الساعات الأخيرة – أمين الساطي

أصبح عقل الرئيس متاهةً من التخيلات، نظراً للتقارير المتضاربة التي يسمعها في كل دقيقة على هاتفه الجوال، حيث همسات صدى الأكاذيب أعلى من الحقيقة. جلس في قاعة قصره الرابض في أعلى التلة المطل على مدينة أسكوبا، محاطاً بالجدران الرخامية البيضاء، لقد حكم أرض أسكوبا لنحو ربع قرن، وارثاً الرئاسة من أبيه، على الرغم من أنه كان يعاني بعض الاضطرابات النفسية، ولقد أدركت زوجته الذكية أنه مريضٌ بجنون العظمة منذ أيام فترة الخطبة، فتسترت عليه، مستغلة وضعه لأغراضها الشخصية، وراحت تعالج مخاوفه وهواجسه بطرقها الخاصة. في هذه الليلة الباردة والرياح تعوي في الخارج، كان جالساً يبحلق في الثريات الذهبية التي تتدلى بدلال من أعلى السقف، مسترجعاً ذكريات هذه القاعة التي كانت مملوءة بالضحك والموسيقا وعامرة بالأصدقاء، والآن أصبحت ساكنة كالقبر. قعدت تراقب زوجها الذي من شدة تضارب الأنباء وتفاقم الصدمة، بدأ يفقد أعصابه منحدراً نحو الجنون. إنه يرفض أن يصدق أن جيشه الكبير المدجّج بالأسلحة الثقيلة، قد انهار بهذه السرعة الكبيرة أمام حفنة قليلة من الثوار. اقتربت منه بحذر وهي تحمل كتاباً ملوناً عن الحياة في إسكونا، قائلة: “يا لها من بلاد رائعة، ونحن محظوظون لأننا سنسافر إليها، فابتسم الرئيس بمرارة، مؤامرة جديدة، هل تتصورين أنني لا أعرف ماذا تخططين”. لكنها أجابته بنشافة وهي تدافع عن نفسها وتحمّله المسؤولية: إن نوبات غضبك التي تعتريك ومشاعرك السلبية المستمرة بخصوص أخيك، وعنادك المتأصل في شخصيتك نتيجة مرضك الوهمي، ورفضك لسماع نصائح مستشاريك، دمّرت البلاد والعباد، وأوصلتنا إلى هذا الوضع. إنها تحاول أن تقنعه بأن عليهما مع الأولاد أن يغادروا البلد بأسرع ما يمكن، فالثوار قادمون إلى القصر بعد بضع ساعات. صرخ عليها، شاتماً إياها وعائلتها، نادى بأعلى صوته لمرافقه الخاص ليخرجها من القاعة، لكن أحداً لم يسمع أوامره، فالحرس وجميع الموظفين قد خلعوا ملابسهم العسكرية، وارتدوا الملابس المدنية وفروا إلى بيوتهم. ببطء أدرك الحقيقة، وتحول بركان غضبه إلى رماد، لم يعد هناك فائدة من البقاء، وأن عليه مع أسرته أن يغادروا البلد بسرعة قبل فوات الأوان. نظر إلى زوجته الذكية المريضة، وقد هاله منظر شحوب وجهها، فشعر بالشفقة عليها، على الرغم من أنه كان يعرف أنها كانت تستغله منذ البداية مع عائلتها لجني مئات ملايين الدولارات. تحامل على نفسه، وقال لزوجته سنغادر الآن، ولربما تستحق هذه البلاد رئيساً أفضل مني، حاولت زوجته أن تخفف من وقع الصدمة، فأجابته قائلة: بعد أن نغادر سيقوم المخلصون من ضباطك بانقلاب عسكري ويعيدونك إلى الحكم مرة ثانية، فهزّ رأسه بسخرية، لقد اعتاد سماع أكاذيبها التي لا تنتهي، لقد أحسّ لأول مرة بأنه أصبح مكسوراً، زاغت عيناه وخمد جنون العظمة لديه، إنه يفضّل الفرار على الموت. عندما أشرقت الشمس، خرج من باب القصر تتبعه زوجته وأولاده، ولقد ظهر خياله ممتداً خلفه وأطول منه بكثير، إن عليهم أن يأخذوا الطائرة، ويفروا إلى إسكونا بأسرع ما يمكن.



