جورج أورويل:الروح الرياضية/ترجمۃ: هيبتن الحيرش

الآن وقد عاد فريقُ دينامو لكرة القدم إلى بلاده، أضحى ممكنا إعلانُ ما كان كثير من العقلاء يسِرونه حتى قبل وصوله، وهو أن الرياضةَ مصدر لا ينضب للعداوة، وأن هذا الضربَ من الزيارات، إنْ كان له نوعُ تأثير على العلاقات الانجليزيۃ السوفيتية، فلا يمكن أنْ يكون غيرَ جعلِها تزداد سوءا.
الصحافة نفسها لم تقوَ على إخفاءَ حقيقۃِ أن اثنتين -على أقل تقدير- مِن المباريات الأربع التي أقيمت قد أثارتا قدرا كبيرا من العداوۃ. خلال المقابلۃ مع أرسنال، حسبما قال لي أحد المتفرجين، دخل لاعِبان، أحدهما بريطاني والآخر روسي، في شِجار وهتفت الجماهير ضد الحَكم. بلغني كذلك أن مباراة غلاسكو كانت من وقت انطلاقها إلى نهايتها عبارۃ عن عِراك. أثيرَ أيضا ذلك الجدال، الذي هو سمۃ مميزۃ لعصرنا الحالي الموسوم بالنزعات الوطنيۃ، حول تركيبة فريق أرسنال: هل كان فعلا فريقا وطنيا كما أكد الروس، أم مجردَ ناد من البطولۃ كما ادعى البريطانيون؟ وهل صحيح أن فريق دينامو قطعَ جولته بغتة لتفادي مواجهةِ تشكيلۃ وطنيۃ حقيقيۃ؟ وكالعادۃ، يجيب كل واحد على هذين السؤالين بدلالۃ توجهاته السياسيۃ. على أن هناك استثناءات. لاحظتُ باهتمام- كمثال صارخ على الانفعالات المرَضيۃ التي تثيرها كرۃ القدم- أن المراسل الرياضي في صحيفۃ نيوز كرونيكل المعروفۃ بتعاطفها مع الروس قد تبنى خَطا معاديا لهم، وأكد أن أرسنال لم يكن منتخبا وطنيا. ولا مِراءَ أن هذا الجدال سوف يمتد لسنوات في حواشي كتب التاريخ. في الانتظار، فإن حصيلةَ جولةِ دينامو- إنْ جاز الحديثُ عن حصيلة- هي تَجددُ مشاعرِ العدَاء بين الطرفين.
وهل يجوز أن يكون الأمر على غير ذلك؟ ما زلتُ أندهش لسماع أشخاص يصَرحون بأن الرياضة من شأنها توثيقُ أواصرِ الصداقة بين الشعوب، وأن الناس العاديين من شتى أنحاء العالم، لو أُتيحت لهم فرصةُ الالتقاء في ملاعب كرة القدم أو الكريكيت، لَتلاشت لديهم كل رغبة في المواجهة في ساحات الوغى. وحتى لو كانت أمثلة عديدۃ ملموسة ــ كالألعاب الأولمبية لعام 1936 ــ لا تثبِت أن اللقاءاتِ الرياضية الدولية مناسَبات لإطلاق العنان للأحقاد الجامحۃ، فإن هذا الاستنتاج قد يسهل الخلوص إليه مِن بعض المبادئ العامۃ.
كل الرياضات الممارَسۃ في عصرنا هي، على وجه التقريب، رياضات مبنيۃ على التنافس. ذلك أن الغايۃَ من اللعب الفوزُ، ولا معنى أصلا للعب إنْ لم يتم بذلُ كل ما في الوسع مِن أجل الربح. على عشب القرية، حيث يتم تكوين الفِرق بعيدا عن النزعات الوطنيۃ الضيقۃ، يمكن اللعب لمجرد التمتع والتمرن: لكن، عندما يدخل عنصر الشرف، ويُخشى جلبُ العار للنفس، للفريق ولكل ما يرمز له، بالهزيمۃ، تبرز العدوانيۃ في صورتها البدائيۃ. مَن شارك وإنْ في مباراة كرةِ قدم واحدۃ في المدرسۃ يعرف ذلك جيدا. على المستوى الدولي، الرياضة محاكاة صريحة للحرب. على أن الشيء الدال ليس هو تصرف اللاعبين، بقدرما هو تصرف المتفرجين، ومن وراء هولاء شعوب يشتد غضبها بمناسبۃ هذه المواجهات العبثية، وتعتقد جازمۃ- للحظات على الأقل- أن الجريَ، القفزَ وضربَ كرة هي أفعال تتجلى فيها الفضائل الوطنية ساطعۃ.
حتى لعبة تستدعي جهدا يسيرا مثل الكريكيت، وتتطلب المهارةَ أكثر من القوة، قد تتسبب في شنآن كبير، كالذي شهِدناه في السجال حولَ أسلوبِ استهدافِ جسدِ الخصم، وحول عنفِ لعبِ المنتخبِ الأسترالي خلال جولته في إنجلترا عامَ 1921. لكن الأمر يسوء أكثر عندما يتعلق بكرة القدم: في هذه الرياضۃ، لا أحد يسلَم من الضربات، ولكل أمة أسلوبها الخاص في اللعب يبدو دائما غير نزيه لغيرها. وأشد أنواع الرياضات سوءا هي الملاكمة: نِزال بين ملاكم أبيض وخصمِه الأسود أمام جمهور مختلط هو من أكثر المشاهد إثارة للقَرف. على أن جمهورَ الملاكمة مقرِف أصلا، وتصرفَ النساء على وجه الخصوص هو -على حد علمي- بحيث أن الجيشَ لا يسمح لهن بحضور اللقاءات التي ينَظم. على أي حال، منذ سنتين أو ثلاث، بمناسبۃ دوري للملاكمة شاركَ فيه الحرسُ الداخلي والجيشُ النظامي، قد أوكِلَت إلي مهمۃُ الوقوفِ بباب القاعة مع تعليمات صارمۃ بمنع النساء من الدخول.
في إنجلترا، يُخَلف هَوسُ الرياضةِ عادۃ أضرارا فادحة، إلا أن انفعالات أشد ضراوة تستعِر في بلدان حديثۃِ النشأۃ، حيث الرياضةُ والنزعۃ الوطنيۃ ظاهرتان حديثتان. في بلد مثل الهند أو بورما، لا بد من إقامۃ أطواق أمنيۃ مشددۃ، خلال مبارياتِ كرۃ القدم، للحيلولۃ دون اجتياح الجماهير أرضيۃَ الملعب. في بورما شاهدتُ مشجعي أحد الفريقين يتجاوزون الشرطة ويُجبرون حارسَ مرمى الفريق الآخر على مغادرۃ الميدان في لحظۃ حرِجۃ. إن أول مباراة كرة قدم كبيرۃ أقيمت في إسبانيا، قبل خمسة عشر عاما، شهِدَت أعمالَ شغَب لا قِبَلَ لأحد بضَبطها. ذلك أنه لما يتم إذكاءُ الشعور الحاد بالمنافسۃ، فإن فكرۃَ احترام قواعد اللعبۃ تصير متجاوزۃ. يريد الناس أن يروا أحدَ الفريقين منصورا والآخرَ مدحورا، وينسون أن نصرا مبنيا على الغش، أو على تدخل الجماهير، إنْ هو إلا نصر بلا معنى. وحتى إذا لم تتدخل الجماهير جسديا، فإنها على الأقل تسعى إلى التأثير في اللعب بالهتاف لفريقها، والصراخ والشتائم ضد لاعبي الفريق المنافس من أجل إرباكهم. لما يتجاوز الأمر حدا معَينا، فإن الممارسۃ لا تعود تمُت بصِلة للروح الرياضية، بل تصير حلبۃ للتباغض، التحاسد، التباهي، الدوس على كل القواعد، والالتذاذ السادي بمَشاهد العنف: بعبارة أخرى، تصير حربا بلا إطلاق نار.
بدلَ الإسهابِ في الحديث عن التنافس الصحي والعادل في ملاعب كرة القدم، وعن المساهمة الهامۃ للألعاب الأولمبية في تمتين روابط الصداقة بين الشعوب، قد يتعين التساؤل: كيف ولماذا ظهرت هذه العبادة الحديثة (الرياضة)؟ إن أغلب الرياضات التي نمارسها اليوم لها أصول قديمۃ، لكن يبدو أن الرياضة ما كانت تُؤخذ مأخذَ الجد في الفترۃ الممتدۃ بين الحقبۃ الرومانيۃ والقرن التاسع عشر. حتى في المدارس البريطانية الخاصۃ، لم تترسخ عبادةُ الرياضة إلا في أواخر القرن الماضي. الدكتور أرنولد، الذي يُعَد على وجه العموم مؤسسَ المدرسة الخاصة الحديثة، كان يرى أن الرياضةَ ببساطۃ هَدر للوقت. قد صارت فيما بعد، خصوصا في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكيۃ، نشاطا يستقطِب الرساميلَ الضخمۃ، يجذب الحشودَ الهائلۃ ويذكي المشاعرَ الحادۃ، وهكذا انتقل الفيروس مِن بلد إلى آخر.
إن أكثر أنواع الرياضات انتشارا- كرۃ القدم والملاكمۃ- هو أشدها عنفا. ولا شك أن هذه الظاهرۃَ وثيقۃُ الارتباط بتنامي النزعات الوطنية، أي بذلك الجنون المعاصر المتمثل في التماهي مع كيانات السلطۃ الواسعة وفي النظر إلى كل شيء بعين الصيت والغلبۃ. ثم إن الرياضة المنظمة تزدهر أكثر ما تزدهر في المجتمعات الحضرية، حيث يحيا الفرد المتوسط حياة مستقرۃ، أو قُل محصورۃ، ولا تتاح له إلا فرص قليلۃ لتحقيق ذاته في نشاطه. في المجتمعات القروية، الصبي أو الشاب يستطيع تفريغَ زائدِ طاقته في المشي، العوم، رمي كرات الثلج، تسلق الأشجار، ركوب الخيل وفي مزاولة رياضات تنصَب فيها القسوۃُ على الحيوانات، كالصيد، صراع الديكۃ وقنص الجرذان بواسطۃ ابن عرس. في المدن الكبرى، مَن يبحث عن منفذ لتفريغ فائضِ طاقته البدنيۃ، أو غرائزه الساديۃ، لا مندوحۃَ له من المشاركۃ في الأنشطۃ الجماعيۃ.
إن الأهميةَ التي تُولى للرياضة في لندن ونيويورك لتذَكر بتلك التي كانت تولى لها في روما وبيزنطة، إلا أن الممارسۃَ التي كانت في العصر الوسيط دون شك مصحوبۃ بعنف جسدي كبير، لم يكن لها أدنى تعَلق بأسباب السياسة، ولم تكن تؤجج الأحقادَ الجماعية. وإذا ما رُمنا إثراءَ رصيدِ العداوۃ الهائل الموجود في العالم اليوم، فقد لا نجد أفضلَ من تنظيم سلسلة من مباريات كرة القدم بين اليهود والعرب، الألمان والتشيك، الهنود والبريطانيين، الروس والبولنديين، الإيطاليين واليوغوسلاف، شرطَ التمكن في كل مرۃ من تعبئۃ مائة ألف متفرج، مكونين من مشجعين من كلا الطرفين. وغني عن البيان أني لا أسعى بهذا إلى القول بأن الرياضة هي أحد الأسباب الرئيسيۃ للنزاعات الدولية؛ أعتقد أن الرياضۃ ذاتها ليست سوى نتيجۃ من بين نتائج أخرى للأسباب التي أفضت إلى النزعات الوطنية. ماهو مؤكد هو أننا لا نحل شيئا بإرسال فريق مِن أحد عشر لاعبا، يحمل كل واحد منهم صفۃَ بطل وطني، لمجابهۃ فريق منافس، وبالترويج لفكرة أن الوطن المغلوبَ لا محالۃَ « يفقد ماء وجهه.»
آمل ألا نرد الزيارة لدينامو، وألا نرى الفريقَ البريطاني في الاتحاد السوفيتي. وإنْ كان ولابد، فلنبعَث فريقا مِن الدرجة الثانية، تكون حظوظُ هزيمته أوفرَ مِن حظوظِ انتصاره، وليس له ادعاءُ تمثيلِ بريطانيا العظمى بأجمعها. إن لدينا مِن أسبابِ الخلاف الحقيقيۃِ ما يكفي، ولا حاجۃَ لإضافۃِ أخرى جديدة، بتشجيع الشبان على كسر طنابيبِ بعضِهم بعضا تحتَ صيحاتِ حشود في حالۃ غضب عارم.
نشِر هذا النص سنۃ 1945 وهو لصاحب القصۃ الشهيرۃ مزرعۃ الحيوانات





