طقوس السلطة / حميد المصباحي

لكل سلطة طقوسها الخاصة بها منذ القدم، فقد عرف عن ملوك العالم
القديم، تنظيم مواجهات دموية، يحاكي بها المقاتلون المعارك التي خاضتها الإمبراطوريات ضد الخصوم والأعداء، حيث يخوض العبيد باعتبارهم متوحشين مواجهات تنتهي في الغالب بموتهم جميعا، وقبل ذلك يحيون الحاكم، تحية من سوف يقتلون على عتبات مجده، وهم مزهوون بالقتل أمام عيون الحاكم، كما تقام صراعات بين بطلين، يطلب المنتصر منهما الإذن من الحاكم بقتل خصمه أو تركه حيا، فيوافق الحاكم بإشارة منه بالقتل أو تحرير المنهزم أمام جمهور متعطش للقتل، منبهر بسلطة الحاكم وجبروته، وهو طقس الغاية منه، خلق رهبة في قلوب الشعوب من حكامها، كأسلوب لإخافة المحكومين من الحاكمين، وقد تتخذ الطقوس بعدا رمزيا مع تطور الحضارات الإنسانية، لذلك، كانت الطقوس، تعبيرا رمزيا عن القوة، لكن بعد الثورات، و أقدمها تلك التي حدثت أيام الرومان و قادها اسبارطاكوز، صارت السلطة تحاول التماهي مع الشعوب، و التقرب منها، و اعتبارها دليل خلودها، و شرط وجودها، فظهرت الأسر المقدسة، تلك التي تم تقديسها لتعيش مفارقة للوجود البشري، حتى تحافظ على تعاليها و سموها، عن الطبيعة الزائلة و البشرية، فما هي غايات الطقوس في الممارسة السياسية التي تختارها الدولة؟ ما هي التطورات التي عرفتها؟ و هل تستطيع التقاليد الحديثة للسلطة السياسية القضاء عليها، أم أنها ابتدعت طقوسا أخرى أسمتها بروتوكولات؟
-1طقوس الدم:
تلك البشاعات التي بها سيج الحكام وجودهم، بحيث بالغوا في تصفية
المحكومين، لدرجة أن الرجل إن مر بجانب حاكم، ووصل إلى بيته سالما، عليه أن يقدم قرابين النجاة للكهنة حمدا على سلامته، و شكرا للآلهة، التي لم تكن متمايزة عن الحاكمين، بل كانت هي صدى لهم، كما هم استمرار لوجودها، فقد كانت طقوس الحكم في الأنظمة القديمة، تستهين بحياة المحكومين، لدرجة المطالبة بدمائهم عندما يغضبونها، أو يتطاولون عليها بالنظر في وجوهها أثناء مرور مواكبهم في الممرات المؤدية للسكن الإمبراطوري العظيم، تلك كانت آليات لضمان الحكم و الخضوع بإثارة الرعب في نفوس المجتمعات، التي قبل أهلها بتلك الممارسات حماية لهم، لكن من المؤكد أن هناك طغمة مستفيدة من هذه السطوة، و هم الكهنة و المنتمون للأسر الحاكمة.
2_طقوس السحر:
كانت الممارسات الغامضة، تلك التي تدعي تملّك المعرفة بالماضي و
المستقبل، تنتمي لطقوس سحرية، كان الحكام مستدمجين لها في ممارستهم للسيطرة على المجتمعات التي كانوا يحكمونها، بحيث كانت السلطة مشخصة في الحاكم الإله، الذي له زبانيته من السحرة، الذين يبلغونه بما ينبغي فعله ليبدو متحكما في مصير المحكومين، فهو سبيل خلاصهم الأبدي، بما له من خوارق منسوبة له، بما فيها حتى بعض الظواهر الطبيعة، التي لم تسمح علوم تلك العصور بتفسيرها و فهمها.
3- طقوس السر:
غالبا ما لجأت النظم القديمة، لدس سر وجودها في أماكن السيادة، أو العبادة حفظا لها من التلاشي و الضياع، برمزية السيف الموروث أو الكتاب، بما هي آثار دالة على أحقية الحاكم في الحكم، و كل كشف عن هذه الأسرار و يعني الموت والقتل و التصفية، و دليل الاستحقاق هو الحفاظ على قدسية السر، وبذلك احتلت أمكنة البوح قداسة، و فرضت طقوسا خاصة بالحكام، مشيا و أصواتا و إشارات تحيل زمنيا على وقت الحدث أو مكانيا، بتمثيل صور المكان، كما رسمتها المخيلة الطقوسية.
– 4طقوس السياسة اليوم:
من الملاحظ أنها صارت عبارة عن بروتوكولات عامة، تحافظ على الأمجاد القديمة، باللباس الإمبراطوري و حتى الموسيقى الحربية للدول التي كان لها ماضي إمبراطوري عتيق، يتم تذكير الحضور بها، للإيحاء بقوة المشترك تاريخيا و حضاريا، لكن عموما بدأت مثل هذه الطقوس تتراجع، إلا في الدول المتخلفة، تلك التي لم تنخرط بعد كليا في الوعي الديمقراطي و الثقافي، لاعتبار السلطة و الحكم ،وظيفة، لها غاية سياسية، و ليست في ذاتها أية أبعاد تفاضلية أو تمييزية.
5- طقوس الحداثة:
قد يبدو الأمر مفارقا، إذ جرت العادة على اعتبار الحداثة، مناقضة للتقليد، والطقوس تنتمي اعتقادا وأفعالا إلى التقليد، لكن السياسة، بما هي فكر غايته مبررة لكل الوسائل، لذلك فهو فكر لضمان الهيمنة بتحويل الأفكار إلى إيديولوجيا، أي، قيم جماعة بهذا الفكر تخفي مصالحها، إما بالدين وقداسته أو حتى قداسة الوطن إن لم يعد للدين تأثير بفعل العلمانية أو الوعي الثقافي والسياسي بالواجبات والحقوق، التي يخضع لها الساسة الحاكمون كما المحكومين، فابتدعت السلطة مفهوم الأصالة بتحيين القديم في قالب الجديد، أي عدم التنكر للتاريخي بغية إعادة صنعه بدون تكراره كما هو، كما أن هذه الصيغة الطقوسية في الحداثة، سمحت بالتعامل مع دول نظم حكمها تقليدية حد الخرافة، مادام ذلك يبقيها بعيدة عن مجال التنافس العلمي والاقتصادي، وهو ما يسمح للدول الصناعية بتأمين مبيعاتها من المنتوجات المصنعة لمثل هذه الدول التي تظل بحكم تقليديتها، تابعة للتحالفات القوية وطالبة لحمايتها ممن يفوقونها قوة وعلما وحتى من خصومها داخل البلد نفسه.
إن العنف مظهر طقوسي، بحضوره ينشد غاية تقليدية، وهي التخويف، تنضاف لذلك كل الممارسات السياسية السرية أو الغامضة، وهي ظواهر موجودة حتى في الدول الحديثة، بل الديمقراطية، إذ هناك أياد خفية تتحرك، أو لنقل وسخة، تحركها الدولة بدون أن تتورط في نتائجها وفي ممارساتها، وبذلك فالديمقراطية لم تلغ طقوس السلط، خصوصا السرية في خفائها وعنفها رغم الرقابة وكل أشكالها، غير أنها مضبوطة داخليا، أما خارجيا، فالمصالح أقدس من كل المبادئ وأبقى.
بذلك فالحداثة حدثت طقوسها بالخفي والعنف غير المبالغ فيه داخليا، أما خارجيا، فهو ضرورة يتم استحضارها وحتى تشريعها ضد الخصوم والمنافسين، الذين يتم تحويلهم إلى أعداء بمجرد قرار سياسي حربي أو اقتصادي.



