مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

المتمرد – أمين الساطي

صورة رسم توضيحي لرجل مسن ذو لحية خفيفة وشعر رمادي، مبتسم في مواجهة الكاميرا مع خلفية بلون دافئ.


أنا رجل عادي للغاية، سجلي العدلي ناصع البياض لا تشوبه شائبة، بلا سوابق أو مخالفات قانونية. أعمل في ورشة لطلاء السيارات، وأفكر حالياً بالارتباط بابنة عمتي “نوال” ذات الستة عشر ربيعاً؛ ليست بارعة الجمال، لكن نضارة الصبا تمنحها جاذبية جنسية لا تخطئها العين.

العقبة الوحيدة في طريقي هي العثور على بيت يجمعنا، في زمن أصبحت فيه تكاليف السكن ضرباً من الجنون. للمفارقة، يملك والدي شقة من ثلاث غرف، كان قد أجرها لموظف في وزارة المالية منذ نحو عشرين سنة. ومع انهيار قيمة العملة المحلية، تحول المقابل المادي إلى نكتة سمجة. والأنكى من ذلك، أنه بعد رحيل المستأجر القديم إلى جهنم، انتقل الحق في السكن تلقائياً إلى ابنه “مأمون”، الموظف في وزارة الإسكان.

أدركت تماماً أن تلك التشريعات التي تصيغها المؤسسات تحت مسمى الاشتراكية والمصلحة العامة هي من محض الخيال .عندما أتأمل طوابير الموظفين بالآلاف، والذين لا ينجحون في إنجاز عمل مئة شخص كفء، أشعر بغثيان حقيقي؛ إنها البطالة المقنعة التي التهمت قدرات البلد. هذه القناعة جعلتني أرى أن القوانين الفاسدة لا تستحق الاحترام، وأن كسرها ليس خطيئة، بل هو محاولة بائسة لإعادة تقويم الميزان المائل.

أقنعت نفسي بأنه في ظل هذه الظروف، يجب أن أسترد حقي بيدي من الشخص الذي استولى عليه بغطاء قانوني. زاد من إصراري عبارة قرأتها ذات يوم لزعيم مافيا شهير: “إذا غابت الجثة ، غابت المحاكمة”. ترسبت تلك الكلمات في أعماقي كحقيقة مطلقة.

في صباح يوم رتيب، كنت أتابعه من خلف مقود سيارتي. خطى حثيثاً مغادراً البوابة، فتبسمت له قائلاً: “صباح الخير أستاذ مأمون، أين وجهتك ؟”. أجاب وعيناه على ساعته: “إلى العمل، وزارة الإسكان”. عرضت عليه بتهذيب: “تفضل معي، الطريق واحد”. ركب بجانبي، وانطلقنا نتبادل أطراف الحديث.تابعت قائلاً بنبرة عفوية: “المنفذ الرئيسي مزدحم للغاية، سنلتف عبر طريق فرعي جانبي فالضغط هناك أقل”. انحرفت بالسيارة نحو الأزقة الخلفية والشوارع الثانوية بحجة الهروب من الاختناق المروري. لمحت شبح القلق يرتسم على ملامحه وهو يدرك أننا نبتعد تماماً عن قلب المدينة.بعد دقائق، غلبه حدسه الخفي بالخطر، فطلب مني التوقف فجأة مدعياً أنه سينزل ويستقل حافلة عامة ليعود. أوقفت المحرك، ومددت يدي بهدوء تحت المقعد، وأخرجت مسدس كولت المزود بكاتم للصوت. نقرة واحدة مباغتة وضعت حداً لحياة ذلك المستغل الحقير .

أعدت تشغيل المحرك، بعد أن دفعته بعيداً عن مستوى الرؤية ليصبح في الأسفل، تحت خط النوافذ حتى لا يلمحه أي عابر. كانت الخطوط الحمراء تتدفق بغزارة من رأسه، صبغت المقعد الأمامي بالكامل، ودهشت حقاً من تلك الكمية الكبيرة التي يحملها جسده.

اتجهت صوب المدى الصحراوي المفتوح، وبعد نصف ساعة وصلت إلى فجوة كنت قد حفرتها في اليوم السابق. أنزلته هناك، وجردته من محفظته وأوراقه الثبوتية، ثم وضعته في باطن الأرض. كنت قد جهزت مواد التنظيف والكيروسين وقطع القماش، مسحت كل أثر أحمر على المقاعد بعناية فائقة حتى تلاشت الرائحة تماماً، ألقيت بالخرق المستعملة فوقه، ثم ردمت التراب وأعدت تسوية الأرض كما خططت بدقة.

مر عامان، على انتقالي للعيش في الشقة المستردة مع زوجتي نوال .

في أحد الصباحات، استلمت خطاباً رسمياً يحمل شعار “وزارة الإسكان” يستدعيني فوراً. توجهت إلى هناك بقلب ثابت، متسلحاً بالقاعدة: (لا جثة.. لا محاكمة).دخلت مكتب المدير العام، الذي نظر في أوراقي وقال ببرود: “سيد أمين، بعد مراجعة ملفات الشقة التي تقطنها، ونظراً لاختفاء المستأجر السابق مأمون دون وريث مباشر، فقد تقرر إلغاء العقد القديم وتخصيص السكن آلياً لموظف جديد بالوزارة. وفقاً لقوانين وزارة الإسكان . وعليك الإخلاء خلال أسبوع .

صعقت، وسألت بذهول: “ومن يكون هذا الموظف الجديد .نظر المدير إلى الطلب المرفق وأجاب: “إنه شقيق زوجتك نوال.. لقد قدم الطلب بدعم منها منذ عام كامل، فور تأكدهم من غياب مأمون بلا عودة”.

حدقت في الفراغ، وشعرت برائحة الكيروسين تزكم أنفي من جديد؛ لم أكن البطل الذكي، كنت مجرد الممحاة التي مسحت العقبة من طريقهم .

تذكرت الآن ، انه لا بد لي من قراءة جديدة لأقوال زعماء المافيا. لعلها تلهمني حلاً لمشكلتي الحالية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading