المسكوت عنه/أمين الساطي

الأفكار التي نخجل من البوح بها لا تموت. بل تزداد قوة حتى تبدأ بالتحكم فينا.
منذ صغري وخالتي تردد:
«عندما تكبر سأزوجك هنيدة».
جملة واحدة حفرت وهماً كاملاً في مخيلتي. قضيت مراهقتي أنسج حياة مع زوجة موعودة اسمها هنيدة.
كبرت هنيدة. في السابعة عشرة كانت آية في الجمال. ثم قيل لنا إنها ستتزوج وتسافر مع زوجها. لم تعبأ أمها بحكاياتها القديمة عن زواجنا المفترض بعد تخرجي.
تخرجت من كلية الطب في جامعة دمشق، طبيباً عاماً بلا اختصاص، وتوظفت في المستشفى الحكومي نفسه التابع لوزارة الصحة.
كانت حولي فتيات جميلات، لكن شيئاً ما بقي عالقاً في داخلي.
هنيدة.
كنت أشعر، من دون أن أعرف لماذا، أنها ليست مجرد فتاة أحببتها في طفولتي، بل شيء يخصني وحدي.
في أحد الأيام لم أعد أحتمل. رفعت سماعة الهاتف واتصلت ببيت خالتي لأطلب هنيدة.
سمعت صوتها يقول:
«آلو».
بضحكتها الخاصة.
ارتبكت كمراهق.
قلت:
«أنا هشام».
أجابتني:
«يا هلا».
سألتها:
«لماذا لا تزورين خالتك؟»
ضحكت:
«زرتها الأسبوع الماضي، ولم تكونوا في البيت».
تابعت:
«تعالي غداً بعد الظهر. سأكون بانتظارك».
أجابتني بسخرية:
«خوفتني… سأرى إن كان زوجي زياد مشغولاً».
في اليوم التالي عدت إلى البيت متأخراً.
وجدت أمي في المطبخ تصب القهوة التركية.
ثلاثة فناجين.
فنجان لها، وفنجان لي، وفنجان ثالث تضعه دائماً أمام صورة هنيدة المعلقة على الحائط.
كان ذلك طقساً تفعله كل عام في الأول من آذار، منذ سنوات.
جلست.
فاحت رائحة القهوة في الغرفة.
وللحظة أقسم أنني شممت عطر هنيدة.
ثم رأيت الفنجان الثالث ينقص.
تخيلت أنها جاءت فعلاً.
جلست.
ضحكت.
وقالت:
«يا هلا».
لم يحدث شيء في الحقيقة.
لكن دماغي سجّل الزيارة كأنها حدثت فعلاً.
ربما لأنه كان يحتاج إليها.
بعد شهر، رن الهاتف.
قالت أمي:
«بنت خالتك هنيدة تريدك».
أمسكت السماعة.
كان صوتها خافتاً:
«هل الهاتف آمن؟ هل خالتي تسمعنا؟»
أجبتها:
«إنه آمن».
قالت:
«أنا حامل».
سكتُّ.
تابعت:
«وأنت تعرف ما حدث يوم شربنا القهوة».
ثم قالت:
«زوجي لديه مشكلة تمنعه من الإنجاب. وإذا طلب فحصاً، ستظهر الحقيقة. أخشى أن تحدث كارثة».
طلبت منها يومين لأفكر.
لم أنم يومين.
في اليوم الثالث اتصلت ببيت خالتي.
جاءني صوتها متهدجاً:
«هشام يا ابني… البقية بحياتك».
سقطت السماعة من يدي.
قلت:
«مستحيل… كانت هنا قبل يومين».
قاطعتني:
«أي قهوة يا هشام؟»
سكتُّ.
قالت:
«هنيدة ماتت قبل ثمانية وعشرين عاماً».
حدقت في الهاتف.
تابعت:
«العزاء انتهى منذ زمن».
ثم سألتني:
«أنت أين كنت طوال هذه السنوات؟»
ركضت إلى أمي.
قلت:
«ماما، هنيدة متى كانت هنا آخر مرة؟»
نظرت إليّ باستغراب.
«هنيدة؟ يا ابني، هنيدة ماتت وهي في السابعة عشرة».
ثم أضافت:
«منذ ذلك اليوم وخالتك تقول: سأزوجك هنيدة. ونحن نجاريها كي لا نكسر بخاطرها».
خرجت من البيت كالمجنون.
ركضت إلى المقبرة.
وجدت قبر هنيدة.
كان التاريخ:
1 آذار 1998.
اتصلت بخالتي وأنا أصرخ:
«هذا قبر من؟»
سكتت طويلاً.
ثم قالت:
«آن الأوان لتعرف».
حكت لي أن قصة حادث السيارة يوم زفاف هنيدة كانت كذبة اخترعتها العائلة حتى لا يعرف أحد الحقيقة.
هنيدة لم تمت في حادث.
ماتت في المستشفى نفسه الذي أعمل فيه الآن.
نزفت أثناء الولادة.
كانت في السابعة عشرة.
ثم قالت:
«أنت ابنها».
لم أستطع الكلام.
تابعت:
«وأنا لست خالتك».
سكتُّ.
«أنا جدتك».
ثم قالت إن أمي التي ربتني كانت أختها الصغرى، وإن العائلة أخفت الحقيقة، وربتني على أنني ابنها.
أما الجملة التي سمعتها طوال طفولتي:
«عندما تكبر سأزوجك هنيدة».
فلم تكن وعداً.
كانت شيئاً آخر.
طريقة غريبة ومؤلمة لجدة مذنبة حاولت أن تُبقي أمّاً غائبة قريبة من ابنها.
أغلقت الخط.
رن الهاتف مرة أخرى في جيبي.
نفس الصوت.
لكنه هذه المرة بدا بعيداً، كأنه يأتي من مكان عميق جداً.
قال:
«هشام… أنا حامل. لازم تلاقي حل».
أغمضت عيني.
وفهمت أخيراً.
لم تكن تتصل بي.
كنت أنا من كان يسمع ذلك الصوت منذ زمن بعيد.
قبل ثمانية وعشرين عاماً.
قبل أن أعرف معنى الأم.
قبل أن أعرف معنى الحب.
كان هناك شيء في داخلي يبحث عنها، ويعيد بناء صورتها كلما فقدها.
ربما لهذا ظللت أراها في كل امرأة أحببتها.
وربما لهذا لم أستطع أن أحب أحداً سواها.
المسكوت عنه لم يكن ما ظننته طوال حياتي.
كان شيئاً أقدم مني.
وأعمق مني.
شيئاً بدأ قبل أن أولد :
لم يكن الأمر اختياراً واعياً.
كنا نبحث عن شيء قديم، لا نعرف اسمه.
المسكوت عنه لم يكن الجنس. المسكوت عنه أننا نطارد عشيقاتنا ونظن أننا نطارد أمهاتنا.



