📰 آخر الأخبار
البنا۽ الشعري في قصيدة "لله عاقبة الأمور" للشاعر اليمني ضيف الله سلمان /زياد السالمي طقوس السلطة / حميد المصباحيPoems/ Mariela Cordero (Venezuela)بطل بلا عنوان/هيبتن الحيرشCELESTIAL SHIPS by Biljana Petković-Serbiaكي تحلق بعيدا/سالم الياس مدالومسبحة الوزير؟! "لماذا يثور الشارع على المظاهر ويهادن المعضلات؟" /د.محمد نبيل كبهامن العلامة إلى المعرفة: الفراسة والقيافة والريافة في الثقافة العربية الإسلامية/ لطفي العبيديحين يتآمر المثقف على الحقيقة:أزمة الضمير والأخلاق في الثقافة العربية المعاصرة/أ.د. سيّار الجميلمسارح الجوارح  - سميرة جدي - الجزائرقراءة  تأويلية في الخطاب النقدي في تجربة علي جعفر العلاق/اسامة غانمThe Wicked Souls By Soran Mohammedهجرة النوارس/سنية عبد عون رشوI SEND YOU SNOW AND RAIN/Dr.Zainul Husain, Indiaصانعُ الخطى ومرمّم الانكسارات/غدير حميدان الزبونMachine guns cackled like partridges/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanقصائد هايكو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالضفيرتان وشارب /دعاء البطراويالأسلوبيّة التّعبيريّة عند بيير جيرو في كتابه الأسلوبيّة/د. عريب محمّد عيدتهشيم الصنم في رواية "بجعات برّية:دراما الصين في حياة نساءٍ ثلاث 1909 ـ 1978"/أحمد غانم عبد الجليلصرمت حبالك بعد وصلك زينب/صالح بن عبد القدوسهمسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردن
البنا۽ الشعري في قصيدة "لله عاقبة الأمور" للشاعر اليمني ضيف الله سلمان /زياد السالمي طقوس السلطة / حميد المصباحيPoems/ Mariela Cordero (Venezuela)بطل بلا عنوان/هيبتن الحيرشCELESTIAL SHIPS by Biljana Petković-Serbiaكي تحلق بعيدا/سالم الياس مدالومسبحة الوزير؟! "لماذا يثور الشارع على المظاهر ويهادن المعضلات؟" /د.محمد نبيل كبهامن العلامة إلى المعرفة: الفراسة والقيافة والريافة في الثقافة العربية الإسلامية/ لطفي العبيديحين يتآمر المثقف على الحقيقة:أزمة الضمير والأخلاق في الثقافة العربية المعاصرة/أ.د. سيّار الجميلمسارح الجوارح  - سميرة جدي - الجزائرقراءة  تأويلية في الخطاب النقدي في تجربة علي جعفر العلاق/اسامة غانمThe Wicked Souls By Soran Mohammedهجرة النوارس/سنية عبد عون رشوI SEND YOU SNOW AND RAIN/Dr.Zainul Husain, Indiaصانعُ الخطى ومرمّم الانكسارات/غدير حميدان الزبونMachine guns cackled like partridges/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanقصائد هايكو نسوية يابانية/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالضفيرتان وشارب /دعاء البطراويالأسلوبيّة التّعبيريّة عند بيير جيرو في كتابه الأسلوبيّة/د. عريب محمّد عيدتهشيم الصنم في رواية "بجعات برّية:دراما الصين في حياة نساءٍ ثلاث 1909 ـ 1978"/أحمد غانم عبد الجليلصرمت حبالك بعد وصلك زينب/صالح بن عبد القدوسهمسات العشق بين بلاغة البوح وصناعة الاستثناء: قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة نجية تزروت/عبد العزيز الخبشي- المغربقراءة أنثروبولوجية في دلالة الوعيد في الثقافة الشعبية/ا.د حمام محمد...الجزائرتاج البلاد / نسمة مختارحرص الغرب على ترجمة روايات سحر خليفة/إبراهيم أبو عواد / الأردن
مقالات نقدية

بطل بلا عنوان/هيبتن الحيرش

صورة لرجل ينظر نحو اليسار بتعبير جاد، بينما يظهر جزء من وجهه بشكل واضح.

                                                              

قرأت روايۃ احترسوا من المظليين لفؤاد العروي، في صيغتها الفرنسيۃ منذ سنوات خلت، وهي الروايۃ الوحيدۃ التي قرأت له رغم أن نصوصا أخرى له كانت في خزانۃ الكتب العائليۃ، كان أخي المهتم بالأدب المغاربي الناطق بالفرنسيۃ- كما يحلو له القول- يقتنيها ويطلع عليه وقد يقرأها مرات. أما أنا فباستثناء هذه الروايۃ وروايۃ زكيۃ داود عن زينب زوجۃ يوسف بن تاشفين، التي ترجمتها إلى العربيۃ سنۃ 2010 ونشرتها عند دار افريقيا الشرق، وبعض أعمال خير الدين (أربعۃ منها أظن)- فقد كنت أنجزتُ بحثا جامعيا عن أسطورۃ وحياۃ اغونشيش– فلم يكن لي وليس لي إلى الآن كبير اهتمام بالأدب المغاربي والعربي المعاصر على العموم. لربما أغفلتُ ذكر نصين آخرين أو ثلاثۃ، لكن ليس مرادنا هنا الاستقصاء. 

الفكرۃ التي بقيت في ذهني عن روايۃ العروي هي أنها مكتوبۃ بأسلوب ساخر، بسيط لكنه جيد، وأنا أحب الفكاهۃ (ليس كل أنواع الفكاهۃ طبعا)، والسخريۃ (لكن في حدود)، والنكتۃ الذكيۃ (غير المجانيۃ وغير القاسيۃ والتي تخلو من الحقد) وأضحك منذ وعيت، أي على الأقل منذ مرحلۃ الإعداديۃ. اتصلت بالعروي وتبادلت معه رسائل الكترونيۃ بخصوص نصوص كنت أشتغل عليها مع أخي، واقترحت عليه -بصفتي مترجما- أن أنقل إلى العربيۃ أحدَ كتبه، وفي البال أغنيۃ: احترسوا من المظليين. وافق مبدئيا وكانت تلك هي الانطلاقۃ. هو الذي اقترح علي إرسالَ النص إلى دار نشر الفاصلۃ بطنجۃ، ولن أخوض في السبب ولا في علاقتي مع الدار فتلك جولۃ في بستان آخر كما يقول محمد شكري (الذي كنت أقرأ له في التسعينات، ولم أحتفظ بأي كتاب له في مكتبتي الخاصۃ). 

لي قصۃ مع الروايۃ. النسخۃ الأصليۃ التي كانت لدينا أهداها أخي لصديق اسباني مهتم بالسرد المكتوب باللغۃ الفرنسيۃ، يقطن في قضاء مرسيۃ- مسقط رأس ابن عربي بالمناسبۃ- فحاولت الحصول على نسخۃ أخرى، لكن عبثا. عبأتُ مجموعۃ من الأشخاص في أماكن متعددۃ: أكادير، مراكش، البيضاء، الرباط وطنجۃ -أنا في الجنوب- (في ذلك الوقت لم يكن الطلب عبر الانترنت متاحا)، ولا أحد منهم استطاع العثور عليها بما فيهم ناشر ترجمتي لزينب النفزاويۃ ملكۃ مراكش. اهتدى أحد الأصدقاء إلى فكرۃ غابت عني: ذهب للمكتبۃ الوطنيۃ في الرباط وصور لي نسخۃ، هي التي اعتمدتها في الترجمۃ (لم أخبر الكاتب بالأمر لكي لا يظن أني غير جاد). 

أبدأ بالعنوان ليس لأنه أول شيء ترجمته في النص، بل لأنه أول شيء بعدَ اسم الكاتب يعترض القارئ وهو يتصفح الكتاب. ذلك أن العنوان بصيغته المحتفَظ بها لم يترسخ إلا بعد ترجمۃ جزء كبير من الروايۃ، وذلك أمر طبيعي. فكرتُ في البدايۃ في الصياغۃ الآتيۃ: احذروا من المظليين (صديق يمارس الصحافۃ على مستوى جهوي اقترح علي: أصحاب المظلات بدل المظليين، لكني لم أسايره في الاجتهاد واخترت أن أبقى من أهل الاقتصاد في الكلام)، ومع توالي الصفحات المترجمۃ بان لي أن المقصود ليس هو التحذير ذا النبرۃ التخويفيۃ، فالأمر يتعلق -ليس إلا، حسب كلام الفقهاء- بدعوۃ لاتخاذ الحيطۃ من الأشخاص الذين يدخلون حياۃ الإنسان ويقلِبونها رأسا على عقب، ليس بالضرورۃ بالمعنى السلبي (وهو أمر وارد على كل حال)، فقد يدخِلون عليها نوعا من الحركيۃ التي تنقصها في الأصل فيحِلونها (أي يجعلونها حلوۃ) أو يمِرونها (يجعلونها مرۃ)، ونلاحظ أن بطل الروايۃ الذي عانى من، أو قُل عرف هذا النوع من التغلغل في حياته الشخصيۃ، قد خلص إلى نتيجۃ هي قبول الدخيل وغض الطرف ومسايرۃ الأمر الواقع، لأنه في النهايۃ ليس بذلك السوء  الذي يمكن تصوره ببادئ الرأي:  

استيقظتُ فزعا، قلبي يخفق، أتصبب عرقا. وفجأۃ، فهمتُ ما علي فعله. كيف لم أفكر في الأمر من قبل ؟ هو الحل الوحيد. الحل بسيط: يجب علي أن أحب بوعزۃ. (ص.221). 

بوعزۃ طبعا هو الدخيل، هو المظلي الذي نزل من سماء الراوي إلى أرضه ليملأها نشاطا وظُرفا بعد أنْ ملئت كآبۃ وسخفا.  بطل الروايۃ- إن جاز القول- هو بطل إشكالي -إن أردنا استعمال اصطلاح لوكاتش- لأنه لا يجسد قيم الجماعۃ مثل أبطال هوميروس بقدرما هو فرد يبحث عن قيم جديدۃ، خاصۃ، مؤقتۃ، بل لعله يطمح إلى شيء وراء الخير والشر حسب عبارۃ نيتشۃ المشهورۃ-، وليس بِدعا من القول أن يخصص الكاتب فصلا هو الثاني في الترتيب والأول على الحقيقۃ إذِ السابق عبارۃ عن توطئۃ من صفحتين لا أكثر، ولربما أقل، والفصل المشار إليه عنوانه الدال: الفرد يعود إلى بلده، ويليه فصل آخر يكرس مفهوم الفرد، عنوانه: الفرد يستقر في الديار، وتنتهي القصۃ بفصل عنوانه: موت الفرد، وذلك من نباهۃ الكاتب الآخذ بتلابيب قصته. 

للإشارۃ، فالعروي وهو ينظر في الأصل الفرنسي ويبحث له عن مقابل عربي، يبدو أنه تصفح المعاجم العربيۃ الحديثۃ (منها المورد والمنهل) ووجد فيها الترجمۃ الآتيۃ: شخص ومرء، لكننا نأخذ بالمقابل الرائج والمناسب الذي هو الفرد. نشير هنا فقط على سبيل النكتۃ إلى أن المعاجم المذكورۃ كانت تترجم كلمۃ بورجوازي هكذا: مُفانِق، والمفانق هو المتأنق في عيشه !

درس البطل الإشكالي في الغرب وعاد للعمل مهندسا في اسفلت دكالۃ، وما إنْ وضع قدميه على أرض طنجۃ حتى وجد نفسه في مشاكل لا أول لها -ولحسن الحظ لها آخر،-مع الجمارك، ثم مع جهۃ لا يعرف اختصاصها، تمتلك مقرا سريا مدججا بالآلات، فقد شُك في كونه يعمل لصالح جهۃ معينۃ – أو بالتحديد غير معينۃ- هو الذي يعتبر نفسه فردا لا انتماء له، لا إلى جهۃ ولا إلى قبيلۃ ولا إلى مدينۃ، واسمه أصلا دال على صفته: فلان. فلان لا تعَلقَ له بجهۃ محددۃ، هو اسم قد يحمله مَن هب، وقد وفقنا في إيجاد هذا المقابل بسرعۃ ودون كبير عناء لأنه في المتناول ولأنه رائج كاسم عائلي في المغرب. يأتي الفرد الملقب بفلان  من الغرب حيث النزعۃ الفردانيۃ هي السمۃ المهيمنۃ، اللهم إلا بالنسبۃ للانتماءات الحزبيۃ والنقابيۃ وقس على ذلك نظائره، ويحل ببلد ما يزال فيه الانتماء إلى الجماعۃ والمدينۃ هو الغالب والمحدد لهويۃ الشخص. هنا يظهر التوتر بين الفرد بمفهومه الغربي والعقل الجمعي الحاكم إلى حد بعيد في المغرب (يتعلق الأمر طبعا بمغرب الثمانينات والتسعينات كما كان يراه الكاتب، وإلا فإنه عاد منذ سنوات للتدريس في بلده وانخرط في همومه الجماعيۃ). حوار بين فلان وأحد الزملاء في العمارۃ المخصصۃ للمهندسين يعطي صورۃ واضحۃ عما ذكرنا (ص.20):

  • أتشرف بمعرفتنك. اسمي فلان (ماشان).

ارتجفَ وقد شحب وجهه:

  • آل فلان من مكناس، أصحاب آلات تقشير الفول السوداني ؟ 
  • لا أدري. ربما لي أقارب في مكناس، لكني لا أعرفهم.
  • أو آل فلان من تازۃ، أصحاب ترميم الأسنان .
  • لا أعرفهم. 

بدا عليه القلق.

  • هناك أيضا آل فلان في أكادير، أصحاب علف الإبل…

العروي ماهر في اختيار الألقاب. من بين الشخصيات: الساجور -أحد المفتشين أو لعله من الجهۃ المجهولۃ الاختصاص- والكلمۃ يستعملها بالعربيۃ في النص ويشرحها (ص.18):

  • اسمي محمد ساجور، ساجور (قام بحركۃ يحاكي بها خنقَ تفسِه) كلمۃ تعني القلادۃ، قلادۃ الكلب. لن تنساني، أليس كذلك ؟ كلما رأيتَ كلبا تذكرتني. 

هنا لا يحتاج المترجم إلى بذل أي جهد من أجل إيجاد مقابل ملائم، فهو بين يديه، واللقب الآخر الجاهز هو السيجار، والتقارب اللفظي بين اللقبين -ساجور وسيجار -واضح غني عن البيان، لا يمكن أن يفوت القارئ النبيه للصيغۃ العربيۃ. 

اعتدت أن أترجم من الفرنسيۃ إلى العربيۃ نصوصا من مشارب متعددۃ: فلسفۃ، تاريخ، انتروبولوجيا وأدب لكن من طبيعۃ غير طبيعۃ نص العروي الذي يتميز ببساطۃ الأسلوب وبقدر كبير من السخريۃ. والواقع أني ما ترجمت النص إلا لجانب السخريۃ الاجتماعيۃ فيه، فهو يتضمن جرعۃ كبيرۃ من النقد الساخر للأوضاع الاجتماعيۃ في البلد ولبعض الممارسات مثل المحسوبيۃ، والتزلف لذوي النفوذ، والتسلط والفضول غير الحميد، الخ.  

نموذج من السخريۃ التي أثارتني في النص:

إلى حدود ذلك الاصطدام، لم يكن أحدنا يعرف الآخر. لحظة مزعجة حقا. نهضتُ وأنا أنفض الغبار عن ملابسي مثلما يفعل الممثلون في الأفلام، ثم استدرتُ نحوه. وجدته واضعا رأسَه بين يديه وهو يبكي بحرقة. لم يسبق لي أنْ رأيتُ رجلا يبكي، اللهم إلا في التلفزة عندما يضيع لاعبُ كرةِ قدم ضربةَ جزاء. ما الذي يتوجب فعلُه مع رجل يبكي ؟ أحسب أني أحسِنُ التصرفَ مع امرأة. أحيط جِيدَها بذراعي، وأهمس بصوت رجولي وناعم في الوقت نفسه: « لا بأس… لا بأس. » لكن مع مِظلي ؟ بحذائه الثقيل ؟ بكل عُدته ؟ بشاربه الذي يذكر بستالين ؟  

المقاطع من هذا النمط كثيرۃ ونفَس الدعابۃ يخترق الكتاب من أوله إلى آخره، ابتداء من العنوان نفسه الذي لا تخفى روحه المرحۃ. 

هذه المقاطع هي من الصعوبۃ بمكان في ترجمتها، نظرا لأنه ينبغي الحفاظ على جانب السخريۃ فيها وتأديته بشكل سليم في اللغۃ العربيۃ، وواضح أن المجالين التداوليين (المجال التداولي الفرنسي والمجال التداولي العربي) مختلفان أشد ما يكون الاختلاف في باب التعبير الساخر وفي الصور الساخرۃ والمجازات والاستعارات والتشبيهات، فالكلام المضحك في الفرنسيۃ قد يتحول في الصيغۃ العربيۃ إلى كلام جاد، أو حتى مبتذل، وسنحاول هنا إعطاء أمثلۃ، ونبدأ باسم بطل الروايۃ. كلمۃ ماشان في الفرنسيۃ فيها قدر من السخريۃ، وهي تعني الشيء عديم القيمۃ الذي لا يلتفَت إليه، أو التافه الذي لا يستحق حتى أن يطلق إليه اسم، وكان من الممكن أن نبحث لها عن مقابل في الدارجۃ المغربيۃ وهو موجود، لكننا اخترنا كلمۃ فلان وهي كلمۃ عامۃ محايدۃ إن شئنا القول لا تتضمن أي درجۃ من السخريۃ، فكيف بالسخريۃ اللاذعۃ التي تفوح من الأصل الفرنسي ! ماشان في النص لقب، وقد شجعنا على استعماله كون فلان أصلا اسم عائلي ذائع الصيت في البلد. والظاهر أن الكاتب اختاره متعمدا وبرويۃ وبعد تفكير عميق لبطل روايته، لأنه اسم دال على شخص يريد الابتعاد عن الجماعۃ، أي يريد حسب تعبيره أن يكون فردا قائم الذات لا رقما من بين أرقام أخرى داخل المجموعۃ المغلقۃ. ولو كان البطل غير ذلك لاختار له اسما عائليا معروفا يبرز أصله الاستقراطي الفاسي أو الأندلسي، وإلا فهو فلان والقارئ لا يعرف له أبا ولا جدا ولا شجرۃ نسب متجذرۃ في التربۃ وفي التاريخ. 

مقطع من النص يذهب هذا المذهب، ويطرح مسألۃ الهويۃ: 

مَن أنت ؟ قال.

تملكني شعور بالخوف. السيجار رجل قوي على ما يبدو، قد عرف بسرعة فائقة نقطةَ ضعفي. « مَن أنت ؟ »، سؤال ليست لدي إجابة مقنعة عليه. مَن أكون حقيقةً ؟ تذكرتُ السطور الأولى مِن رواية نادجا: « لماذا لا يرجع الأمر لمعرفة مَن أرافق ؟» لكن، منذ عودتي إلى الدار البيضاء لا أرافق أحدا. أمضي وقتي متسائلا مَن أكون، فكيف أشرح هذا الأمر الغامضَ لرجل تقاس لديه الدقيقةُ بمائة ألف دولار. 

مَن أكون ؟ 

سؤال الهوية مرتبط بميزة فظيعة: الإنسان (الفرد) يفكر ويعرف أنه يفكر. منذ مرحلة المرآة، نعلم أن الأنا كامنة  في الآخر. إعطاء تعريف لهذه الأنا للسيجار ؟ أستطيع أنْ أتخلص مِن الصعوبة بالتصريح بأن السؤال غير مطروح أصلا. ألا تهدف بعض الديانات في الشرق الأقصى إلى التخلص مِن الأنا ببلوغ مقام الإشراق ؟

ومقطع آخر يسخر فيه من التعلق بالأصول ويشرح كيف أصبح فاسيا: 

العراقي مِن أصل فاسي، لذلك ظن الجميع أني فاسي مِن جهة الأم، إذ اسم فلان ليس معترفا به مثل التازي، الحلو وبنجلون. لا، قلتُ محتجا، لستُ فاسيا ! الواقع أني لا أريد أنْ أكون شيئا… وتلك هي الحقيقة.

لا شيء يزعجني أكثر مِن هذه النرجسية المتمثلة في الفوارق البسيطة، هذا الإصرار على الافتخار بالخصائص الجماعية، عادة لإخفاء فقر فردي. الفاسيون نبهاء ومتعلمون، السوسيون تقاة ومثابرون، أهل الرباط متحضرون… أما سكان مراكش، الذين يأتون إلى السواحل لقضاء الصيف، ويفرضون على الجميع مزاجهم المرح ونكتهم التافهة، فبعضهم يثبِتون في سجلات الحالة المدنية لأطفالهم أسماء تدل على الشرف. وهكذا، ترى الصبيَة يعدُون في الشواطئ يناديهم آباؤهم بكل فخر: مولاي فلان، سيدي علان. شرف زائف، ارستقراطية معلنة مِن جانب واحد… ولو رأيتَ كبرياءَ الصبي واحتقاره لمن سواه ! هو المدلل، الشريف، يفرض الاحترام على مَن سواه وإنْ كان مبرزا، فنانا أو حتى عالما أفاد الإنسانيةَ بابتكاراته، إلا أنه لا يساوي شيئا لأنه مجرد فرد ليس له نسب شريف. 

يجوز القول بأن السارد هنا وهو فلان يتطابق نوعا ما مع الكاتب، أو على الأقل هو لسانه الناطق باسمه، وبما أنه فلان أي لا أحد أو أي أحد، فقد يتكلم باسم الجميع مع استثناء بسيط: الأشخاص الذين ينتقدهم، أصحاب الهويات الجاهزۃ، النرجسيات المتضخمۃ : الفاسي النبيه، السوسي التقي، الرباطي المتحضر، المراكشي المرح، الشريف، سيدي ومولاي حسب التعبير الدارج، وقس على هذا أشباهه. 

بعباره أخرى، إن اختيار لقب ماشان لبطل الروايۃ اختيار صائب، هو الذي لا يمثل أحدا وفي الوقت نفسه يمثل كل أحد، أي أنه المحايد الذي قد يستقطبه الجميع، واختيارنا لفلان كمقابل له يبدو لنا ملائما.    

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية