البلطجي – أمين الساطي

مرّت ساعة كاملة وهو ملتصق بالشاشة، يلتهم مشاهد العنف والجنس في مسلسل “الغول” التركي، كأنها وجبة ساخنة. رفع سيجارة الحشيش إلى شفتيه، سحب نفساً عميقاً، ونفخه في الهواء. سحابة رمادية تكثّفت لحظة، ثم أخذت تتلاشى وهي تصعد نحو السقف المتشقق.
راقبها وهي تختفي. خطر له أنها نسخة مصغّرة من حياته: دخان ثقيل، صعود بطيء يختفي،ثم لا شيء.
المشكلة بدأت قبل يومين. زوجته اشترت فستاناً دون إذنه. هو بخّاخ سيارات في كراج صغير على طرف المدينة. راتبه بالكاد يسدّ أجرة البيت، ولقمة لزوجته الصغيرة الجميلة ، وثمن الحشيشة التي تمنعه من التفكير والقلق من المستقبل. الفستان كان ترفاً لا يحتمله. لذا أدّبها. ضربها ،حتى لا تقع في نفس الغلطة مرتين، هكذا برر لنفسه.
لكن زوجته اتصلت بأمها. بعد عشر دقائق فقط، وإذا بسيارة بيك آب تقف أمام الباب. نزلت منها حماته، ومعها ابنها “محمود البلطجي” كما يسميه. دخلوا دون استئذان وبدأوا يجمعون أغراض ابنتهم. قرار نهائي: ستغادر ولن تعود.
هو يكره حماته منذ الأزل. يسميها “الأفعى أم المشاكل”. وهي تبادله الكره بعملة أثقل. أيام الخطبة وقفت ضده بكل قوتها. كانت تريد تزويجها لابن أختها سعيد ، العاطل عن العمل، الذي يراه لا يصلح لشيء سوى الجلوس في حضن حماته .
حاول أن يمنعها بـ”الطريقة المهذبة”. لكن الحماة، كما يقولون لا تفهم بالكلام اللطيف .
لذا أدّبها هي أيضاً. ضربه لها كانت الشرارة التي فجّرت البيت. دخل ابنها المعركة، وتحول الصالون إلى حلبة مصارعة. صراخ، تكسير، ولولة. الجيران استدعوا الشرطة. سحبونا جميعاً إلى المخفر. خرجنا ثاني يوم بسند كفالة، كل واحد يتوعّد الثاني.
وهو، كـ”عربي شهم لا ينام على ضيم”، قرر الانتقام.
ثلاث ليالٍ وهو يخطط. يراقب بيتهم. يحفظ مواعيد خروج محمود ودخوله. يشتري بنزين. يجهز سكيناً. الحشيشة هذه المرة لم تكن للمتعة، بل لشحذ الأعصاب.
في الليلة الرابعة، الساعة الثالثة فجراً، تسلل. البيت نائم بهدوء .كسر قفل الباب الخلفي. دخل المطبخ. رائحة اليانسون القديم ما زالت عالقة في الهواء. سكب البنزين على الستائر، على كنبة الصالة، على باب غرفة نومها.
أخرج الولاعة. وقبل أن يشعلها، سمع صوتاً خلفه:
“استنيتَك”.
استدار. حماته جالسة على كرسيها الهزاز في العتمة. لم تكن نائمة. كانت بكامل وعيها، وفي يدها آلة تسجيل .
“كنت متأكدة من قدومك. أنت غبي ومتوقَّع يا صهري”.
تجمد. ثم قال : ” الليلة ستكون أجلك ما.. “
قاطعته: “قبل ما تقتلني؟ لا. أنت لن تحتفل بهذه الليلة “.
رفعت الدفتر: “أنا بكتب يوميات من عشرين سنة. كل صغيرة وكبيرة. كتبت عن خطبتكم. كتبت يوم ضربت بنتي أول مرة. كتبت عن الحشيشة، وعن الفستان، وعن قسم الشرطة. وكتبت عن خطتك الغبية بالتفصيل الدقيق من اسبوع، لما سمعتك تحكي فيها مع نفسك بالمخفر “.
ضحك بارتباك: “ومن سيصدق كلام عجوز خرفانة؟”
“محكمة الجنايات”. قالتها بهدوء. “أصل الدفتر ليس لي. أنا بكتبه لبنتي، بس النسخة منه بتروح كل خميس لمكتب المحامي. احتياط. لأن بنتي من أول يوم قالتلي: ” زوجي الحشاش سيقتلني في يوم ما “.
الولاعة سقطت من يده على الأرض، من شدة خوفه.
“
” أنتِ كذابة ” .
“
“يمكن ” . قالت وهي تقوم ببطء. “لكن الشرطة خارج البيت، ينتظرون اشارة مني ليدخلوا ويمسكونك بالجرم المشهود ، بتهمة قتل مع سبق الإصرار. مؤبد مستريح”.
سكتت، ثم مسحت على كتف الدفتر كأنها تربت على طفل.
“بس أنا غيرت رأيي. المؤبد رحمة لك. وأنا لست ست رحيمة”.
مدت يدها لجيبها وطلعت موبايل قديم. ضغطت زر الاتصال.
“
ألو يا بنتي؟
أيوه يا أمي… خلصي عليه فوراً “.





