها و في من يستفيد منها.
الخطاب الرسمي بالرغم عن حديثه عن مغرب السرعتين و محاسبة الفاسدين و نزاهة الانتخابات الخ ، و يركز على “المغرب الكبير” و “الريادة الإفريقية” و “كأس العالم 2030”. بينما المواطن يسأل عن المستشفى القريب و المدرسة العمومية و الشغل. هذا الفصام بين التنمية الكبرى و التنمية المحلية ينتج إحساسا بالغبن.
كما أن غياب قنوات التعبير و التأطير السياسي الحقيقي بعد القضاء على الأحزاب و الإجهاز على مؤسسات الوساطة ذات المصداقية ، دفع بالشباب إلى التعبير عبر أخطر وسيلتين: الشارع أو البحر. فمنذ احداث افني و مرورا ب 20 فبراير ، و احداث الريف و جيل زيد ! لم تنجح الدولة من خلال الأحزاب و النقابات المنهكة و قياداتها المعمرة فاقدة الشرعية ،في استيعاب الغضب و تحويله إلى فعل سياسي مؤسس !
رابعا: التفسير النفسي و الاجتماعي: متلازمة “الهروب كحل”*
ما يميز موجة 2026 هو طابعها الجماعي و العائلي. لم يعد الأمر مقتصرا على الشباب العازب. فقد خرجت أسر كاملة.
هذا يعكس حالة “إحباط جماعي” يشرحها علم النفس الاجتماعي بمفهوم “الانسحاب من النظام”. عندما يفقد الفرد الأمل في إصلاح النظام من الداخل، يختار الخروج الجسدي منه.
عبارة “تم تعطيل العقل البارح بسبب الرغبة في الهروب” دقيقة جدا. فالقرار لم يكن عقلانيا حسابيا. كان قرارا انفعاليا جماعيا انتشر عبر الواتساب و تيكتوك. و هنا يظهر دور وسائل التواصل في تضخيم الإحساس بأن “الكل يهرب” مما يخلق تأثير القطيع.
خامسا: : هل تغير شيء ؟
السؤال الذي نختم به “هل تغير شيء؟” هو جوهر الإشكال.
منذ 2005 إلى 2011 إلى 2025 و 2026 تغيرت الحكومات و القوانين و الدساتير و الشعارات. لكن الثابت هو استمرار نفس دورة الأزمة: تراكم اجتماعي +بطالة +خدمات اجتماعية و ادارية متردية + غلاء + احتجاج + وعود + عودة الهدوء + تجاهل الأسباب العميقة.
الهجرة الجماعية الأخيرة ليست مشكلا أمنيا فقط. هي تصويت -قبيل انتخابات سبتمبر 2026 -بالأقدام على فشل النموذج التنموي في ملامسة الحياة اليومية للمواطن. و هي رسالة مفادها أن خطاب “الوضع على ما يرام” لم يعد يقنع من يرى مدينته تخلو و يرى أقرانه يغرقون.
الحل لن يكون أمنيا. فإسبانيا لن تستقبل 40 ألفا، و البحر سيبتلع آخرين. الحل يبدأ بالاعتراف بأن هناك أزمة ثقة عميقة. أزمة بين الدولة و المواطن. و أن معالجة “الرغبة في الهروب” تبدأ بإصلاح الأسباب: العدالة الجبائية، الشغل، المدرسة العمومية، و الأهم استعادة معنى أن الوطن يستحق البقاء من أجله.
غير ذلك، سنبقى نرصد كل سنتين أو ثلاث موجة هروب جديدة، و كل مرة أحداثا اجتماعية ذات طابع سياسي! و نسأل بعدها نفس السؤال: هل تغير شيء؟



