الفيلسوف والصوفي/هيبتن الحيرش

خلال القرن السادس الهجري، انعقد لقاء خاص في الأندلس بين فيلسوف ترسخَت مكانته وتأكدت موسوعيته، وصوفي ما يزال في بدايته إلا أن الأصابع بدأت تشير إليه لعجيب المعارف الميتافيزيقيۃ التي كانت لديه.
الفيلسوف هو ابن رشد، أبو الواليد؛ والصوفي هو ابن عربي، محيي الدين الحاتمي الطائي.
سوف نقول لاحقا شيئا عن لقاء الاثنين الكبيرين، لقاء القمۃ وعن سياقه، لكن لنعطِ قصبَ السبق لابن رشد فهو أكبر الاثنين سنا وللمسِن عندنا قدر.
المؤرخ المراكشي، صاحب المعجِب في تلخيص أخبار المغرب (ت. 647ه)، يورد شهادۃ تاريخيۃ هامۃ عن ولوج ابن رشد قصرَ السطان الموحدي أبي يعقوب. ابن رشد نفسه-بلحمه ودمه- يصور المشهد، وإذا تكلم الحكيم ما على غير الحكماء إلا الإصغاء وإلا فاتتهم الأنباء:
لما دخلتُ على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبا بكر بنَ طفيل ليس معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي، ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي: ما رأيهم في السماء- يعني الفلاسفۃ- أقديمۃ هي أم حادثۃ ؟ فأدركني الحياء والخوف، فأخذتُ أتعلل وأنكِر اشتغالي بعلم الفلسفۃ، ولم أكن أدري ما قررَ معه ابن طفيل، ففهِم أمير المؤمنين مني الروعَ والحياء، فالتفتَ إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألۃ التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفۃ، ويورد مع ذلك احتجاجَ أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارۃَ حِفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له، ولم يزل يبسطني حتى تكلمتُ، فعرفَ ما عندي من ذلك، فلما انصرفتُ أمرَ لي بمال وخُلعۃ سَنيۃ ومَركب.
يضيف:
استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي: سمعتُ اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلَق عبارۃ أرسطوطاليس، أو عبارۃ المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه، ويقول : لو وقَع لهذه الكتب مَن يلخصها ويقَرب أغراضها بعد أنْ يفهمها فهما جيدا لقَربَ مأخذَها على الناس، فإن كان فيك فضلُ قوۃ لذلك فافعل، وإني لأرجو أنْ تفي به لما أعلمه من جودۃ ذهنك وصفاء قريحتك وقوۃ نزوعك إلى الصناعۃ وما يمنعني من ذلك إلا ما علمتَه من كبرۃ سني واشتغالي بالخدمۃ وصرفِ عنايتي إلى ماهو أهم عندي منه.
والظاهر أن ذلك ما حدا بابن رشد إلى أنْ يلخصَ ما لخصَ من كتب أرسطو، وهو كثير ومتنوع ومشهور في المغرب والمشرق ومعتمد في الجامعات العربيۃ ولدى الباحثين في حقل الفلسفۃ والمهتمين بآراء الأوائل، بأقوالِ المعلم الأول على وجه الخصوص، ليس هذا وحسب بل إن تيارا فلسفيا برز للوجود في جامعۃ باريس القرن 13م، أطلِق عليه اسمُ الرشديۃ اللاتينيۃ، وكفى بذلك صيتا وسمعۃ.
يمثل ابن رشد الجانبَ العقلاني من الثقافۃ العربيۃ الإسلاميۃ، بينما يمثل ابن عربي جانبَها العرفاني. طبعا، المفكرون العرب المعاصرون هم في الأغلب الأعم في صف العقلاني، حتى أن كبيرهم الذي علمهم التفكير وأقصد الجابري- وهو علَم في رأسه نار كما تقول الخنساء في أخيها صخر- قد أفرد حيزا كبيرا من وقته وجهده للتعريف بأعماله في العالم العربي (هو، أي الجابري، الذي كان في عِقد الثمانينات كله وشَطر من عِقد التسعينات يمتلك سلطۃ فكريۃ وثقافيۃ يكاد لا ينازعه فيها مفكر)، كما عمل رفقۃَ فريق من المختصين على تحقيق مصنفاته التي صنفها ابتداء، مثل فصل المقال فيما بين الحكمۃ والشريعۃ من الاتصال، وقدمَ لها بمقدمات تحليليۃ تضعها في سياقها التاريخي وتشرح ما استغلق منها. ولقد كتب سيرۃ ذهنيۃ له -إنْ جاز التعبير- تقَرب كثيرا مما بَعُد من أفكاره إلى القراء غير المتمرسين وتجعلها في متناول أفهامهم بأيسَر طريق وأقصَره وأمتَعه.
والعرفان عند ابن عربي هو مِن طور غير طور العقل (المجرد)، هو الذي جعل العلوم على ثلاث درجات. علم العقل: ما يتم تحصيله بالضرورۃ وينتُج عن النظر في دليل؛ علم الأحوال: لا يحصل إلا بالذوق ومثاله معرفۃ حلاوۃ العسل ومرارۃ الصبر ولذۃ الجماع؛ وعلم الأسرار: العلم الذي هو فوق طور العقل، وهو العلم الشامل الذي يحتوي جميعَ المعارف.
كان ابن رشد صديقَ والدِ ابن عربي. وكان ممن سمع وانبهر بأقوال الفتى القادم من كوكب آخر، أقواله الشاذۃِ وغير المألوفۃِ في مبحث الوجود ومراتبه، الخ.، فعَبر للوالد عن رغبته الشديدۃ والملحۃ في رؤيۃ الولد، وكذلك كان. تفاصيل هذا اللقاء الاستثنائي يرويها هذه المرۃَ ابنُ عربي بعَذبۃ لسانه في الفتوحات المكيۃ:
ولقد دخلتُ يوما بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به علي في خلوتي، فكان يُظهر التعجبَ مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجة قصدا منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأنا صبي ما بقَل وجهي ولا طر شاربي. فعندما دخلتُ عليه قام من مكانه إلي محبةً وإعظاما، فعانقني وقال لي: نعم ؟ قلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم إني استشعرتُ بما أفرحَه من ذلك فقلت له: لا، فانقبض وتغيرَ لونه وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمرَ في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم … ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواحُ من موادها والأعناقُ من أجسادها، فاصفَر لونه وأخذه الأفكَلُ وقعَد يحَوقِل، وعرفَ ما أشرتُ به إليه.
يظهر من هذا المقطع بما لا يدع للشك مجالا أن الفيلسوف المعترَف بقيمته شك فيما اكتسب من معارف (وهو غزير لا ينكره إلا مكابر)، وهو ثمرۃ مثابرته واجتهاده في التحصيل وتأملاته العميقۃ في الوجود (يروى أنه لم يتوقف عن القراءۃ والكتابۃ سوى ليلتين: ليلۃ زفافه وليلۃ وفاۃ والده)- قلتُ شك فيه وأخضعه لسلطۃ الصوفي الناشئ، الذي لم يرُده جملۃ وتفصيلا مثلما أنه لم يقبَله بحذافيره، كما تشهد بذلك نعَم المتبوعۃ مباشرۃ بلا، ذلك أن الأشياء هي مِن التعقيد والتركيب بمكان، بحيث يعسر البت فيها بتا تاما لا جَمجَمۃَ فيه حسب تعبير ابن طفيل.
تفهَم إشارۃُ ابنِ عربي نوعَ فهم باستحضار رده، في مستهل الفتوحات، على الفقهاء الذين يحذرون الناس منه ومن مذهبه بحجۃ أنه فيلسوف، الشيء الذي ينفيه نفيا قاطعا محاولا أنْ يشرح أن كلامَ الفيلسوف لا يرفَض كله:
ولا يحجبنك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم… إذا وقفتَ على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحبُ نظَر في أي علم كان، فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق إنه فيلسوف لكون الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها، وإنه نقلها منه أو إنه لا دين له، فإن الفيلسوف قد قال بها ولا دين له، فلا تفعل يا أخي فهذا القول قول من لا تحصيلَ له، ِإذ الفيلسوف ليس كل عمله باطلا، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق… ولا سيما فيما وضعوه في الحِكم والتبري من الشهوات ومكائد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر، فإن كنا لا نعرف الحقائق، ينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة المعينة.
انقضَت سنوات بعد اللقاء المذكور، فمات ابن رشد (595ه). المقدمۃ الكبرى: كل إنسان فان؛ المقدمۃ الصغرى: ابن رشد إنسان؛ النتيجۃ: ابن رشد فان. دفِن في مراكش، وبعد حين أخرِج من لحده ونقِل إلى قرطبۃ. مشهد مهيب من مأساۃ شيكسبيريۃ لا تخلو من أشباح: رفات الفيلسوف في عِدل وكتبه في عِدل، والعِدلان ككفتي ميزان والميزان حاكم. يمر الموكب بالصدفۃ- الصدفۃ خير من ألف ميعاد- من أمام ابن عربي وزمرۃ من أصدقائه، فيرتجل هذا كلاما بليغا أملَته الظروفُ واحتفظَت به سجلاتُ التاريخ: هذا الإمام وهذه أعمالُه… يا ليتَ شعري هل تحققَت آمالُه.




