روتين الفيلسوف/هيبتن الحيرش

نشر طوماس دو كوينسي نصه القصير والممتاز عن الفيلسوف الألماني كانط سنۃ 1827، وقد ترجِم إلى الفرنسيۃ من طرف مارسل شوب ونشِر سنۃ 1899، تحت عنوان: آخر أيام ايمانويل كانط.
يبدأ دو كوينسي بمسلمۃ لطيفۃ من عنده -واللطف مرغوب محبوب- مفادها أن كل شخص له حظ من ثقافۃ، لابد وأنْ يبدي نوعَ اهتمام بسيرۃ ايمانويل كانط، لذلك تطوعَ -له منا وعنا جزيل الشكر- لرسم صورۃ مختصرۃ لحياۃ الرجل ومألوفه اليومي- بعيدا عن مفاهيمه الفلسفيۃ المعقدۃ التي لا يدرك ما تيسرَ منها إلا الفردُ بعد الفرد-، قد جمع شتاتَ قسماتها مما بلغه من صحيحِ أحاديثِ أصحابه وتلامذته (أعني أصحاب كانط وليس كوينسي).
ولد كانط، وهو الثاني من ستۃ أطفال- وفي روايۃ الرابع من تسعۃ- سنۃ 1724 في كونِكسبرغ في بروسيا التي كانت تضم بين جنباتها خمسين ألف نسمۃ. نشأ في أحضان أسرۃ متواضعۃ، لكنها استطاعت بمساعدۃ أحد الأقارب أنْ تخَوله تعليما ليبراليا متنوعا ومتينا. سنۃ 1732، دخل الأكاديميۃ الملكيۃ حيث درس الكلاسيكيات اليونانيۃ واللاتينيۃ، وسنۃ 1737 فقَد أمه التي كان لها التأثير البالغ في تكوين شخصيته الفذۃ. سنۃ 1740 التحق بجامعۃ كونكسبرغ وكتب أولَ عمل له بعد ذلك بست سنوات لكنه لم يعرف سبيله إلى النشر. ظل منذ ذلك الحين معَلما خاصا عند بعض الأسَر، يلقي محاضرات خصوصيۃ للجيش في الهندسۃ التحصينيۃ إلى سنۃ 1770 حيث عين أستاذا للرياضيات، فأستاذا للمنطق والفلسفۃ الأولى. وفي سنۃ 1781 نشر كتابه الأشهر الذي ارتبط اسمه بعنوانه وهو: نقد العقل الخالص. عانى من أوجاع حادۃ في المعِدۃ والرأس إلى أنْ قضى سنۃ 1804.
تلك محطات بارزۃ من حياۃ الرجل الشخصيۃ والعقليۃ، وهل العمر إلا سَفرۃ تتخللها محطات للاستراحۃ والتأمل! فانظر يا أخي فيمَ تصرِف وقتك وإلى أين أنت ذاهب.
يقول قس بن ساعدۃ الإيادي في هذا الصدد، وهو من حكماء عربِ ما قبل الإسلام وليس هو بأوحدهم، وقد يكون مِن أشهرهم ولعله ألمعهم:
في الذاهبين الأولين // من القرون لنا بصائر
لما رأيتُ مواردا // للموت ليس لها مصادر
ورأيتُ قومي نحوها // يمضي الأصاغرُ والأكابر
أيقنتُ أني لا محالةَ // حيث صار القومُ صائر.
كان كانط شديدَ الاهتمام بمصير تلامذته حتى بعد تخرجهم، يسأل عن أحوالهم ويسَر لنجاحاتهم المهنيۃ والأسريۃ، حتى أنه كان يدعو بعضهم لحضور المآدب التي كان يقيمها أسبوعيا، والبعض الآخر لتناول وجبۃ الغداء المعتادۃ معه، حيث كان يحضر من ثلاثۃ أشخاص عددَ رباتِ الحُسن عند اليونان، على أقل تقدير، إلى تسعۃ عددَ رباتِ الإلهام على الأكثر. عندما يكون الغداء جاهزا يبرز الخادم المسِن مصباح وينهض المدعوون للالتحاق بقاعۃ الأكل، وعلى المائدۃ، يبدأ كانط بالحديث عن حالۃ الطقس، عن درجۃ الحرارۃ، وينتهي به المطاف إلى التطرق إلى الأحداث السياسيۃ الكبرى الجاريۃ. كان كانط يشتكي من تأخر بعض المدعويين لأنه كان لا يصيب شيئا من الطعام في يومه من الفطور إلى الغداء، ومع تقدمه في السن بات يعاني من آلام في بطنه ويحتاج إلى تعجيل الوجبۃ الرئيسيۃ، لذلك كان بالكاد يصبر حتى يلتحق آخر المعازيم.
كان أصدقاء كانط يعتبرون يوم دعوتهم للحضور عنده عيدا، لأن المأدبۃ تصحبها نقاشات مفيدۃ في المواضيع التي تهم كل مدعو على حِدۃ، حتى أن الوقت ليطير من بين أيديهم دون أن يسمعوا ما كان يطيب لهم سماعه من الفيلسوف الذي كان يركز على انشغالاتهم هم ويتجنب ما أمكن له ذلك الحديثَ عما كان يشغله هو في مؤلفاته. ذلك أن النقاش على مائدۃ الطعام كان ينصب بالأحرى على فلسفۃ العلوم، الكيمياء، الأرصاد، التاريخ الطبيعي، والسياسۃ يفرَد لها حيز كبير، والأخبار التي تتناقلها الجرائد يتم التعاطي معها بحذر شديد. وكان يحرص كل الحرص على توفير أسباب الراحۃ لضيوفه، ويفرح لما ينالونه عنده من متع حسيۃ وذهنيۃ، كما كان يصر على تجسيد صورۃ مصغرۃ للتنوع الموجود في مدينۃ كونكسبرغ، فالحاضرون عادۃ من شتى المشارب، منهم الموظفون والأساتذه والأطباء ورجال الدين والتجار الكبار المتنورون، و عدد من الشبان المختارين من بين طلبۃ الجامعۃ لإضفاء نوع من الحبور والحيويۃ على المجالس.
يتوزع باقي يومه كالآتي: بعد الغداء مباشرۃ، يخرج في نزهۃ وحده لا يرافقه أحد لكي لا يقطع عليه تأملاته. وفور عودته إلى بيته، يجلس إلى طاولۃ العمل ويقرأ إلى حدود المغرب، فيتوقف عن القراءۃ ليتأمل مليا ما قرأ، ثم يعمل على إعداد درسه المقبل أو يباشر كتابۃ جزء من الكتاب الذي يكون بصدد تأليفه، ويستسلم للنوم على الساعۃ العاشرۃ.
على الساعۃ الخامسۃ صباحا إلا خمس دقائق، يدخل الخادم مصباح، وله سابقۃ في الجيش، غرفۃَ كانط ويصيح بانضباط العسكري: السيد الأستاذ، لقد حان الوقت. يستجيب الأستاذ دون تكاسل وفي تمام الساعۃ الخامسۃ يكون جالسا إلى مائدۃ الفطور الذي هو عبارۃ عن كأس شاي، ويدخن غليونه. حوالي السابعۃ، يذهب إلى المدرج لإلقاء درسه ويعود إلى منزله يستأنف الكتابۃ. قبل الزوال بقليل يضع القلم، ويجلس في مكتبه ينتظر ضيوفه، وهكذا تكتمل دائرۃ روتينه اليومي.





