مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

إراسموس: مديح الحماقۃ/ ترجمۃ جزئيۃ من إنجاز هيبتن الحيرش

Copilot 20260718 202111

هذه ترجمۃ جزئيۃ من إنجاز هيبتن الحيرش، مترجم كتاب التأملات للفيلسوف الفرنسي ديكارت، لكتاب إراسموس الذائع الصيت، المنشور سنۃ 1511 م، وهو يعَد مِن بين النصوص الرائدۃ في النهضۃ الأوروبيۃ. أسلوبه ساخر، شيق، ومادته الأدبيۃ والفلسفيۃ غزيرۃ تفسرها موسوعيۃ المؤلف التي لا جدال فيها بين مؤرخي الأفكار. 

الحماقة تخاطبكم

يتحدث عني أهلُ هذا العالم بأحاديث كثيرة، وإني لأعرف كل ما يقال مِن سوء عن الحماقة، حتى في أوساط الحمقى. الحال أني، أنا وحدي، التي أُدخِل السرور على الآلهة والناس. اليومَ بالذات، قد قام الدليل على دعواي، إذْ بمجرد ظهوري أمام هذا الحشد مِن المستمعين، بدَا الانشراح على كل الوجوه، اشرأبت إلي الأعناق وانطلقت الضحكات. أراكم جميعا سكارى برحيقِ آلهة هوميروس، رحيق ممزوج بشيء مِن نبات السلوان[1]، وقد كنتم مِن لحظات جالسين، مهمومين، محزونين كالهاربين مِن كهف تروفونيوس[2].

عندما تسفِر الشمسُ البهية للأرض عن وجهِها الذهبي، أو عندما يعود الربيع البهيج، بعد الشتاء القاسي، ويرسل نسيمَه العليل، فإن كل شيء في الطبيعة يبدل مظهرَه، يستعيد رونقَه ويكتسي حلة قشيبة، كذلك ما إنْ رأيتموني حتى تحولَت مظاهركم. ما لا يحصل عليه الخطباء الكبار إلا بالجهد الهائل والإعداد الوافر، ليس بيني وبينه إلا أنْ أبرزَ فإذا هو كائن، وأعني طردَ الملل مِن النفوس.

لماذا ارتديتُ اليوم هذه الأسمالَ ؟ ستعرفون السبب إنْ أنتم أصغيتم لي، لا بالأذُن التي تسمعون بها الخطَب الدينية، بل بتلك التي تنتصب بالأسواق الشعبية أمام المشعوذين، البهلوانات والمهرجين، وإنْ شئتم قُلتم بِأُذن الحمار التي عرضها ملِكُنا ميداس[3] أمام الإله بان[4].

عَنَّ لي أنْ ألعب أمامكم دور السفسطائي، مثل أولئك الذين يلقنون الفِتيان حماقات مضجرة ويعلمونهم مِن الجدال ما يفوق ثرثرة النسوان، وذلك بتقليد أولئك القدامى، الذين وهم يريدون الفرار مِن صفۃ الحكماء غير المشَرفة في نظرهم، اختاروا صفةَ السفسطائيين، فانبروا بحماسهم المعهود يؤلفون المدائح للآلهة والأبطال. سوف تسمعون إذن مَدحا، لا لهرقل[5] أو صولون[6]، بل مدحا خاصا بي، بالحماقة.

لندَع جانبا الحكماءَ، الذين يصِفون بالحمق والوقاحة مَن يمدح نفسه. إنْ كانت هذه هي الحماقة، فهي تناسبني تماما. أي شيء أفضل للحماقة مِن أنْ تمجد نفسها وتتغنى بها ؟! مَن يستطيع تصويري بأصدق مما أفعل ؟ حسب علمي، لا أحد يعرفني أكثر مِما أعرف نفسي. وإني لأحسب أني أُظهِر بهذا مِن التواضع أكثر مِن ذلك العالِم أو الشخص العظيم الذي يستأجر، في حياء زائف، خطيبا متملقا، أو شاعرا كذابا يثني عليه بما ليس فيه. والحال أن صاحبنا الحيي يتبختر مثل طاووس، يرفع عُرفه، في حين يقارن المتزلفون في صلفٍ تفاهتَه بالآلهة ويجعلونه، وهم يقلِبون الموازين، مثالا كاملا لكل الفضائل، يزينون هذا الغرابَ بريش مستعار، يبيضون هذا الحبشي ويقَدمون هذه الذبابةَ على أنها فيل. وفي الأخير، أتمثل بقول مأثور، يعطي الحق للمرء في مدح نفسه، إذا لم يجِد مَن يمدحه.

وها إني أُصاب بالذهول لجحود الناس، أو بالأحرى للامبالاتهم ! كلهم يتقربون إلي بطيب خاطر، كلهم، مِن قرون، يستفيدون مِن ألطافي، ولا أحد منهم عبر عن عِرفانه بالاحتفاء بالحماقة، والحال أننا نرى أناسا يسهرون الليالي الطوال للكتابة على شرفِ الطاغية بوزيريس[7] والطاغية فالاريس[8]، عن الحمى، عن الذباب، عن الصلَع، وما لا يحصى مِن الآفات. ولسوف تسمعون مني نصا مرتجلا، غير معَد سلفا، يكون أصدق مِن كل ما ذكرت.

قد يتكلم أحد مِن عشاقهم عن خطاب تَطلبَ منهم ثلاثين عاما مِن العمل، وقد لا يكون حتى مِن تأليفهم، ويحلف بأنهم كتبوه أو أملوه في ثلاثة أيام. أما أنا فما زلتُ أستمتع بقول كل ما يجري على لساني بطريقة تلقائية.

لعلكم تنتظرون، كما جرت العادة في الخَطابة، أنْ أقدم تعريفا لنفسي في نقاط عديدة. لا، لن أفعل شيئا مِن هذا. إذْ لا يجوز حَد أو تقسيمُ سلطانِ إله حكمُه مبسوط على كل الأمكنة، بحيث يخضع له كل مَا في الأرض. ولماذا أُعَرف نفسي، أرسمها أو أصورها، ما دمتُ حاضرا معكم، تنظرون إلي بأمهات أعينكم ؟ أنا، كما ترون، التي توزع الفرح، ويسميها الرومان ستولتيتيا[9]، واليونان موريا[10].

لا حاجة لأن أقول لكم بأن حقيقتي ظاهرة، كما يقال، على جبيني وفي عيني، وإنْ أراد أحد أنْ يأخذني على أني منيرفا[11] أو إلهة الحكمة، فسأكذبه دون أنْ أنأم بحرف، بنظرة واحدة، مرآةِ النفس التي قليلا ما تكذِب. لا أستعمل الأصباغ، ولا أعلِن غير ما أبطِن. أينما حللتُ أبدو كما أنا، لا أضع قناعَ مَن يريد أنْ يلعبَ دورَ الحكيم، ويتجول مثل قرد في زي ملك، أو حمار في جِلدِ أسد. فليلبس ما شاء أنْ يلبس، ستنكشف أُذنُ الحمار ويفتضَح أمرُ ميداس.

جنس مِن الناس الجاحدين، ولو أنهم مِن أتباعي، يخجلون مِن ذكر اسمي أمام الناس، ويذهبون إلى سب الآخرين به. إنهم الحمقى مِن الناس، الذين يريدون الظهور بمظهر العقلاء، يتشبهون بطاليس، أوَ لا يجوز لنا أنْ نطلق عليهم اسم عقلاء المجانين ؟

وهكذا قد نقَلد خطباءَ اليوم هؤلاء، الذين يظنون أنهم آلهة، لهم لسان مزدوج مثل علقة[12]، ويعتقدون أنهم يُحسنون صنعاً بإدخال بعض الألفاظ اليونانية في كلامهم اللاتيني، الشيء الذي لا تنتج عنه في الغالب سوى فسيفساء غير متسقة. إذا ما احتاجوا إلى كلمات غريبة، فإنهم ينتزعون مِن رقوق[13] متهالكة أربع أو خمس صِيغ قديمة لذر الرماد في عيون القراء، بحيث مَن يفهمها يزهو بها، ومَن لا يفهمها يعجب بها. في الواقع، يجِد الناس متعة كبرى فيما هو شديدُ الغرابةِ بالنسبة لهم. يهتمون به، يضحكون، يصفقون، يحركون آذانهم مثل حمير، ليظهروا كالفاهمين له: « هو ذاك، هو ذاك !» لكن، أعود إلى موضوعي.

وإذن تعرفون اسمي، أيها الناس… فما عساي أضيف ؟ حمقاء شديدة الحمق ؟ ليكن ! هذا أفضل ما يوصف به أتباعُ إلهةِ الحمقِ الأوفياءُ. لكن، لا أحد يعرف مِن أين أتيتُ، وهذا ما سأحاول شرحه لكم، إنْ أسعفت رباتُ الإلهام[14].

كاوس[15]، اوركوس[16]، ساتورن[17]، جابيت[18]، ليس أبي واحدا مِن هذه الآلهة المتقادمة، البالية. والدي هو بلوتو[19]، وهو والدُ الناسِ والآلهةِ الوحيدُ، رغم أنفِ هوميروس وهزيود[20]، وحتى جوبيتير[21].

حركة بسيطة منه، اليومَ كما الأمس، يهتز لها العالم المقدس والمدنس، هو الذي يرتب على هواه الحروب، السلم، الحكومات، المجالس، المحاكم، الجمعيات، الزيجات، الاتفاقيات، التحالفات، القوانين، الفنون، اللذة، العمل… انقطع نفَسي… كل شؤون الناس العامة والخاصة. لولاه ما وجِدت آلهةُ الشعراء، وإنْ شئتَ قلتَ كبار الآلهة، أو على الأقل لعاشوا على الكفاف. مَن استحق غضبَ بلوتو، لم تنفعه حتى بَالاس[22]، مَن كان في حمايته، له أنْ يسخر حتى مِن جوبيتير إلهِ الرعود. هذا هو أبي، وحق لي أنْ أفخر به. لم يلدني مِن دماغه، كما ولد جوبيتير بَالاس الشرسةَ، لكنه أنشأني مِن ربة الشباب، أحلى الربات[23] وأكثرهن مَرحا. لم يكن يربط بينهما هذا الضرب مِن الزواج الذي نتج عنه الحَداد الأعرج فولكان[24]، بل علاقةُ حب، كما يقول هوميروس، الشيء الذي هو أحلى بكثير. ولا يذهبن بكم الفكر إلى بلوتو أريستوفان[25]، الطاعن في السن، العاجز والأعمى، أبي هو بلوتو عندما كان سليما، مفعما بالشباب، الذي كرع مِن رحيق الخلود في مأدبة الآلهة.

إنْ سألتم أين ولدتُ، بما أن الشرف أضحى متعلقا بالمكان الذي تُطلق فيه أول صرخة، أقول لكم بأني لم أولد في جزيرة ديلوس التائهة، ولا في البحر ذي الألف طَية، ولا في كهوف لازوردية، بل في الجزر السعيدة[26]، حيث القطافُ ولا زرعَ ولا حرثَ. العمل، الشيخوخة والمرض أشياء لا تُلفى بها، لا يُرى في الحقول لا البَروَق[27]، ولا البقول، ولا العنصل[28]، ولا الترمس[29]، ولا الفول، ولا شيء من معتاد النبات، لكن، مِن كل جانبٍ نزهةٌ للنظر والشم بزهرةِ اللبن، والنبتة التي هي شفاء لكل داء[30]، نبتة السلوان، المردقوش[31]، عشبة الرجيد[32]، زهرة اللوتس، الورد، البنفسج، الخزامى، وكل بستانِ ادونيس. وبما أني ولدتُ وسط هذه الطيوب، فإني لم ألقَ الحياةَ بالدموع، بل ضحكتُ لأمي فور ولادتي. لا أحسد ولدَ كرونوس القوي على الشاة التي أرضعته، بما أني رضعتُ أثداء ربتين فاتنتين: ربة السُّكر بنت باخوس، وربة الجهلِ بنت الإله بان[33]. هما من رفيقاتي، اللاتي سأقدمهن لكم، لكني لن أدعوهن بغير أسمائهن اليونانية.

تلك التي لها حاجبان مقطبان، هي فيلوتيا[34] (حب الذات). تلك التي ترونها تضحك وتصفق، هي كولاسيا[35] (مداراة). تلك التي تظهر شبهَ نائمة، هي ليثيا[36] (النسيان). تلك التي تستند إلى مرفقيها، هي ميزوبونيا[37] (الكسل). تلك المتوجة بالورد والمعطرة بالطيب، هي هيدوني[38] (اللذة). تلك التي لا تتوقف حدقتاها عن الحركة، هي آنويا[39] (الذهول). تلك السمينة، ذات البشرة المزهرة، هي تريفي[40] (نعومة). هؤلاء النسوة الشابات معهن إلهان: إله الولائم وإله النوم العميق. هؤلاء أتباعي المخلصون، أستعين بهم لبسط حكمي على العالم،  بما فيه الملوك.

تعرفون أصلي، تربيتي، مجتمعي. حاليا، لإثبات حقوقي ذات الطبيعة الإلهية، سأكشف لكم المزايا التي أوفرها للآلهة والناس، وإلى أي حد يمتد سلطاني. افتحوا آذانكم جيدا.

سبق أنْ كتِب بأن خاصيةَ الإله أنه يخفف مِن معاناة الناس، لهذا يُسمح للذين يُعَلمون الناس كيف يستعملون الخمر والقمح، ومصادر الحياة الأخرى، بحضور مجالس الآلهة. فلماذا إذن لا يتم الإقرار بأني أول كل الآلهة، بما أني أُمِد الكُل بالكُل ؟

بادئ ذي بدء، أي شيء أحلى وأغلى مِن الحياة نفسها ؟ وإلى مَن نَدين ببدايتها، إنْ لم يكن لي أنا ؟ ليس رمح بَالاس – أليس كذلك ؟- ولا درع جوبيتير، جامعِ الأنواء، مَن أوجد النوع الإنساني وجعله يتكاثر. أب الآلهة وسيد الناس، الذي يهتز جبل الأولمب بإيماءة من رأسه، مضطر لإخفاء سلاحه الصاعق، ذي الرؤوس الثلاثة، وهذا الوجه الضخم الذي يرعب الآلهة، ووضعِ قناع كأي ممثل كوميدي، في كل مرة يريد أنْ يفعل ما اعتاد على فعله كل طفل.

يزعم الرواقيون أنهم أقرب الناس للآلهة. أريد واحدا منهم يكون ثلاث أو أربع، لا بل ألف مرة رواقيا، في الحالة التي تهمنا، لن يحلق لحيته، رمز الحكمة، التي يشترك فيها مع التيس، سيتخلى عن عجرفته، تنبسط أساريره، ويسمح في مبادئه الثابتة، وسيحصل أنْ يتفوه بحماقات ويقوم بأفعال جنونية. أجل، إنه سيطلب عوني متى أراد أنْ يكون أبا.

ولماذا لا نقول الأشياء بوضوح ؟ هذه طريقتي. لننظر بماذا يتم خلق الآلهة والناس ؟ هل بالرأس، الوجه، الصدر ؟ هل باليد أو الأذن، وكلها أعضاء شريفة ؟ لا أبدا. الذي يجعل النوع الإنساني يتكاثر عضو آخر، أحمق وسخيف، يثير اسمه الضحك. ليس هذا وحسب، بل أقسِم « برباعي[41] » فيثاغورس أن كل الكائنات تستمد وجودها من هذا المنبع المقدس.

ثم إني أتساءل: أي رجل يمد عنقه لنير الزواج، إنْ هو حسِب مسبقا، كما يفعل حكماؤنا، سلبياتِ وضع كهذا ؟ وأية امرأة تعطي نفسها للرجل، إنْ هي فكرت في الأخطار التي تنجم عن إخراج طفل إلى الوجود، وفي الأتعاب المطلوبة لتربيته ؟ وكما أنكم تَدينون بالحياة للزواج، فإنكم تَدينون بالزواج للذهول، وبالتالي لي بما أنه من أتباعي. انظروا إلى أي حد أنتم مَدينون لي. أي امرأة، مرت مِن التجربة، قد ترغب في تكرارها، إذا لم يكن بجانبها النسيان، هذا الذي ترون ؟ فينوس[42] نفسها، رغم أنف لوكريتيوس[43]، تعجز عن تحقيق هذا إنْ لم أتدخل بنفسي.

مِن لعبة هزلية بين أناس سكارى، خرج الفلاسفة الذين حلت مكانهم اليوم كائنات يطلق عليها العوام اسم القس، والملك، والراهب، والحبر الأعظم، وحتى كل هذا الحشد مِن آلهةِ الشعر الذين ضاق بهم جبل الأولمب رغم رحابته.

ليس كافيا أنْ أظهَر لكم بمظهر بِذرةِ الحياة ومنبعها، ما لم أضِف أن كل ما فيها مِن خير هو مني أيضا.

وأي معنى للحياة، في الواقع، وهل تستحق اسمها إذا فُقِدت اللذة ؟ تصفيقاتكم تؤكد لي أني أقول الحق. لا أحد منكم بتلك الدرجة مِن الحكمة، أو بالأحرى من الحمق –لا، لنَقُل الحكمة،- ليكون له رأي آخر. مشاهير الرواقيين أنفسهم، لا يزدرون اللذة أبدا. ما فتئوا يخفونها عن غيرهم ويسُبونها أمام الملأ، لكن فقط ليصرفوا الآخرين عنها فتخلص لهم. فليعترفوا، بحق جوبيتير !  كل ساعة مِن الحياة رتيبة، مملة، ثقيلة، بلا طعم، إذا لم تقترن بها اللذة، أي إذا لم يضع فيها الحمق مِن بهاره. أستطيع هنا أنْ أستشهد بسوفوكليس[44]، وهو أهل للمدح، الذي يقول عني: « كلما نقصت الحكمةُ، زادت السعادة.» لنفصل القول في هذا.

مَن ذا الذي لا يعرف أن الصبا هو المرحلة العمرية الأكثر مرحا، والأجدر أنْ تعاش ؟ إذا كنا نحب الأطفال، نُقَبلهم، نداعبهم، إذا كان حتى العدو يغيثهم، أليس ذلك لأن فيهم شيئا مِن فتنة الحمق ؟ تزود الطبيعةُ المواليدَ بهذه الفتنة مِن أجل أنْ يجدوا ما به يجازون الذين يسهرون على تربيتهم، ليحصلوا على حمايتهم. هذه المرحلة العمرية تعقبها مرحلةُ الشباب. وكمثلها، يحتفل الجميع بها، يدللونها، يشجعونها، وتمتد الأيادي نحوها. ومِن أين يستمد الأطفال فتنتهم، إنْ لم يكن مني، أنا التي أكفيهم مؤونة العقل، والهَم في آن ؟ هل أقول الحق ؟ عندما يكبرون، يدرسون، يمارسون حياتهم العادية، فإن سحرهم يذبل، حيويتهم تخبو، مرحهم يفتر، ونشاطهم يخور. بقدر ما يبتعد الإنسان عني، يقِل حظه مِن الحياة. وفي الأخير، تدركه الشيخوخة، التي لا يستطيع تحملها أحد، ما لم أحضر للتخفيف مِن أنواع المآسي التي ترافقها.

مثلما تفعل آلهةُ الشعراء في الإنقاذ مِن الموت بواسطة التحول[45]، فإني أُرجِع المسنين الذين اقتربوا مِن القبر إلى صباهم. هذا بالضبط ما يسمى بعودة الطفولة، ولست أُخفي ما أصنع في المسألة. تنبجس عينُ ماءِ غادتي ليثي الكائنة في الجزر السعيدة (عينُ جهنم مجرد برِكة بالمقارنة معها)، فآخذ المعمرين إليها: يشربون مِن ماء النسيان، فيتبدد شقاؤهم ويستعيدون صباهم. يحسب مَن رآهم أنهم أصيبوا بالخَرف وفسدت عقولهم، وهم إنما استعادوا طفولتهم. الخَرف، فساد العقل، ألا يكمن هنا سحر الطفولة ؟ أليس الطفل الذي يفكر مثل رجل تام الرجولة، شخصا كريها، بغيضا ؟ على كل حال، هذا المثل يشهد بذلك: « أكره عند الطفل الحكمة السابقة لأوانها…»

مسِن يجمع إلى تجربته في الحياة قوةَ النفس ورجاحةَ العقل، مَن ذا الذي يَقبل به صديقا وخليلا ؟ المسِن الذي يعنيني قد سلِم مِن العيوب التي تمس الحكيم. إنه سِكير نشوان، لا يعرف القنوط، الذي قد يصيب ذا الشرة. أحيانا، يعود مثل الشيخ بلوتوس[46] إلى الحروف الثلاثة المشهورة[47]، الشيء الذي مِن شأنه أنْ يجعله أكثر كآبة لو كان ذا عقل، لكنه سعيد بفضلي عليه، محبوب مِن أصدقائه ومجتمعه. وهكذا، ينساب عند هوميروس مِن فم نسطور[48] كلام أحلى مِن العسل، في حين أن كلام أخِيل[49] مفعم بالمرارة، كذلك يُظهر الشاعرُ المسنين على أسوار المدينة وهم يتبادلون كلمات بهيجة. في هذا يتفوقون حتى على الأطفال، الذين ينعمون في طفولتهم، لكنهم محرومون مِن متعة الحياة العظمى وهي الثرثرة.

أضِف إلى هذا أن المسنين يحبون الأطفال، وهؤلاء يحبونهم، إذِ الأرواح ما تعارف منها ائتلف. لا يختلفون إلا في التجاعيد وعدد السنين. شَعر خفيف، فم بلا أسنان[50]، جسم ضئيل، ميل طبيعي للحليب، تمتمة، ثغثغة، حماقات، ضعف الذاكرة، ذهول، كل شيء يُقَرب بينهم، وكلما تقدمت الشيخوخة، احتد هذا الشبَه، إلى أنْ تحين الساعة فتطيب النفس بالرحيل، دون ندم على الحياة ولا شعور بالموت.

لنقارن الآن مزاياي بالتحولات التي توفرها الآلهة الأخرى ! أنا هنا أغض الطرف عن غضبهم وما يترتب عليه من أفعال؛ لكن ما الذي يفعلونه بأفضلِ أتباعهم ؟ يحولونهم إلى شجرة، عصفور، صرار، أو حتى ثعبان، كأن تغيير الشكل لا يعادل الموت ! أنا أعيد الشخصَ نفسَه إلى مرحلة عمره الأفضل والأسعد. إذا ما قرر الناس قطعَ الصلة بالحكمة والعيش معي على الدوام، بعيدا عن مشاكل الهرم، فسيعرفون متعةَ الشباب الدائم. ألا ترون أن الناس الحزانى، الذين يتعاطون الفلسفة ويتعرضون لمتاعب الأعمال، أكثرهم شاخوا قبل الأوان، لأن الهم والتوتر الناجم عن التفكير المتواصل، قد خنقَا في نفوسهم نسمةَ الحياة ؟ مجانيني، على العكس، في صحة جيدة، يسطع نورهم، يضيء بريق بشرتهم، كأنهم خنازير مِن منطقة اكارنانيا، كما يقال، متى سلِموا مِن عدوى العقلاء. يضعفون أمامها أحيانا، لأنهم ينسون المثل السائر الدال: « وحدها الحماقة تحفظ الشباب وتطرد الشيخوخة البغيضة.»

كم الشعبُ محِق في مدح أهل برابنت[51]، الذين لا يزدادون عقلا بتقدم العمر، مثل باقي الناس، بل يشتد حمقهم ! لا يوجد شعب يأخذ الحياة ببساطة مثلهم، ويشقى أقل منهم. الهولنديون[52]، بحكم الجوار، يشبهونهم. ولماذا لا أعُدهم مني وهم يبجلونني، حتى قيل عنهم « حمقى هولندا »، ولا تراهم يخجلون مِن الأمر، بل يفخرون به.

اذهبوا الآن أيها الأغبياء إلى ميديا وسيرسي[53]، فينوس، اورورا[54]، أو إلى أي عين ماء شئتم، واطلبوا عندها عودة الشباب. أنا وحدي الذي لي القدرة على ذلك. أمتلك الوصفة التي بها أطالت بنتُ ميمنون[55] عمر جدها تيتون[56]. بي تمكن فاون[57] مِن استعادةِ شبابه وخلبِ لب سافو[58]. بأعشابي، وصلواتي، وعين مائي، يرجع الشباب الهارب، والأهم أنه لا يرحل بعدها أبدا. إنْ كنتم جميعا مقتنعين بأن الشباب هو الخير الأسمى، وأن الشيخوخة هي الشر الأدهى، تصوروا الخدمة التي أسدي لكم، أنا التي أعيد الأول وأخلص مِن الأخرى.

فلنمسك عن الحديث عن الناس. جوبوا السماء كلها، إنْ وجدتم فيها إلها واحدا محبوبا ومطلوبا ليس مِن زبائني، فإني أقبَل أنْ يؤخذ اسمي على أنه سبة. لماذا يظهر باخوس دائما في صورة شاب أمرد، ذي شعر جميل ؟ لأنه يحيا حياة العربدة، بين قصف ورقص وطرب ولهو، وليس له أدنى علاقة ببَالاس. لا يهمه أنْ يقال حكيم، لا يقبل مِن العبادة غير دعابة ومزحة، ولا يستاء مِن المثل الذي يقول عنه: « أحمق مِن موريخوس». اسم موريخوس[59] هذا جاء مِن تمثال في مدخلِ معبدِه، يلهو المزارعون بتلطيخه بالعنب والتين الطازج. وهل نجا مِن عنفِ ضربات الكوميديا القديمة ؟ « الإله الغبي، كما يقال، الأنسب له أنْ يولد مِن فخذ !» لكن مَن ذا الذي  يرفض أنْ يكون ذلك الأحمقَ والغبي، صاحبَ الفرح والشباب الدائمين، الذي يحمل المتعَ والأفراح للجميع، ويختار أنْ يكون جوبيتير الذي لا يُؤمَن جانبه، ويخشاه الكُل، أو العجوزَ بان، الذي يزرع الرعب أينما حل، أو فولكان برماده وأوساخه، أو بالاس نفسَها، صاحبةَ النظرة المخيفة، التي لا تنفك تهدد بالغورغون[60] والرمح!

كيوبيد[61] في طفولة دائمة، لماذا ؟ لأنه طائش، لا يهتم بما يفكر فيه العقلاء. لماذا يبقى جمالُ فينوس المشِع في ربيع مستمر ؟ لأنها مِن عائلتي، تحمل في وجهها لونَ أبي، ولهذا يسميها هوميروس افروديت الذهبية. ثم إنها دائمة الابتسام، إذا ما أخذنا بكلام الشعراء ومنافسيهم النحاتين. في الأخير، وهل يعَظم الرومان إلهة أكثر مِن تعظيمهم لفلورا[62]، أم الملذات جميعا ؟

إذا ما درسنا بدقة كيف يتعامل حتى قساةُ الآلهة، عند هوميروس، فسنقف في مواضع كثيرة على مظاهر الحمق. هل تعرفون، مثلا، قصصَ جوبيتير الغرامية، هو الذي يتحكم في الصواعق ؟ ديانا الشرسة، التي تنسى أنوثتها، وتصرف وقتها في الصيد، تفنى مع ذلك في حب انديميون[63]. يعجبني موموس[64] عندما كشف لهؤلاء حقائقهم، فغضبوا عليه وجعلوه يهبط إلى هذه الأرض مع آتيا[65]، لأن انتقاداته تزعجهم وتفسد عليهم فرحتهم. لا أحد هنا في هذه الأرض يرغب في لقياه، خصوصا في قصور الأمراء: خادمتي المجاملة، التي تتبوأ مكانة خاصة فيها، هي مع موموس كالذئب مع الحمل.

الآلهة منذ طرده ينعمون بحرية أكبر. يحيون حياة بدون مصاعب، كما يقول هوميروس، دون رقابة مِن أحد. كم يثير ضحكَهم بريابوس[66] المصنوعُ مِن خشب شجر التين ! كم يستمتعون بسرقات ميركوري[67] وحِيله !  فولكان الأعرج، الذي يرتاد مآدبهم كبهلوان، يتفوه بكلامه الماكر وحماقاته، وكل مَن حول المائدة ينفجر ضاحكا. ثم سيلينوس[68]، العجوز الفاجر، يرقص لهم رقصته الماجنة مع العملاق بوليفيموس، في حين تتحفهم الحوريات برقصاتهن الجماعية وهن حافيات الأقدام. التيوس الآدمية تؤدي لهم مِن فكاهة آتيلا[69]. يضحكهم أيضا بان بأغانيه البلهاء، وهم يفضلونها على أغاني ربات الإلهام، خصوصا عندما يبدأ الرحيق يعمل عمله في رؤوسهم. كيف يمكن وصف ما تفعله الآلهة بعد الأكل والإمعان في الشرب ؟ الأمر مِن الحماقة بحيث لا أستطيع أنْ أمنع نفسي مِن الضحك. لكن، الأفضل في هذه النقطة التزام الصمت مثل هاربوقراطس[70]، مخافةَ أنْ يكون إله مِن آلهة قليقيا يستمع إلينا ونحن نذيع أشياء حتى موموس لم يسلم مِن العقاب على قولها.

لقد حان الوقت، على الطريقة الهوميرية، لترك السموات والعودة للأرض. لا تجِدون فيها فرحة ولا سعادة إنْ لم أتدخل بنفسي. انظروا مثلا إلى السيدة طبيعة، والدةِ وصانعةِ النوع الإنساني، كيف حرصَت على وضع ذرة مِن الحمق في كل أحد. حسب الرواقيين، فإن الحكمة في الاهتداء بالعقل، والحمق في اتباع الهوى. ولكي لا تكون حياة الناس حزينة، كئيبة، فقد أمدهم جوبيتير مِن الهوى أكثر مِن العقل. بأي نسبة ؟ تستطيع أنْ تمثل لها بنصف الأوقية[71]. ثم إنه وضع هذا العقل في ركن قصي ضيق مِن الدماغ، تاركا للهوى الجسد كله. في الأخير، قد جعل في مقابل العقل المعزول طاغيتين هما مِن العنف بمكان: الغضب، الذي يحتل قلعة الصدر مع القلب الذي هو منبع الحياة، والتشهي الذي يمتد حكمه إلى أسفل البطن. كيف إذن يدافع العقل عن نفسه ضد هاتين القوتين مجتمعتين ؟ الأمر ظاهر في الممارسة اليومية للناس. ليس لديه سوى الصراخ بالواجبات إلى أنْ يصاب بالبحاح. لكنه هنا يشبه الملك الذي يساق إلى المشنقة، قد غطت شتائم الجمهور على صوته، فاستسلم للصمت وأقر بالهزيمة.

وجِد الإنسان ليبسط حكمه على الأشياء، وبالتالي ربما كان يجب أنْ يتلقى أكثر مِن مقدار أوقية مِن العقل. استشارني جوبيتير، مثلما اعتاد أنْ يفعل في كل أمر، فأشرتُ عليه بأنْ يقرن المرأة بالرجل. ستكون، أي نعم، كائنا على قدر مِن الحمق، لكن لذيذا في الواقع، يخلط حمقه بجدية قرينه، وبالتالي يخفف مِن غلوائه. طبعا، لما بدا أفلاطون مترددا في إلحاق المرأة بالكائنات العاقلة، فإنه لم يكن يقصد شيئا غير حمق هذا الجنس. وإذا ما رغبت المرأة بالصدفة في الظهور بمظهر الحكمة، فإنها إنما تضاعف مِن حجم حمقها. إذْ متى صح تعطير الثور لإرساله إلى حلبة المصارعة، وهل تسمح منيرفا أصلا بذلك ؟ لا تنبغي مخالفة الفطرة، وإن المثالب تزداد حدتها إذا ما كانت لها الفضائل مجرد غطاء. « القرد قرد، يقول المثل اليوناني، ولو تزيا بزي الملوك.» كذلك لو وضعت المرأة ما شاءت مِن الأقنعة، فإنها تظل امرأة، أي حمقاء.

هل تؤاخذني النساء على أنْ نسبتهن للحمق، أي لي وأنا نفسي امرأة ؟ بالتأكيد لا. إن نعمة الحمق هذه هي التي تجعلهن أسعد مِن الرجال. يفقنهم أولا بالجمال، الذي يستعملنه لممارسة الاستبداد حتى على أهل الاستبداد أنفسهم. الرجل قسماته صارمة، جلده خشن، لحيته كثة تجعله يبدو مسنا، وكل هذا مِن علامات الحكمة؛ المرأة بخدها الناعم، صوتها الرقيق، بشرتها الرخصة، تحوز صفات الشباب الدائم.

وما الذي تطلبه في هذه الحياة غير الحصول على إعجاب الرجل ؟ أليس هذا مِن وراء كل هذا القدر مِن الزينة، العطور، الأصباغ، العناية بالشعر، العينين، الوجه، البشرة ؟ أوليس الحمق أفضل مَا يجلب إليها الرجل ؟ إنه يعِدها بكل أنواع الوعود، لكن بأي مقابل ؟ المتعة. لكنها لا تعطيها إلا حمقا منها. وهذا واضح إذا ما فكرتم في التفاهات التي يرويها الرجل للمرأة، الحماقات التي يقوم بها لأجلها، كل مرة يرغب فيها في نيل وطره.

أنتم تعرفون الآن ما أكبر مباهج الحياة، وما مصدرها.

مع ذلك، مِن الناس، خصوصا مِن المسنين، مَن يفضل صحبةَ القنينة على صحبةِ المرأة، ويجد سعادته في حفلات الشرب. أنْ يطيبَ الطعام والشراب دون نساء، أترك الحكم لغيري؛ على أني أرى أنهما ينبغي أنْ يضاف إليهما شيء مِن بهار الحمق. إذا ما فقِد صاحبُ النكتة الظريفُ، يُدعى مهرج مستأجَر، أو يحضر طفيلي تافه، فمُلَحُه السخيفةُ، التي لا تخلو مِن حمق، كفيلة بطردِ الصمتِ والملل. ما فائدةُ مَلءِ البطون بالأطعمة اللذيذة، ما لم تشبع الأعين والآذان والنفوسُ مِن الضحك والمزاح والكلام المرِح ؟ هذا الجزء مِن الخدمة، أنا وحدي آمر به. كل أنواع اللهو هذه، مِن تعيين ملك للحفل[72]، ونَرد، ونَخب، وتعاقب على الشرب والغناء، ورقص، وتقليد صامت، ليست مِن اختراع الحكماء السبعة، بل هي مني لإسعاد النوع البشري، وعلى قدر ما يكون في هذا مِن حمق، يقوى سحر الوجود، إذْ لو كانت الحياة كئيبة، فلن تُسَمى أصلا حياة، وبهذه الوسائل فقط، تسلَم مِن الكآبة التي هي أختُ الملل.

ينفر البعض مِن هذا الضرب مِن المتع ويتعلق بما توفره المحبة[73] مِن طيب العلاقة، ويرى بأنها ينبغي أنْ توضع فوق كل شيء في هذا العالم، وأنها ضرورية كالهواء والنار والماء، وأن تأثيرها هو بحيث إذا انتزعت مِن الناس فكأنما انتزعت منهم الشمس. أخيرا – ولعل هذا يجعلها مرغوبا فيها أكثر- فإن الفلاسفة أنفسهم لم يترددوا في وصفها بالخير الأسمى. وإني لأستطيع أنْ أثبت، ارتباطا بهذا الخير الأسمى،  أني أنا الكوثل والجؤجؤ[74] في آن، ودليلي لا يقوم على قياس التمساح[75]، ولا القرنين[76]، ولا أي مِن أساليب  الجدل المعروفة، يكفي الحس السليم وسترون ذلك معي.

لننظر في الأمر. التواطؤ، التغاضي، العمى، الغفلة عن أبرز عيوب الأحبة، أليس هذا قريبا مِن الحمق ؟ واحد يقَبل ثؤلولَ خليلته، آخر مجنون بورم أنفِ حبيبته[77]، أب يقول عن ابنه الأحول بأنه ناعس الطرف. أليس هذا هو الحمق بعينه ؟ لنقل ونُكرر بأن الحمق هو الذي يصِل بين الأحباب ويوثق الصلة بينهم.

أتحدث هنا عن الناس الفانين، ليس منهم مَن يولد دون عيوب وأفضلهم مَن له أصغرها. لكن، بين هذا النوع مِن الآلهة الذين هم الحكماء، لا محبةَ إلا إذا كانت كئيبة بلا طعم، وإلا فقليل إنْ لم أقل لا أحد منهم يرتبط نوعَ ارتباط. في النهاية، الطيور على أشكالها تقع، ونحن نعرف أن أغلب الناس بعيدون عن الحكمة، وأن الجميع، دون استثناء، تصدر منهم بهذه الطريقة أو تلك أفعال جنونية. إذا ما حصل أنْ ألفَ تعاطف متبادل بين هذه العقول الخشنة، فإنه سرعان ما يزول أو ينقلب إلى ضده بين أناس صارمين، غلاة في التبصر، يرون عيوب غيرهم بعين أحَد مِن عين الصقر أو مِن ثعبان إبيدور[78].

بالنسبة لعيوبهم الخاصة، فطبعا يحجبها عنهم حجاب سميك، يجعلهم لا يرون حتى الجراب المتدلي من ظهورهم. وإذْ لا يخلو أحد من عيوب كبرى، وإذْ يتوجب اعتبار الفروق الهائلة في السن، التربية، المعاصي، الخطايا، ما يعرض في الحياة الفانية، اسألوا أنفسكم كيف يستطيع العقلاء، هؤلاء النظار الحذاق، التمتع ولو لساعة بالمحبة، مالم تتدخل في حالتهم  أُويثيا[79] كما يسميها اليونان، التي يمكن ترجمتها بالحمق والتساهل. أي نعم ! كيوبيد، الذي خلق كل الروابط وأحكم شدها، أليس بأعمى ؟ وكما أن ما هو قبيح يبدو له جميلا، ألا يجعل كلا منكم يرى ما عنده جميلا، والشيخَ يهيم بشيخته مثلما يهيم الطفل بدميته ؟ هذه السخافات جار بها العمل، وكل يسخر منها، ولو أنها هي التي بها تحلو الحياة ويتماسك المجتمع.

ما أقوله عن المحبة، يسري على الزواج، ذلك الرباط المقدس. بحق الآلهة، إلى ما ستؤول إليه الحياة الزوجية، إنْ لم تغتذي بالمجاملة، المزاح، الضعف، الوهم، الكتمان، وباقي فضائلي ؟ آه، كم سيندر الزواج لو اطلع الزوج على مغامرات العذراء الحيية، الرقيقة، قبل الزواج ! ولاحقا، أي عقد يصمد إذا لم يكن الزوج غبيا، غبر مبال؛ وهذا كله من مزايا الحمق، الذي به يرضى الزوج عن الزوجة، فيسلَم السلك ولا ينفرط العقد. يسخر الجميع من الزوج المخدوع، ويُلمز بشتى الألقاب وهو يمسح دموع الخيانة بالقبلات. أليس هذا وهماً جميلا ؟ وإنه لأفضل من الاستسلام لنار الغيرة الفتاكة !

أنتم ترون ألا بهجةَ لمجتمع ولا دوام لرباط بدوني. لن يتحمل الشعب طويلا أميره، ولا الخادم سيده، ولا التلميذ معلمه، ولا الحبيب حبيبه، ولا المرأة زوجها، ولا العاملُ رب عملِه، ولا الرفيق رفيقَه، ولا المضيف ضيفَه، بلا وهم ومداراة وتستر وكلام معسول مستمد من الحمق.

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة