النوم بجانب الأعداء/أمين الساطي

منذ فترة، كنت أقلّب صفحات جريدة قديمة، لفتني مثل مكسيكي شعبي: النوم بجانب الأعداء. شدّني العنوان لغرابته. كيف يمكن لرجل أن ينام كل ليلة بجانب زوجته دون خوف؟
مع مرور الأيام تتبدل العواطف، ومع رتابة الزواج تتحول إلى مزيج من الملل والكراهية واللامبالاة. كنت لم أنم ليلتين من قلة الراحة، ورأسي ثقيل.
تحت إلحاح زوجتي الذي لا ينتهي إلا بانتهاء حياتها، راجعنا عدداً كبيراً من الأطباء. حمّلوني وحدي مسؤولية عدم الإنجاب. أحياناً أشك أن هناك مؤامرة بين زوجتي وحماتي والأطباء، لكن ما كان يخيفني فعلاً أنني بدأت أفقد احترامي لذاتي يوماً بعد يوم.
هربت كعادتي إلى التلفاز. أفتحه وأتقمص شخصية البطل فوراً.
ما زلت أذكر جملة سمعتها في فيلم بوليسي على لسان زعيم المافيا وهو ينصح ابنه: إذا لم تكن هناك جثة، فلن يكون هناك داعٍ لانعقاد المحكمة.
تذكرت القصص التي قرأتها عن زوجات يذبحن أزواجهن ويقطعن جثثهم ويرمينها لكلاب الشوارع. المرأة فهمت حكمة المافيا بسليقتها: بدون جثة لا يستطيع المخفر أن يتهم الزوجة. بعدها تذهب إلى المخفر وتبكي وتقول إن زوجها هرب مع عشيقته، وغالباً تكون قد نفذت خطتها بمساعدة عشيقها.
أنا لا أتحمل رؤية الدم، حتى في الأفلام أغلق عيني. لذلك فكرت أن الأقراص المنومة أسهل وسيلة. تذكرت مارلين مونرو وهي في قمة شهرتها استعملت الأقراص لتنهي حياتها.
سيطر عليّ هاجس الأقراص. مشيت لا إرادياً نحو صيدلية الحارة، وقبل أن أصل بأمتار، قررت أن أذهب لصيدلية بعيدة لا يعرفني فيها أحد. دخلت وأنا أتظاهر بالتعب واشتكيت من قلة النوم. قال الصيدلي: وجهك يبدو عليه الإعياء. سألته عن الجرعة كأنني أبعد الشبهة، واشتريت علبة إيطالية اعتقاداً مني أن مفعولها أقوى.
في طريق العودة شعرت بخوف عميق ولذة غريبة في آن واحد، لذة أنني مختلف عن كل من أعرفهم. فكرت أن أمر على المقهى مع أصدقائي، لكن خفت أن أتكلم كثيراً عن زوجتي فيثير ذلك الريبة لاحقاً. قررت الذهاب للبيت مباشرة، فكثرة التردد بدأت تقودني للجنون.
جلست على الكرسي مواجهاً النافذة، أنظر للغيوم تتجمع بشكل غريب، واعتبرتها إشارة من السماء لأستمر.
قاطعني صوت زوجتي يصرخ كعادته: قاعد وشارد! روح دوّر على شغلة تانية بعد الظهر تسند فيها راتبك! وبدأت أسطوانتها عن أختها وزوج أختها اللحام الذي يطالع قد راتبي مرتين، وعن جارنا أبو سعيد صاحب التاكسي الذي هدفه تلبية مطالب أم سعيد.
شعرت أنني أغرق في مقارنات لا تنتهي.
انسحبت هي إلى البلكونة الصغيرة لتدخن سيجارتها، كأنها تقيم حاجزاً نفسياً بيننا. لم تتصور أن الأمور أكبر من ذلك. اندفعت بلا وعي، شددتها بعنف. كانت نحيفة وقصيرة، أخف مما توقعت. حديد البلكونة كان بارداً.
اقتربت من الحافة ودفعتها. لم أفكر بالنتيجة، توهمت أن قوة خارجية تسيطر عليّ. نحن في الطابق الأول، المسافة ستة أمتار فقط. نسيت أن السقوط من هذه المسافة قد لا يكون مميتاً لشخص خفيف الوزن.
هالني صوت الارتطام.
ثم سمعت صوتها المتهدج: قتلني ابن الحرام.. والله لأخرب بيته.. والله لخليه يتختخ بالحبوس.. دخيلكم الحقوني.. خدوني عالمستشفى. تجمع جاران حولها،
ثم جاء أبو سعيد. سمعت أحدهم يطلب من أبو سعيد أن ينقلها بسيارته للمستشفى، والآخر يقترح استدعاء الشرطة أولاً. شعرت بارتياح غريب أنها لم تمت، وفي نفس الوقت أدركت أنني انتهيت. سأصبح سخرية أمام طلابي وزملائي، ماذا ستقول أمي أمام أهلها؟
سمعت جرس الباب. أيقنت أن الشرطة وصلت. تأكدت أن كل أحلامي الصغيرة أصبحت ورائي.
أيقظني صوت زوجتي: مالك سمعان صوت المنبه؟! العمى ما بتشبع نوم؟! الساعة صارت سبعة وأنت نايم! قفزت من فراشي أشعر بنشاط وغبطة لم أعرفهما منذ زمن.
ارتديت ملابسي بسرعة كي لا أتأخر عن المدرسة. وأنا أهم بالمغادرة، سمعت صوتها يلعلع من جديد: لا تنسى اليوم بعد الظهر تبدأ معاملة تحويل شهادة السواقة لعمومي.. ادفعلك مية ليرة براني للموظف..
أبو سعيد وافق يشغلك عنده على التاكسي بالليل.. حظك بيفلق الصخر.
ابتسمت من نصائحها، وانصرفت إلى مدرستي وأنا أشعر باطمئنان غريب افتقدته منذ زواجي. أحمد الله أن القصة انتهت بهذا الشكل.
وسأعود الليلة لأنام بجانبها من جديد، وأنا أفكر أن المثل المكسيكي كان على حق.



