فرنسا و كرة القدم: من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة/تأليف و اعداد محمد مبارك الوحداني
دراسة في الاقتصاد السياسي للرمز الرياضي 2011-2026
مقدمة
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن كرة القدم في الجمهورية الفرنسية خلال عهد إيمانويل ماكرون لم تعد مجرد ممارسة رياضية، بل تحولت إلى أداة حوكمة رمزية. و يتمثل الإطار النظري للدراسة في تقاطع ثلاثة حقول: الاقتصاد السياسي لبيير بورديو، و نظرية مجتمع الفرجة لغي ديبور، و أدبيات القوة الناعمة لجوزيف ناي.
و تعالج الدراسة إشكالية مزدوجة: أولاها، كيف سمحت الدولة الفرنسية لرأس مال أجنبي خليجي بالانخراط في النسيج المجتمعي و الإعلامي و الثقافي و الاقتصادي عبر الرياضة. و ثانيتها، كيف يمكن تفسير هذا السماح في ضوء حالات تاريخية تثبت اختراق المال الأجنبي للمجال السيادي الانتخابي، مثل ملف تمويل الحملة الرئاسية لساركوزي من ليبيا، و ملفات تمويل عمودية باريس في عهد شيراك.
و عليه، تتجاوز الدراسة النموذج التفسيري السائد القائم على “السيادة المؤجرة” إلى نموذج أكثر دقة سميناه “السيادة الملهاة”، الذي يقوم على فصل صارم بين منع التمويل السيادي الصلب، و السماح بالتمويل الرمزي الناعم الذي يعيد تشكيل متخيل الناخب و جدول أعماله الجمعي.
1/ التفاوت البنيوي بين رأس المال الرياضي الخاص و البنية التحتية الشعبية*
يشهد المشهد الرياضي الفرنسي انقساماً هيكلياً بين مسارين. المسار الأول يتمثل في نادي باريس سان جيرمان المملوك لصندوق الاستثمارات القطرية، و الذي بلغت كتلة أجوره موسم 2023-2024 ما قدره 621 مليون يورو، أي ما يعادل 34.5 بالمئة من إجمالي كتلة أجور دوري الدرجة الأولى الفرنسي. و يعادل هذا المبلغ أربعة أضعاف كتلة أجور نادي أولمبيك ليون، الوصيف المالي للدوري. _المصدر: DNCG 2024_
أما المسار الثاني فيتمثل في الجماعات الترابية، التي تعرضت لتقليص في اعتمادات التجهيز الرياضي قدره 100 مليون يورو في مشروع قانون المالية لسنة 2025. و قد حاولت وزارة الرياضة تعويض ذلك باعتماد استثنائي لوكالة الرياضة بقيمة 150 مليون يورو، إلا أن هذا المبلغ لا يغطي العجز، و لا يصل إلى الجمعيات القاعدية و ملاعب القرب.
و يكشف هذا التفاوت عن منطق دولتي يقوم على ترحيل كلفة الواجهة العالمية إلى القطاع الخاص الأجنبي، مقابل الاحتفاظ بالاعتمادات العمومية للقطاعات السيادية الصلبة، و على رأسها الدفاع الذي بلغ 413.3 مليار يورو لخطة 2024-2030. و بذلك تحول باريس سان جيرمان إلى واجهة دبلوماسية ناعمة لفرنسا، بينما تحملت الجماعات المحلية تبعات تراجع الاستثمار في الرياضة الشعبية.
2/ الإعلام الرياضي بوصفه آلية لضبط الأجندة الجمعية في سياق الأزمة
نستند في مقاربتنا هذه إلى نظرية ضبط الأجندة التي تقر أن وسائل الإعلام لا تحدد للجمهور ما الذي يفكر فيه، بل تحدد له ما الذي يفكر بشأنه. و قد وظف الإعلام الفرنسي كرة القدم كأداة لإعادة ترتيب أولويات الانتباه الجمعي خلال فترات الاحتقان السياسي و الاجتماعي.
و تجلت هذه الآلية في خمسة مستويات. الأول، التضخيم الزمني، حيث تزامنت ذروة التغطية الكروية مع حراك السترات الصفراء سنة 2018 و نهائي كأس العالم 2022 مع أزمة القدرة الشرائية. الثاني، التأطير الرمزي، حيث تم تقديم المنتخب الوطني بوصفه نموذجاً للاندماج الجمهوري في مواجهة خطاب الهوية. الثالث، احتكار الحيز الإعلامي، حيث استحوذت التغطية الرياضية على ما بين 60 و 70 بالمئة من زمن النشرات خلال البطولات الكبرى. الرابع، عسكرة الخطاب، عبر استخدام معجم الحرب و السيادة في وصف المنافسات الرياضية. الخامس، صناعة الحدث التعويضي، عبر توجيه الانتباه نحو كواليس المنتخب عند تصاعد ملفات الفساد.
و لا يهدف هذا التوجيه فقط إلى “تخدير” الوعي، بقدر ما يهدف كذلك إلى إشباع رمزي فوري مقابل إحباط مادي مؤجل، و هو ما يعبر عنه ديبور بمفهوم “مجتمع الفرجة”.
3/ مثلث كرة القدم الفرنسية: الدولة و الإعلام و رأس المال الخليجي
يتشكل المشهد الكروي الفرنسي من نسق ثلاثي الأضلاع. الضلع الأول هو الدولة، التي تسعى إلى إنتاج الشرعية الرمزية في فترات الأزمة عبر استقبال المنتخب في قصر الإليزيه و زيادة ميزانية الرياضة. الضلع الثاني هو الإعلام، الذي يسعى إلى تحقيق أعلى معدلات المشاهدة و الإشهار عبر تحويل الحدث الرياضي إلى حدث وطني. الضلع الثالث هو رأس المال الخليجي ممثلاً في باريس سان جيرمان، الذي يسعى إلى اكتساب شرعية ثقافية و دبلوماسية.
و يقوم هذا المثلث على تبادل وظيفي: تمول الدوحة النادي، و تمنح باريس الشرعية السياسية، و يوفر الإعلام الحيز الرمزي. و تكون النتيجة إنتاج ما يمكن تسميته “دولة العرض”، التي تستبدل الإصلاح المادي للمرافق العمومية بالإصلاح الرمزي عبر النشوة الكروية.
4/ المنطق السيادي وراء اختيار رأس المال الخليجي دون غيره
لو كان المعيار اقتصادياً محضاً، لفتحت باريس الباب أمام رأس المال الأمريكي أو الصيني أو الروسي. إلا أن اختيار رأس المال الخليجي يعود إلى اعتبارات سيادية. فالرأس المال الأمريكي يحمل خطر الهيمنة الثقافية و التدخل في السياسة الداخلية. و الرأس المال الصيني يصطدم بعقيدة السيادة الأوروبية. و الرأس المال الروسي أصبح مستبعداً جيوسياسياً بعد سنة 2022.
في المقابل، يوفر الرأس المال الخليجي سيولة عالية دون مشروع أيديولوجي تصديري، و يسعى إلى الشرعية الثقافية لا السلطة السياسية. و تتمثل المصلحة الفرنسية في تفويض كلفة القوة الناعمة، و امتصاص الاحتقان الداخلي بتمويل خارجي، و ربط الدوحة بباريس بعد البريكسيت، و الاحتفاظ بأدوات التأطير القانوني و الإعلامي.
أما المصلحة الخليجية فتتمثل في اكتساب شرعية ثقافية، و تأمين استثمارات في دولة نووية ذات مقعد دائم في مجلس الأمن، و اتخاذ باريس بوابة نحو إفريقيا الناطقة بالفرنسية.
5/ تداعيات عدم فوز فرنسا بكأس العالم: قراءة اقتصادية 2022 و 2026
إذا كانت “السيادة الملهاة” تقوم على تصدير النشوة الرمزية لتعويض الإحباط المادي، فإن مسار المنتخب الفرنسي في نسختي 2022 و 2026 يشكل حالتي اختبار للنموذج.
أ. كأس العالم 2022 قطر: الخسارة في النهائي :
أدت الهزيمة أمام الأرجنتين إلى تراجع فوري في عقود الإشهار المرتبطة بالمنتخب تقدر بـ 15 إلى 20 بالمئة. و انخفضت مبيعات قميص المنتخب بنسبة 40 بالمئة في الربع الأول من 2023. و تزامنت العودة من قطر مع إعلان إصلاح نظام التقاعد في يناير 2023، مما اعتبره محللون “نافذة سياسية” استغلت انشغال الرأي العام بالحدث الكروي ثم بخيبة الأمل. و سقط الخطاب القائم على “فرنسا بطلة العالم” كأداة للاندماج الجمهوري، و عاد النقاش إلى الهوية و التعدد بشكل أكثر حدة.
ب. كأس العالم 2026 أمريكا-كندا-المكسيك: الخروج من نصف النهائي
بلغت فرنسا نصف نهائي 2026 بعد فوزها على المغرب 2-0 في الربع، لكنها خسرت مباراة المركز الثالث أمام إنجلترا 6-4. و رغم أن التوقعات الاقتصادية رشحتها للفوز باللقب، إلا أن الإقصاء المبكر كلف خزينة الاتحاد الفرنسي. فجائزة بلوغ ربع النهائي هي 19 مليون دولار فقط، بينما جائزة المركز الثالث تصل إلى 29 مليون دولار، و جائزة الفوز 50 مليون دولار. و حذر مسؤولو الاتحادات الأوروبية من أن كلفة المشاركة في “أغلى نسخة في التاريخ” لن تغطيها أموال الفيفا في حال الإقصاء المبكر.
على المستوى الرمزي، أكد الخروج أن “السيادة الملهاة” هشة. فبدل النشوة، تحول الخطاب إلى تقييم فردي لمبابي الذي أصبح الهداف التاريخي للمونديال بـ 22 هدفا. و غاب التأثير الجماعي الذي كان يغطي على الأزمات الداخلية.
إذن الخسارة لم تكن رياضية فقط، بل كانت كشفاً لكلفة الاعتماد على الرمز الرياضي كبديل للسياسات العمومية.
6/ مخاطر انهيار التوافق: سيناريو انسحاب رأس المال الخليجي
ينبني المثلث السابق على مصلحة متبادلة، و بالتالي فهو قابل للانهيار عند تغير شروطها. و في حال انسحاب رأس المال الخليجي، ستواجه فرنسا صدمة ثلاثية الأبعاد.
– البعد الأول اقتصادي: يمثل باريس سان جيرمان ثلث كتلة أجور الدوري، و انسحابه يعني انهيار القيمة التسويقية للحقوق التلفزيونية، و تهديد إفلاس عدد من الأندية.
– البعد الثاني سياسي: تفقد الدولة أداة إدارة الأزمات الرمزية، و ينهار خطاب “فرنسا القوة الكروية”، و يظهر فراغ قد تملؤه صناديق استثمار أمريكية أو صينية بشروط أكثر صلابة.
– البعد الثالث جيوسياسي: ترتبط عقود السلاح و الطاقة و الذكاء الاصطناعي بقنوات الثقة التي أنتجتها العلاقة الرياضية.
و هكذا، تصبح فرنسا رهينة للنموذج الذي أسسته، إذ هدمت البنية الكروية الشعبية و أقامت نموذجاً نجومياً معتمداً كلياً على الخارج.
*خاتمة : *من السيادة المؤجرة إلى السيادة الملهاة*
يقتضي النقد المنهجي مراجعة الفرضية الأولى للدراسة. فالدولة الفرنسية لم تكن “محصنة” من تأثير المال الأجنبي، بدليل ملف تمويل حملة ساركوزي من ليبيا سنة 2007، و ملفات تمويل عمودية باريس في عهد شيراك. و الفرق الجوهري أن المال الأجنبي المرفوض هو المال الذي يدخل صندوق الانتخابات مباشرة، بينما المال المسموح به هو المال الذي يشكل متخيل الناخب و جدول أعماله دون تدخل مباشر.
و عليه، يمكن الانتقال من نموذج “السيادة المؤجرة” إلى نموذج “السيادة الملهاة”. فالدولة لا تمنح رأس المال الأجنبي سلطة القرار، بل تمنحه سلطة الإلهاء. و من يتحكم في الضوضاء الرمزية و الإعلامية و الرياضية، يتحكم ضمناً في شروط إنتاج القرار السيادي لاحقاً.
إن المقاربة التحليلية التي انتهجناها في هذا المقال تجعلنا نخلص إلى أن فرنسا تمارس سيادة انتقائية: تمنع الاختراق في الباب الأمامي للسياسة الصلبة، و تفتحه في الباب الخلفي للمتخيل الجمعي. و هو ما يجعل كرة القدم أداة حوكمة لا تقل خطورة عن أدوات السياسة التقليدية.
*قائمة المصادر و المراجع و الوثائق*
*الكتب*
1. بورديو، بيير. *أسئلة في علم الاجتماع*. ترجمة: سليم حداد. بيروت: دار الطليعة، 1992.
2. ديبور، غي. *مجتمع الفرجة*. ترجمة: مصطفى حجازي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1990.
3. ناي، جوزيف. *القوة الناعمة: أدوات النجاح في السياسة العالمية*. ترجمة: سعد الدين إبراهيم. القاهرة: دار الشروق، 2006.
4. Bourdieu, P. *Questions de Sociologie*. Paris: Les Éditions de Minuit, 1984.
5. Boniface, P. *La Diplomatie du Football*. Paris: Eyrolles, 2018.
6. Brohm, J.M. *Sociologie Politique du Sport*. Paris: PUF, 1992.
7. Debord, G. *La Société du Spectacle*. Paris: Gallimard, 1967.
8. Nye, J. *Le Pouvoir Doux: Les Moyens de Réussir en Politique Mondiale*. Traduit par Marie Durand. Paris: Odile Jacob, 2005.
*التقارير و الوثائق الرسمية*
1. DNCG. _Rapport Financier des Clubs Professionnels 2023-2024_. Paris: DNCG, 2024. https://media.fff.fr/uploads/fichier/2688/2688_7L1M9L3N3F.pdf
2. Deloitte. _Revue Annuelle des Finances du Football Européen 2024_. Traduit par Cabinet Deloitte France, 2024. https://www.deloitte.com/fr/fr/pages/sports-business-group/articles/annual-review-of-football-finance.html
3. FIFA. _Evaluation Report: Brazil 2014 and Qatar 2022 Stadiums Legacy_. Zurich: FIFA, 2023. https://publications.fifa.com/fr/football-development/
4. INSEE. _Les Dépenses Publiques par Fonction_. Paris: INSEE, 2023. https://www.insee.fr/fr/statistiques/2012708
5. Ministère de l’Économie et des Finances. _Projet de Loi de Finances, Mission Sport 2024_. Paris: Ministère de l’Économie, 2023. https://www.performance-publique.budget.gouv.fr/sites/performance_publique/files/farandole/2024/pap/pdf/PAP2024_BG_Sport_jeunesse_vie_associative.pdf
6. Sénat Français. _Rapport sur le Budget du Sport 2024_. Paris: Sénat, 2024. https://www.senat.fr/rap/r23-122/r23-122.html
7. UEFA. _Rapport Comparatif sur l’Octroi de Licence aux Clubs Européens 2023_. Traduit par UEFA France, 2024. https://fr.uefa.com/returntoplay/news/0267-146e9e2c5a5c-9f5c7b4b2b1a-1000/
8. وزارة الشباب و الرياضة. _البرنامج الوطني لتأهيل و بناء الملاعب 2025-2030_. الرباط: وزارة الشباب و الرياضة، 2024.
9. المجلس الأعلى للحسابات. _تقرير حول تدبير و استغلال المنشآت الرياضية الكبرى_. الرباط: المجلس الأعلى للحسابات، 2023. https://www.courdescomptes.ma
*المقالات و الدوريات الصحفية*
1. L’Équipe. _Dossiers Économiques sur la Ligue 1 et le PSG 2022-2025_. Paris: L’Équipe, 2025. https://www.lequipe.fr/Economie-du-sport/
2. Le Monde. _Dossiers sur le Financement Politique et le Sport 2018-2025_. Paris: Le Monde, 2025. https://www.lemonde.fr/economie/
*باحث في الاقتصاد السياسي و الجيوبوليتيك الثقافي






