مصائر متظافرۃ / هيبتن الحيرش

روايۃ فرنسيۃ صدرت سنۃ 2017، حققت مبيعات تقدر بما يقرب من ثلاثۃ ملايين نسخۃ عبر العالم وترجِمت إلى أربعين لغۃ، بِيعَ منها في فرنسا وحدها مليون نسخۃ، وهذا قد يبدو في العالم العربي ضربا من الخيال العلمي إنْ لم نقل الهذيان الأدبي، ذلك أن أشهرَ النصوص في الدراسات الفلسفيۃ في العالم العربي (نصوص الجابري وطه عبد الرحمن على سبيل المثال، على جلالۃ قدرهما كما يقول أصحابنا الفقهاء نرجو لهم المغفرۃ) لا يتجاوز رقم مبيعاتها أكثر من خمسۃ آلاف نسخۃ.
الروايۃ عنوانها الضفيرۃ، وهي للروائيۃ وكاتبۃ سيناريو والمخرجۃ ليتيسيا كلومباني، التي رأت النور سنۃ 1976 بمدينۃ بوردو. تَم تحويلُ الكتاب إلى شريط مصور وإلى فيلم من إخراج الكاتبۃ نفسِها، هذا فقط للإشارۃ.
لماذا الضفيرۃ كعنوان ؟ سؤال وجيه والجواب بسيط. من جهۃ، لأن إحدى الشخصيات اعتادت أنْ تصنع لطفلتها الوحيدۃ جديلۃ، ومن جهۃ أخرى، لأن مصائرَ بطلاتِ الروايۃِ الثلاثۃِ (لا وجودَ هنا للبطل الواحد المطلق كما في الأفلام الأمريكيۃ وحتى في الروايات الفرنسيۃ الكلاسيكيۃ)، اللواتي لا يعرفن بعضهن البعض، ستلتقي بصورۃ فنيۃ في النهايۃ مثلما تجتمع خصلاتُ الشعرِ في شكلِ ضفيرۃ واحدۃ، علما أن الضفيرۃ هي اجتماعُ ثلاثِ خصلات من الشعر في نسْج واحد، إذْ لابد من ثلاثۃ عناصر لتشكيل وحدۃ، وهنا أنسُج كما واضح على منوال بعض المتفلسفۃ العرب القدامي.
الشخصيۃ الأولى: سميتا من الهند، من قريۃ اختارت لها الكاتبۃ اسمَ بادلابور، لا يعرَف لها موقع في الخريطۃ، وهي من الداليت من فئۃ المنبوذين، الذين هم خارج النظام الطبقي الهندي الصارم، قد لفظَهم المجتمع ورفضهم فَهُم عالۃ عليه: عيال الله كما يحلو لغاندي أن يسميهم بحَق.
تعيش سميتا مع زوجها وابنتها ليليتا صاحبۃ الضفيرۃ التي أعطت للروايۃ عنوانها الدال المتشابك. يتمثل عمل سميتا في تنظيف كنيف إحدى الأسَر من طبقۃ الجات، أصحاب الحقول الزراعيۃ، مقابل فتات، أي أن قُوتَها مصدره برازُ غيرها. وأما زوجها فعمله هو صيد الجرذان، التي هي موردهم الوحيد من اللحم (أفكر الآن في لحم الإبل الطيب أنا الذي أنتمي لبيئۃ صحراويۃ لا يعدِل عندها أي نوع من اللحوم لحمَ البعير).
تحلم سميتا، والحلم كالهواء في متناول كل أحد، بمستقبل زاهر لابنتها، فلذۃِ كبدها، التي لم تقبَلها مدرسۃُ القريۃِ الظالم أهلُها، فتتخذ قرار الهجرۃ بعيدا إلى مكان قيل لها بأنه يستقبل أمثالهما. تستيقظ باكرا وزوجها نائم يحلم بالفئران في الغيران، توقظ طفلتها وتنطلقان غير آسفتين، لا تلتفتان. تسيران مسافۃ طويلۃ بين الحقول، تخرجان إلى الطريق الرئيسيۃ وتركبان حافلۃ مكتظۃ بالركاب، الراكب فيها مفقود والنازل منها مولود، ثم تتمكنان من الحصول على تذكرتي قطار متجه صوبَ وجهۃ معلومۃ. وعندما تصلان إلى منطقۃ معينۃ، تتجهان شطرَ أحد المعابد، وهناك تخضعان لطقس خاص، هو حلق الشعر كاملا، إذِ المعبد يعيش على الشعور (ولك أن تفهم الكلمۃ بمعنى الوعي لا ضيرَ في ذلك في علم النفس)، يبيعها لإحدى الشركات الإيطاليۃ، وهنا تظهر الشخصيۃ الثانيۃ. طبعا للقارئ أن يتصور نهايۃَ الروايۃ مع فقدِ الطفلۃ المبكرِ لشعرها بما أن العنوان مبني على خصلات الشعر المتداخلۃ، لكن الأمر ليس بيده ولا بيدي، بل بيدِ الراوي وهو هنا يأخذ صورۃَ امرأۃ عنيدۃ تمسك بتلابيب أحداثِ قصتها (هي في الواقع قصص مستقلۃ) إلى آخر رمق.
يبتدئ الفصل الأول المخصص لسميتا، التي أفردت لها الكاتبۃ تسعۃ فصول من أصل ستۃ وعشرين، لا تزاحمها فيها امرأۃ ولا جنيۃ، وأما الرجال فلهم ما شاء لهم الرواۃ من فصول منذ أول نص سردي وقعه آدمي وهو ملحمۃ جلجامش التي خرجت من الرحم الضيق للألواح الحجريۃ المنقوشۃ بالمسامير إلى الحضن الرحب لصفحات الكتب المصنفۃ بكل لغات العالم، بالعبارۃ الآتيۃ: تستيقط سميتا وشعور غريب ينتابها (..). هذا يوم ستتذكره العمرَ كله: بنتُها تلتحق بصفوف المدرسۃ.
لكن سرعان ما خاب أملها، فالفصل الدراسي يقبل أضرابَ بنتِها لا للتعلم بل للكنس، الشيء الذي رفضته البنتُ بالقطع، وباركته الأم بعزۃِ نفس ممزوجۃ بالغبن، فكان الفِصالُ مع الدرس بلا رجعۃ من أول وصلۃ كما هو الحب من أول نظرۃ وينطفي لأول عثرۃ.
الشخصيۃ الثانيۃ: جوليا من صقليۃ. فتاۃ تدير معملا لمعالجۃ الشعر وتصديره في شكل باروكات إلى أنحاء كثيرۃ من القارتين الأوروبيۃ والأمريكيۃ، بعد إصابۃ أبيها بمرض أقعده، عطل حواسه وأدخله في غيبوبۃ طويلۃ خرج منها محمولا على آلۃ حدباء. كان المعمل على وشك الإفلاس لأن الأب الذي ورثه من أبيه هو الآخر لم يتمكن من تسديد ديونه، إلا أن جوليا المكافحۃ أبَت أنْ تنصاع للأمر الواقع خصوصا أن الورشَ يوفر أقوات عدد من العاملات لطالما ضحين من أجله وقد آن الأوان لرد شيء من جميلهن ولو كلف الأمر إنجازَ أعمال هرقل الخرافيۃ. وضعت جوليا، بمساعدۃ صديق ينتمي إلى المذهب السيخي قَدِم إلى إيطاليا مهاجرا، خطۃ محكمۃ لإعاده تأهيل المصنع، فنجحت الخطۃ (يبدو أن الكاتبۃ تعاطفت بشكل مبالغ فيه مع جوليا فكانت إلى جانبها في محنتها طيلۃ الفصول المخصصۃ لها، وقد يحدث أنْ تتعاطف المرأۃ مع المرأۃ فيخسأ إبليس اللعين أو على الأقل يتورد خده من الخجل). يفهَم من النص، وذلك من حنكۃ المؤلفۃ التي لا تكتُب لا بطريقۃ بلزاك ولا بطريقۃ زولا فالعصر لا يشبه العصر، أن ضفيرۃ الفتاۃ الهنديۃ بيعت مع شعر أمها ضمن ما بيع من شعر للمصنع، فوقعت الباروكۃ المصنوعۃ من شعرِ الأم وضفيرۃِ البنتِ في يد سارۃ، أو قل على رأسها، وسارۃُ ذاتُ الاسم التوراتي هي الشخصيۃ الثالثۃ كما يفترَض أنْ يفهم القارئُ الفطِن وغيرُ الفطن على السواء، دون الرجوع إلى الأسفار العتيقۃ.
الشخصيۃ الثالثۃ: سارۃ، ثالثۃ الأثافي. امرأۃ عصريۃ، محاميۃ ناجحۃ في كندا، مطلقۃ لها بنت وولدان توأمان يعتني بهم، لقلۃ وقتها، شخص اسمه رون- بيبي سيتر مذكر، جليسُ أطفال بالعربيۃ وهي ترجمۃ لا أستطيبها لكني لا أجد غيرها أنا المترجم بحكم المزاولۃ ولا فخر-، يراهم أكثر مما تراهم هي وذلك مناسب لها تماما أو لعلها تتظاهر بأنه مناسب (لم أحفِر في المسألۃ لضيق الوقت إنْ شئتُ إعطاءَ عذر مقبول، وتكاسُلا لمن يطلب الحقيقۃ. هناك كاتب اسمه لافارغ له كتاب عنوانه: الحق في الكسل، 1880). سارۃ غارقۃ في العمل، لا تخرج من ملف إلا لتدخل في آخر، يمر العمر، بل ينفلت وتجد نفسها مصابۃ بمرض السرطان. تبدأ العلاجَ الكيماوي ويبدأ معه تساقط شعرها الجميل. أجمل ما فيها شعرها. هذه من عندي ولا يبعد أن تكون الكاتبۃ قد قالتها كذلك، لذلك لا حاجۃ للرجوع إلى النص للتأكد من شيء بدهي.
تضطر سارۃ لإخفاء شعرها المتساقط عن أطفالها أولا إشفاقا عليهم، ثم عن أنظار الغير، وهنا تلتقي مصائر الثلاثۃ: يباع الشعر في الهند، يصل إلى إيطاليا حيث يعالج، وتشترى الباروكات في كندا، وبذلك تكتمل الضفيره ذات الخصلات الثلاث.
ينتهي النص بآخر فصل مخصص لسارۃ، وينتهي الفصل بابتسامۃ منها، ولا أحد يدري هل الابتسامۃ هنا ترمز للتفاؤل بغد أفضل أو للاستسلام للقدر الغالب. لأمر ما نقشَ أهل الأندلس عبارۃ لا غالب إلا الله على جدران قصر الحمراء.





