الفرد في محك الجماعۃ / هيبتن الحيرش

احترسوا من المظليين، روايۃ للكاتب فؤاد العروي، ترجمتُها من الفرنسيۃ إلى العربيۃ ونشِرت سنۃ 2023 بدار الفاصلۃ بطنجۃ. أسلوبها ساخر ينتزع الابتسامۃ من القارئ انتزاعا لطيفا، كما أنها تتضمن تأملات عميقۃ في اللغۃ والأدب والاجتماع. عدتُ خلال الأيام القليلۃ الماضيۃ إلى الصيغۃ العربيۃ أقلب ما تيسر من صفحاتها، فكانت النتيجۃ هذه البطاقۃ التي أرجو ألا تكون ثقيلۃ على المتصفح.
فلان شخصيۃ متخيلۃ، قد تكون أنت أو أنا أو هو،- الضمائر متساويۃ كأسنان المشط بأيها فعلتَ انصرفَ الفعل (في المغرب يقولون تصرفَ المكتوب بمعنى قضي الأمر)-، سقط عليه مِظلي وهو يتجول في الشارع، دخل حياته دون استئذان وأصبح جزءا لا يتجزأ من وجوده. هذه السقطۃ لم تكن في الحسبان بالنسبۃ لفلان ومع ذلك جاءت في مستهل الروايۃ، الشيء الذي يجعل القارئ يوسع من أفق انتظاره بخصوص تطورات الأحداث مع توالي الفقرات. منذ الصغر ونحن نسمع أن السماء لا تمطِر ذهبا، ومع روايۃ احترسوا من المظليين للكاتب فؤاد العروي أدركنا أنها قد تسقِط أشخاصا طائرين على آخرين سائرين.
هبط المظلي من الأعالي مثل طائرِ الشاعر بودلير، الهابطِ من عالم السحُب اللازوردي إلى أديم الأرض الأغبر: ذات يوم وأنا أتجول سقط علي مِظلي. لم يكلف نفسه عناء الاعتذار…
بهذه الكلمات غير التامات كان افتتاح المغامرۃ التي سوف يعيشها فلان في بلده، بعد أنْ عاد من الغربۃ حيث كان يدرُس هندسۃ المناجم، وبهذه الكلمات القاطعات ينتهي الافتتاح: قد يبدو هذا مدهشا، لكني تعلمتُ منذ رجوعي إلى أرض الوطن من ستۃ أشهر ألا أعجبَ من شيء كائنا ما كان.
عنوان الافتتاح الذي هو من صفحۃ ونصف هو: وكان ما كان، نزيده من عندنا سكرا: مما لستُ أذكره… فظُن خيرا ولا تسأل عن الخبر، ليكتمل البيت الشعري المعروف الذي يستشهد به ابن طفيل، في رسالۃ حي بن يقظان، على لسان الغزالي في سياق حديثه عن التجربۃ الصوفيۃ، التي يطلِق عليها اسمَ الفلسفۃ المشرقيۃ عندما يكون بصدد الكلام عن ابن سينا. تعددت الأسماء والمسمى واحد، مثلما تعددت الأسباب والموت واحد.
المظلي هو الطفيلي في الأدبيات العربيۃ القديمۃ، التي أفردَت له حكايات لا تحصى عددا لطالما قصرنا بها ليالينا الطوالَ، عندما يأبى داعي النوم أنْ يحوم بساحتنا، وروايتنا هذه لا تخلو من نكات مليحات حوله تجعله شخصيۃ لا مندوحۃ عنها في منطق السرد، بل وحتى بالنسبۃ للشخصيۃ الرئيسيۃ الإشكاليۃ التي تتكبد أفدح الخسائر بظهوره المباغت والدراماتيكي في عالمها الرتيب.
فلان مهندس، يعيش وحيدا في الشقۃ الفاخرۃ التي خصصتها له شركۃ إسمنت دكالۃ -دكالۃ منطقۃ في المغرب تعرَف في المخيال الشعبي باليد العاملۃ الرخيصۃ التي تأتي منها، حتى أن العاملَ البسيط أضحى يسمى في كل أنحاء البلد بكل بساطۃ الدكالي:
قامت شركة الاسفلت بالواجب. شقة تنتظرني في عمارة بوسَط المدينة لا يسكنها إلا زملاء المستقبل. بناية راقية خاصة بالمهندسين ! الشيء الذي لم يكن ليمنع الخادمات مِن إلقاء القمامة مِن النوافذ. الذين يسكنون الطابق السفلي يتلقون في حديقتهم شريطَ الحياةِ اليومية لزملائهم مِن الطوابق العلوية في هيئة نفايات متنوعة.
يذهب للعمل وعندما يرجع إلى بيته ناسيا أنه ترك فيه المظلي، يجد هذا قد أعد له ما لذ وطاب من أطباق تقليديۃ لا يقف على أسرارها إلا المجرب الذي احتك بأمهر الطهاۃ: الطاجين بالبرقوق، بالنسبۃ لرجل أعزب، رؤيته قبل أكله لا تقِل في شيء عن رؤيۃ تحفۃ فنيۃ لا تقَدر بأغلى الأثمان.
فلان يريد العيش فردا (أنا الذي كنت قد قررت العيش وحيدا مع قطي..)، بعيدا عن إكراهات الجماعۃ وتقاليدها التي لا حصرَ لها، لكنه يدرك في الأخير أن الطريق الأقصر لبلوغ شيء من الهناء هو موتُ الفرد الرمزي من أجل حياۃ الجماعۃ الفعليۃ، كموت المؤلف في نظريۃ الأدب الذي هو شرط لميلاد القارئ. يرى فلان فيما يرى النائم كأن موكبا جنائزيا يقترب منه وإذا الميت هو، يستيقظ فزعا، يتصبب عرقا، وفجأۃ يفهم ما عليه فعله: كيف لم أفكر في الأمر من قبل ؟ هو الحل الوحيد. الحل بسيط: يجب علي أن أحب بوعزۃ.
حب بوعزۃ هو السير مع الاتجاه العام لمنطق الأشياء، كحال رهبان الهند أصحاب النفوس المطمئنۃ، الساكنۃ، السير مع الريح (ويا جبل ما تهزك ريح ! قد يقول قائل متفائل، وقد يجيبه آخر متشائم: تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!). بوعزۃ طبعا هو المظلي الذي يدعو عنوان الروايۃ للاحتراس منه، والذي كان بِود فلان أن يقول له بنبرۃ المعلم وهو يخاطب تلميذه غيرَ النجيب:
– بوعزة، سألقنك درسا. ما رأيك في الكلمة التالية: فرد. الفرد، لفظ نبيل وعتيد. أنت ترى: هذه الكلمة غير موجودة في معجمك. القواميس المصنفة في بيروت تترجم لفظ فرد هكذا: مرء، وأنت لا تعرفه، تجهل معناه، ولم يسبق لك أنْ استعملته. مثلك كمثل العامي الذي يجري في الشوارع بحثا عن التكتل، التجمع، التدافع مِن أجل اقتناء تذكرة لحضور حفل أو مشهدِ قطع رأس. اجتماع الأجساد عائق كبير أمام انبثاق الفرد…
درس بائخ ومجاني، قد لا يخسر عليه المظلي ذو الثقۃ الزائدۃ في نفسه أكثر من ابتسامۃ عريضۃ مشفوعۃ بقبلة أخويۃ صغيرۃ على الخد أو على الجبين: أخي، أنت حقا مضحك. سأعِد لك طاجينَ دجاج باللوز.



