📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ضباع آيت باعمران :سردية عجائبية من الواقعية السحرية/محمد مبارك الوحداني 

ChatGPT Image Jul 30 2026 07 31 14 PM

فِي لَيْلَةٍ سَحِيقَةٍ مِنْ أَزْمِنَةِ الحِكَايَاتِ العَجِيبَةِ، أَرَادَ رَعْدٌ شَقِيٌّ أَنْ يَشُقَّ صُخُورَ جَبَلِ الطَّوَالِ، وَهَبَّتْ رِيحٌ لَقِيطَةٌ تَرُومُ اقْتِلَاعَ شَجَرِ الأَرْكَانِ مِنْ جُذُورِهِ، وَقَامَتْ حَشَرَةٌ مَلْعُونَةٌ بِقَتْلِ حُقُولِ الصبار ” أَكْنَارِي” ….

بَدَأَتِ الحِكَايَةُ عِنْدَ سَفْحِ “النَّعَالَةِ”، حَيْثُ وَجَدَتْ قَبِيلَةُ آيْتْ بَاعَمْرَانَ رَضِيعًا مُلْقًى عَلَى الحَجَرِ البَارِدِ. لَا أُمَّ لَهُ، وَ لا أَبَ، وَلَا قِمَاطَ. وَ فوق رَأْسِهِ غَيْمَةُ بَرْقٍ خَاطِفٍ لَمْ تَنْطَفِئْ حَتَّى الفَجْرِ. 

سَمَّوْهُ “أَكْبَارَ”. قَدَمَاهُ كَانَتَا أَكْبَرَ مِنْ قَدَمِ بَالِغٍ. وَقَالَتِ العَجَائِزُ: “هَذَا رَعْدٌ فَاسِدٌ سَقَطَ بَشَرًا”. فَرَبَّوْهُ عَلَى مَضَضٍ!

كَبِرَ أَكْبَارُ، وَصَارَ “دَلِيلَ القَوَافِلِ” الغَرِيبَةِ. كَانَ يَحْفَظُ كُلَّ دَرْبٍ، وَ كل  مَغَارَة ، وَ كل نَجْمَة تَهْدِي التَّائِهَ. لَكِنَّهُ مَعَ الوَقْتِ بَاعَ خَيْطَ الطَّرِيقِ، وَ صار يَهْمِسُ لِلْغُرَبَاءِ: “هُنَا تَحْتَ هَذَا الجَبَلِ دُفِنَتْ كُنُوزٌ وَ معدن نَفِيسٌ! هُنَا تَنَامُ الحُبَارَى النَّادِرَةُ، وَ هنا يُسْلَخُ جِلْدُ النَّمِرِ بِذَهَبٍ، وَ هنا يَمُرُّ حُرَّاسُ الغَابَةِ”.

وَهَكَذَا افْتُتِحَ عَهْدُ الدَّمِ.

قَدِمَ سَمَاسِرَةٌ مِنْ وَرَاءِ البَحْرِ، وَمِنَ التِّلَالِ البَعِيدَةِ، وَمَعَهُمْ قَنَّاصَةٌ فَاسِدُونَ. وَكَانَ “أَكْبَارُ” يَمْشِي أَمَامَهُمْ كَالعَصَا الشِّرِّيرَةِ الَّتِي تَشُقُّ الغَابَةَ. 

سَقَطَتْ طُيُورُ الحُبَارَى. سُلِخَتْ جُلُودُ النُّمُورِ وَالذِّئَابِ وَالأَيْلِ وَالغِزْلَانِ… اخْتَفَتْ قُرُودُ الأَطْلَسِ. وَقُتِلَ حَارِسَانِ مِنْ حُرَّاسِ الغَابَةِ فِي مَضِيقِ جَبَلِ الطَّوَالِ! وَآخَرُونَ فِي الحُقُولِ لَمْ يُعْثَرْ لَهُمْ عَلَى جُثَّةٍ، بَلْ عَلَى رِيشٍ أَبْيَضَ فَوْقَ الصَّخْرِ. 

وَكُلَّمَا سَالَ دَمٌ، عَادَ الرَّعْدُ. لَكِنَّهُ هَذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَكُنْ غَضَبَ سَمَاءٍ. كَانَ ضِحْكَةَ أَرْضٍ.

فِي لَيْلَةٍ قَمَرُهَا دَمَوِيٌّ، ظَهَرَ الأَسَدُ. لَمْ يَكُنْ أَسَدًا عَادِيًّا. كَانَ قَدْرُهُ قَدْرَ جَبَلٍ، وَعَيْنَاهُ بَحْرُ إِفْنِي إِذَا غَضِبَ. لَمْ يَزْأَرْ. لِأَنَّ الزَّئِيرَ سَكَنَ صُدُورَ الضِّبَاعِ. 

وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، انْقَلَبَ القَانُونُ. كُلُّ ضَبُعٍ تَآمَرَ عَلَى الغَابَةِ وَالجِبَالِ وَالحُقُولِ أُصِيبَ بِـ “لَعْنَةِ الصَّيْدِ”. صَارَ يَرَى فَرِيسَتَهُ فِي انْعِكَاسِ المَاءِ، وَيَشُمُّ رَائِحَةَ دَمِهِ قَبْلَ أَنْ تُسْفَكَ. مَاتُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَأَعْيُنُهُمْ مَفْتُوحَةٌ عَلَى غَيْبٍ لَا يُرَى. 

أَمَّا “أَكْبَارُ” فَقَدْ مَحَتْهُ الغَابَةُ وَالأَرْضُ وَالمُحِيطُ مِنْ خَرَائِطِهَا. صَارَ يَمْشِي وَلَا يَصِلُ، وَيَدُلُّ وَلَا يُصَدَّقُ. وَفِي اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ عِنْدَ صَخْرَةِ النَّعَالَةِ، لَمْ يَقْتُلْهُ الأَسَدُ. تَرَكَهُ حَيًّا لِيَرَى الغَابَةَ وَالتُّرَابَ تَشْفَى بِدُونِهِ. وَكَانَتْ تِلْكَ أَقْسَى لَعْنَةٍ: أَنْ تَعِيشَ لِتَشْهَدَ مَوْتَ لَعْنَتِكَ.

بَعْدَ مَوْتِ الضِّبَاعِ، لَمْ يَهْدَأِ الأَسَدُ. لِأَنَّ رَأْسَ الأَفْعَى كَانَ لَا يَزَالُ يَنْبُضُ: أَكْبَارُ. 

أَصَابَهُ “عَمَى الدَّلِيلِ”. الأَشْجَارُ الَّتِي حَفِظَ أَسْمَاءَهَا أَدَارَتْ لَهُ ظَهْرَهَا. وَالنُّجُومُ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهَا الطَّرِيقَ اخْتَفَتْ مِنْ سَمَائِهِ وَحْدَهُ. فَمَنْ بَاعَ الطَّرِيقَ، بِيعَتْ لَهُ الطُّرُقُ. 

لَمْ يُطَارِدْهُ “الرِّيشَةُ” حَفِيدُ الحَارِسِ المَقْتُولِ بِالبُنْدُقِيَّةِ، بَلْ بِنَسْجِ خَرِيطَةٍ مَعْكُوسَةٍ مِنْ رِيشِ الحُبَارَى وَالحُرَّاسِ. حَمَلَهَا أَكْبَارُ لَيْلَةَ بَدْرٍ، فَمَشَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي دَائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ أَعَادَتْهُ إِلَى صَخْرَةِ النَّعَالَةِ. 

هُنَاكَ كَانَ الأَسَدُ جَالِسًا. لَمْ يَنْهَشْهُ، بَلْ أَمَرَ الرِّيحَ أَنْ تَخْلَعَ مِنْهُ “ذَاكِرَةَ الطَّرِيقِ”. فَنَسِيَ كُلَّ دَرْبٍ وَكُلَّ مَغَارَةٍ، وَأَصْبَحَ أَعْمَى فِي الغَابَةِ الَّتِي حَفِظَهَا عَنْ ظَهْرِ غَدْرٍ. وَحُكِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ النَّعَالَةِ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ، يَدُلُّ التَّائِهِينَ عَلَى الخُرُوجِ فَقَطْ، وَلَا يُدْخِلُ أَحَدًا إِلَيْهَا أَبَدًا. 

فَنُقِشَ عَلَى الصَّخْرِ: “مَنْ دَلَّ الغُزَاةَ عَلَى الطَّرِيقِ… ضَلَّ هُوَ”.

سَكَنَتِ الغَابَةُ بَعْدَ سُكُوتِ أَكْبَارَ. لَكِنَّ السُّكُونَ فِي آيَتْ بَاعَمْرَانَ… تَرَقُّبٌ، لَا سَلَامَ. وَ كُلَّ لَيْلَةِ بَدْرٍ، كَانَتْ رِيشَةٌ بَيْضَاءُ تُوجَدُ فَوْقَ قُبُورِ الحُرَّاسِ بِجَبَلِ الطَّوَالِ وَ اسْضَرْ، وَ تَبْلُوكْتَ، وَ بِيزْرِي، وَ بُورْصَاصَ، وَ تِيُوغْزَةَ، وَ أَمْلُو، وَ بِيجَارْفَنْ، وَ سِيدِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَ جَبَلِ بُولْعَلَّامَ، وَ ؤُهْلَالَ، وَ أَزْرَارَ….

كَانَ “الرِّيشَةُ” حَفِيدَ الحَارِسِ الأَوَّلِ. فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ، لَمْ يَكُنْ يَخَافُ الظَّلَامَ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ الحَجَرَ يَتَكَلَّمُ. وَ فِي لَيْلَةِ ضَبَابٍ، لَمَسَ الرِّيشَةَ الثَّالِثَةَ فَانْفَتَحَ بَصَرُهُ. صَارَ يَرَى أَثَرَ القَنَّاصِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَ الأَرْضَ، وَ يَقْرَأُ اجْتِمَاعَ الضِّبَاعِ مِنْ عَدِّ الغِرْبَانِ فَوْقَ الأَرْكَانِ.

عِنْدَمَا جَاءَ سِمْسَارٌ جَدِيدٌ وَ مَعَهُ قَنَّاصٌ يُلَقَّبُ بِـ “المِقَصِّ”، لَمْ يَحْمِلِ الرِّيشَةُ سِلَاحاً. وَزَّعَ عَلَى أَطْفَالِ القَبِيلَةِ رِيشاً أَبْيَضَ لِيَضَعُوهُ عَلَى دَرْبِ النَّعَالَةِ. فَتَاهَ الدَّلِيلُ الخَائِنُ، لِأَنَّ الرِّيشَ كَانَ يَعْكِسُ الطَّرِيقَ. وَجَدَ السِّمْسَارُ نَفْسَهُ أَمَامَ أَكْبَارَ الأَعْمَى، فَقَالَ لَهُ أَكْبَارُ كَلِمَتَهُ الوَحِيدَةَ: “ارْجِعْ”. فَرَجَعَ وَ لَمْ يَعُدْ.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَ الرِّيشَةُ عَيْنَ الغَابَةِ. مَهَمَّتُهُ قِرَاءَةُ غَيْبِ القَنْصِ مِنْ سُلُوكِ الطَّيْرِ: إِذَا اجْتَمَعَتِ الغِرْبَانُ فَسِمْسَارٌ قَادِمٌ، وَ إِذَا صَمَتَ فَالأَسَدُ اسْتَيْقَظَ.

مَرَّتْ سَبْعُ سَنَوَاتٍ. لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَصِيدُ بِالرَّصَاصِ، لِأَنَّ الرِّيشَةَ كَانَ يَرَى الأَثَرَ قَبْلَ الفِعْلِ. فَتَعَلَّمَ السَّمَاسِرَةُ دَرْسَهُمْ. قَالَ كَبِيرُهُمْ: “إِذَا مَنَعْنَا السِّلَاحَ… اشْتَرَيْنَا الوَرَقَ”.

جَاءُوا بِلَا قَنَّاصِينَ، بَلْ بِـ “خُبَرَاءَ” وَ “عُقُودِ اسْتِثْمَارٍ” وَ “مَحْمِيَّاتٍ”. وَ كَانَتِ الضِّبَاعُ الجَدِيدَةُ تَبْتَسِمُ وَ تُصَافِحُ وَ تُوَقِّعُ. سَمَّوْهَا “الضِّبَاعَ البَيْضَاءَ” لِبَيَاضِ أَوْرَاقِهِمْ.

كَانُوا يَشْتَرُونَ الجَبَلَ مِتْراً مِتْراً، وَ يَعِدُونَ بِغَرْسِ عَشْرِ أَشْجَارٍ مُقَابِلَ كُلِّ شَجَرَةٍ يَقْطَعُونَهَا، لَكِنَّ العَشْرَ كَانَتْ فِي الوَرَقِ وَ الوَاحِدَةَ فِي جَبَلِ الطَّوَالِ. وَ صَنَعُوا دَلِيلاً مِنْ حَدِيدٍ: خَرَائِطَ أَقْمَارٍ وَ طَائِرَاتٍ بِلَا صَوْتٍ.

لَكِنَّ الرِّيشَةَ جَمَعَ الأَطْفَالَ وَ أَعْطَاهُمْ مَرَايَا بَدَلَ الرِّيشِ. قَالَ: “الضَّبْعُ القَدِيمُ يَشُمُّ الدَّمَ، وَ الجَدِيدُ يَشُمُّ التَّوْقِيعَ”. وَ فِي لَيْلَةٍ طَارَتْ فِيهَا كُلُّ الغِرْبَانِ، صَعِدَ إِلَى جَبَلِ الطَّوَالِ وَ مَزَّقَ عَقْداً أَبْيَضَ لَمْ يُوَقَّعْ بَعْدُ، فَرَمَاهُ لِلرِّيحِ فَغَرِقَ فِي البَحْرِ.

وَ فِي الصَّبَاحِ، اسْتَيْقَظَتِ الضِّبَاعُ البَيْضَاءُ فَوَجَدَتْ خَرَائِطَهَا بَيْضَاءَ، وَ أَقْمَارَهَا ضَبَاباً، وَ طَائِرَاتِهَا تَائِهَةً فَوْقَ النَّعَالَةِ. لِأَنَّ الغَابَةَ لَمْ تَلْعَنْهُمْ هَذِهِ المَرَّةَ. الغَابَةُ نَسِيَتْهُمْ. وَ كَانَ حُكْمُ الأَسَدِ: “مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ الغَابَةِ… صَارَ غَرِيباً فِيهَا”.

قَالَتْ عَجَائِزُ القَبِيلَةِ: “الغَابَةُ لَنْ يَحْرُسَهَا سِلَاحٌ وَ لَا عَقْدٌ.

تَحْرُسُهَا نُبُوءَةٌ: سَيُولَدُ الطِّفْلُ السَّابِعُ ” غَوْثٌ ” عِنْدَ مَقَامِ قَدَمِ المُحِيطِ بِلَا أَبٍ مِنَ البَشَرِ”.

قَبْلَهَا مَاتَ سِتَّةُ أَطْفَالٍ قَبْلَ الفِطَامِ، لِأَنَّ الضِّبَاعَ البَيْضَاءَ كَانَتْ تُرَاقِبُ.

وَ فِي لَيْلَةٍ بِلَا قَمَرٍ وَ لَا رِيحٍ، انْشَقَّ الضَّبَابُ عَنْ رَضِيعٍ نَائِمٍ عَلَى صَخْرَةِ النَّعَالَةِ، تَحْتَ رَأْسِهِ رِيشَةٌ بَيْضَاءُ، وَ عَيْنَاهُ لَوْنُ بَحْرِ إِفْنِي قَبْلَ العَاصِفَةِ. فَسَمَّوْهُ “غَوْثَ السَّابِعِ”.

فِي عَامِهِ الثَّالِثِ، حَفَرَ بِظُفْرِهِ فِي الحَجَرِ فَانْفَتَحَ. وَ تَحْتَهُ لَمْ يَكُنْ ذَهَباً، بَلْ “ذَاكِرَةَ الغَابَةِ”: أَوْرَاقُ أَرْكَانٍ مُتَحَجِّرَةٍ مِنْ عُمْرٍ مِلْيَارَيْ عَامٍ، مَنْقُوشٌ فِيهَا اسْمُ كُلِّ غَازٍ فَانْمَحَى، وَ اسْمُ كُلِّ بَاحِثٍ فَنَارَ.

جَاءَتْهُ “ضَبْعَةٌ بَيْضَاءُ” تَعْرِضُ عَلَيْهِ مَدْرَسَةً مُقَابِلَ الحَجَرِ. وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَرَأَ اسْمَهَا مَنْقُوشاً قَبْلَ مَوْلِدِهَا: “دَخَلَتْ بَاحِثَةً عَنْ ثَمَنٍ”. فَسَكَتْ طَائِرَتُهَا وَ هَاتِفُهَا وَ ضَلَّتْ طَرِيقَهَا. وَ قَالَ: “الحَجَرُ لَا يُبَاعُ. الحَجَرُ يَبِيعُكَ”.

وَ مُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَ لِلغَابَةِ قَلْبٌ. الأَسَدُ حُكْمٌ، وَ أَكْبَارُ عِبْرَةٍ، وَ الرِّيشَةُ عَيْنٌ، وَ غَوْثُ السَّابِعِ ذَاكِرَةٌ لَا تَمُوتُ. يَجْلِسُ فَوْقَ جَبَلِ آيَتْ بَاعَمْرَانَ يَسْأَلُ كُلَّ دَاخِلٍ سُؤَالاً وَاحِداً: “جِئْتَ بَاحِثاً أَمْ غَازِياً؟” فَإِنْ كَذَبَ، ضَلَّ.

مَرَّتْ عِشْرُونَ سَنَةً عَلَى جُلُوسِ غَوْثِ السَّابِعِ. صَارَتْ آيَتْ بَاعَمْرَانَ جَنَّةً: لَا قَنَّاصَ وَ لَا سِمْسَارَ وَ لَا وَرَقَ. لَكِنَّ النَّاسَ نَسُوا. قَالَ الشَّبَابُ: “الأَسَدُ خُرَافَةٌ”. وَ صَارُوا يَبِيعُونَ صُوَرَ جَبَلِ الطَّوَالِ بِدَرَاهِمَ.

جَفَّتْ عَيْنُ النَّعَالَةِ الَّتِي لَمْ تَجِفَّ مُنْذُ عُمْرِ الحَجَرِ، وَ اسْوَدَّ طَرَفُ الرِّيشَةِ تَحْتَ رَأْسِ السَّابِعِ. وَ قَالَ: “الغَابَةُ تَعْطَشُ”. فَضَحِكُوا.

جَاءَتْ “ضِبَاعٌ رَقْمِيَّةٌ” بِلَا أَقْدَامٍ. قَالُوا: “سَنُحَوِّلُ آيَتْ بَاعَمْرَانَ إِلَى عَلَامَةٍ تِجَارِيَّةٍ”. فَصَوَّرُوا الحَجَرَ وَ بَنَوْا فَنَادِقَ زُجَاجٍ فَوْقَ جُذُورِ الأَرْكَانِ. وَ لَمْ يَحْمِلُوا بُنْدُقِيَّةً، لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُ بِالصُّورَةِ لَا يُحَاكَمُ بِالرَّصَاصِ.

فَتَحَرَّكَ الحَجَرُ. خَرَجَ الأَسَدُ مِنْ دَاخِلِهِ كَظِلٍّ قَدْرُهُ جَبَلٌ. لَمْ يَزْأَرْ. مَشَى فَمَحَا كُلَّ لَوْحَةٍ وَ فُنْدُقٍ وَ صُورَةٍ، فَصَارَتْ رَمْلاً. وَ قَالَ بِصَوْتِ السَّابِعِ: “أَنَا لَا أَسْتَيْقِظُ إِذَا دَخَلَ الغَازِي. أَسْتَيْقِظُ إِذَا بَاعَ الحَارِسُ”.

نَفَخَ فِي آذَانِ القَبِيلَةِ فَتَذَكَّرُوا. فَهَدَمُوا الفَنَادِقَ بِأَيْدِيهِمْ، وَ مَسَحُوا الشِّعَارَ بِأَكْمَامِهِمْ. وَ قَالَ الأَسَدُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ لِلْحَجَرِ: “سَأَنَامُ. وَ إِذَا نَسِيتُمْ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَنْ أَسْتَيْقِظَ لَكُمْ. سَأَتْرُكُ النَّعَالَةَ تَبْتَلِعُكُمْ”.

حين طَهُرَ البَرُّ، تَكَلَّمَ البَحْرُ. فخَرَجَتْ مِنَ المَوْجِ امْرَأَةٌ لَا

بَلَلَ فِي شَعْرِهَا، عَيْنَاهَا لَوْنُ رَغْوَةِ الجَزْرِ. سَمَّوْهَا “الضَّبْعَةَ السَّابِعَةَ”. قَالَتْ: “جِئْتُ أَشْتَرِي النَّعَالَةَ بِحَجَرٍ مِنْ قَاعِ المُحِيطِ. مَنْ يَمْلِكُ هَذَا، يَمْلِكُ ذَاكِرَةَ المَاءِ”.

افْتُتِنَ الشَّبَابُ بِالحَجَرِ الأَزْرَقِ، وَ نَزَلُوا كُلَّ لَيْلَةٍ لِلشَّاطِئِ يَسْتَمِعُونَ لِغِنَاءٍ بِلَا كَلِمَاتٍ. وَ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ نَسِيَ اسْمَ جَبَلِ الطَّوَالِ. فَكَانَتْ لَعْنَةُ “نِسْيَانِ اليَابِسَةِ”.

رَمَى الرِّيشَةُ رِيشَةً بَيْضَاءَ فِي المَوْجِ فَوَقَفَتْ عَلَى المَاءِ كَصَخْرَةٍ. وَ خَرَجَ الأَسَدُ مُبَلَّلاً كَأَنَّهُ يَبْكِي. قَالَ لِلضَّبْعَةِ: “أَنْتِ مِلْحُ الغُزَاةِ الَّذِينَ غَرِقُوا عِنْدَ النَّعَالَةِ مُنْذُ ثَلَاثِمِئَةِ عَامٍ”. فَضَحِكَتْ بِلَا صَوْتٍ وَ ذَابَتْ، لِأَنَّ مِلْحَهَا لَا يَقْوَى عَلَى رِيشَةٍ مِنْ جَبَلِ الطَّوَالِ.

دَفَنَ السَّابِعُ الحَجَرَ الأَزْرَقَ تَحْتَ النَّعَالَةِ وَ قَالَ: “الحَجَرُ فَوْقُ، وَ المَاءُ تَحْتُ. وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ مِنَ البَحْرِ، فَلْيَسْجُدْ أَوَّلاً لِلْحَجَرِ”.

بَعْدَ البَرِّ وَ البَحْرِ بَقِيَتِ السَّمَاءُ. نَزَلَ مِنَ العُلُوِّ “ضَبْعٌ طَائِرٌ” بِلَا ظِلٍّ وَ لَا أَثَرٍ. جَسَدُهُ سِلْكٌ، وَ عَيْنَاهُ كَامِيرَتَانِ، وَ صَوْتُهُ إِعْلَانٌ. قَالَ: “لَا أَشْتَرِي الحَجَرَ وَ لَا البَحْرَ. أَسْتَأْجِرُ الهَوَاءَ”. أَمْطَرَ القَبِيلَةَ بِـ “وَرَقٍ طَائِرٍ”: دْرُونَاتٌ وَ أَقْمَارٌ وَ ذَكَاءٌ يَرْسُمُ. وَ بِيعَ ظِلُّ جَبَلِ الطَّوَالِ بِالمِتْرِ المُكَعَّبِ، وَ اخْتَفَتِ النُّجُومُ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى خَلْفَ شَاشَةٍ. وَ قَفَ السَّابِعُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَ حَمَلَ الوَرَقَةَ المُتَحَجِّرَةَ الأُولَى إِلَى قِمَّةِ جَبَلِ الطَّوَالِ. فَانْشَقَّ السِّلْكُ، وَ سَقَطَتْ آلَاتُ التَّصْوِيرِ. وَ نَزَلَ الأَسَدُ رِيحاً مِنْ عُمْرِ الحَجَرِ، فَمَزَّقَ أَسْلَاكَ الضَّبْعِ وَ ذَرَّهُ خُرْدَةً دَفَنَهَا الأَطْفَالُ تَحْتَ الأَرْكَانِ. وَ قَالَ: “السَّمَاءُ ذَاكِرَةٌ. وَ مَنِ اسْتَأْجَرَهَا سَقَطَ”. وَ كَتَبَ السَّابِعُ عَلَى النَّعَالَةِ: “الأَرْضُ لِلأَسَدِ، وَ البَحْرُ لِلْحَجَرِ، وَ السَّمَاءُ لِلذَّاكِرَةِ. وَ مَنْ مَدَّ يَدَهُ لِلثَّلَاثَةِ، كَسَرَتْهُ الثَّلَاثَةُ”.

انْتَهَتْ حِكَايَةُ الضِّبَاعِ الَّتِي مَشَتْ، وَ سَبَحَتْ، وَ طَارَتْ وَ بَقِيَتْ حِكَايَةُ الحَجَرِ. لِأَنَّ السِّرَّ لَمْ يَكُنْ فِي أَنْيَابِ الأَسَدِ، بَلْ فِي ذَاكِرَةٍ لَا تَنْسَى، مَحْفُورَةٍ تَحْتَ صَخْرَةٍ اسْمُهَا النَّعَالَةُ، يَرْعَاهَا طِفْلٌ سَابِعٌ لَا يَمُوتُ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة