المتلصص / أمين الساطي

عندما كنت مراهقاً شاهدت فيلماً عن رجل يجلس طوال النهار على نافذته وبيده منظار يراقب جيرانه حتى يكتشف جريمة قتل.
لما صرت طالباً في كلية الطب بدمشق، اشتريت المنظار. ليس فضولاً، لكن في هذه الأيام يجب أن تعرف من يسكن بجانبك.
بدأت ببنت جيراننا دنيا، لأنها الأسهل. بيتها أرضي وبيتي أول، شباكها مقابل شباكي تماماً. لا يفصلنا سوى شارع عرضه ثمانية أمتار.
حفظت برنامجها في أسبوع. السابعة صباحاً تفتح الشباك، وهي مرتدية ثيابها بالكامل . الثامنة فنجان القهوة ،ثم تجلس وتكتب طوال النهار. شهر كامل نفس الدفتر، نفس القلم.
بدأت أهمل دراستي. صرت أؤجل محاضرات الجامعة لأبقى على الشباك.
كان كل همي ان أشاهدها وهي تفتح الشباك خلال الليل ، لأراها مرتدية قميص النوم . لكني لم اكن محظوظاً لهذه الدرجة.لكن ذلك لم يمنعني من اللجوء إلى احلام اليقظة. لأراها تلعب دور البطولة في فيلم من إخراجي.
يوم الخميس، توقفت عن الكتابة فجأة. رفعت رأسها ونظرت مباشرة داخل منظاري وابتسمت.
تخشبت في مكاني.
في اليوم الثاني الشباك مغلق. واليوم الثالث مغلق. بقي أسبوعاً مغلقاً.
جننت.
لقد أصبحت مدمناً على مشاهدتها. نزلت وقرعت بابهم.
فتحت أمها: ” سألتها خالتي لم أشاهد دنيا تذهب الى الجامعة منذ أسبوع.” أجابتني بنشافة “سافرت من شهرين على حلب.”
رجعت مسرعاً إلى غرفتي غارقاً في الاحباط والقلق. وجهت المنظار ويدي ترتعش.
الشباك كان مفتوحاً. ودنيا جالسة مكانها.
نظرت إليّ، ورفعت الدفتر.
الصفحة الأولى بخط كبير:
“صارلك شهر عم تراقبني”
قلبت الصفحة بسرعة. الصفحة الثانية:
“ليه ما تجي تخطبني من أهلي”
لم أصدق ما تراه عيني ، كيف يمكن ان تكون بهذه الجرأة. أنا بعد خمس سنوات في كلية الطب، ومازالت أرتبك عندما اتحدث مع زميلتي بالصف.
قامت من مكانها.لم تأتِ لتفتح شباكها أكثر. حملت حقيبتها وخرجت من بيتها. رأيتها من المنظار تخرج من الباب الأرضي وتمشي.
قطعت الشارع ودخلت بنايتنا.
سمعت خطواتها على الدرج. طابق أرضي… أول… وقفت أمام بابي.
قرعت الجرس.
فتحت. كانت دنيا. لأول مرة بدون زجاج بيننا. بلا منظار.لم اكن أتوقعها ان تكون بهذا الجمال.
فكرت ربما تكون هذه فرصتي المناسبة، فالبيت خالي وامي ذهبت لزيارة اختها.
تفضلي، وأدخلتها مباشرة إلى غرفتي الخاصة. دخلت بكل ثقة دون تردد. وسألتها هل تحبين ان احضر لك فنجان قهوة،.
أجابتني لا شكراً.
نظرت لطاولتي، لمنظاري الموضوع على الكتاب، وقالت ببرود طالبة في كلية علم النفس، تحاسب مريضاً هارباً:
“تأخرت. أنا عم أراقبك من أول السنة. كنت عم أسجل ملاحظات عنك لمشروع تخرجي لهذه السنة. ربما انت الوحيد اللي فكرت اني عم بكتب رسائل غرام.”
ثم وضعت دفترها على طاولتي ومشت.
“أغلقت الباب وراءها، وفتحت دفترها على الصفحة الأخيرة، فوجدت تشخيصي بخط يدها.
المريض يظن نفسه طبيباً، ولا يعرف أن الجميع يراه مريضاً.




