أضرب واهرب/أمين الساطي

من حسن حظي أنني أعمل سائق تاكسي.
ليست الميزة في السيارة، ولا في الأجرة التي بالكاد تكفي، بل في الركاب.
الناس يثرثرون داخل التاكسي أكثر مما يتكلمون في بيوتهم. ما إن يغلقوا الباب حتى ينسوا أن هناك سائقاً له أذنان وذاكرة.
وفي أحد الأيام، ركب معي رجلان تفوح منهما رائحة عطر غالٍ، كانا يتحدثان عن البورصة.
قبل أن ينزلا أمام البنك، قال أحدهما للآخر جملة بقيت عالقة في رأسي:
“أسرع طريقة لصنع المال… اضرب واهرب.”
ومنذ ذلك اليوم قررت أن أعيش بهذه القاعدة.
اليوم الأول
رجل مسن. ناولني عشرة آلاف. أعدت له خمسة فقط.
قال: الباقي ناقص خمسة.
ابتسمت ورفعت صوتي: يعني أنا حرامي؟ هيا بنا إلى المخفر!
تلفت حوله مرتبكاً وهمس: ربما أنا أخطأت… وغادر.
أول درس في البورصة… نجح.
اليوم الثاني
امرأة مستعجلة. دفعت خمسة آلاف.
وقلت: لها ليس معي فكة، شقتي هنا، سأجلب لك الباقي وأزيدك ألفاً اعتذاراً.
تبدل لون وجهها. فتحت حقيبتها بسرعة: احتفظ بالباقي. ونزلت تركض.
بعض الناس يدفعون ثمن خوفهم أكثر من الأجرة.
اليوم الثالث
سائح أوروبي: Airport.
قلت: meter.
ودخلت به أطول طريق في دمشق.
بعد ساعة كان يلهث: سأفقد الطائرة.
قلت: الطريق السريع مغلق منذ الصباح.
دفع ثلاثة أضعاف الأجرة وهو يقول Thank you.
قلت: You’re welcome. البورصة لغة عالمية.
اليوم الرابع
رجل في الخمسين، ربطة عنقه مرتخية، يشتكي من الغلاء ومن الحكومة.
بدلاً من أن أنعطف لشارعه، دخلت شارعاً آخر.
قال: تجاوزنا الطريق.
قلت بصوت منخفض: أنا لا أعمل سائق تاكسي. أنا أعمل مع المخابرات الجوية…
مهمتي أن أستمع.
تجمد. ثم أخرج محفظته بيد مرتعشة: هذا كل ما معي، عندي زوجة وأولاد.
لم أعد النقود. الخوف يدفع أكثر من الجيب.
عندما نزل قلت له: هذه المرة لن أرفع تقريراً.
اختفى بين الأزقة دون أن يلتفت.
اليوم الخامس
توقفت بجانبي سيارة رباعية الدفع. نزل منها رجل أنيق تفوح منه نفس رائحة العطر الغالي.
قال: أنت صاحب التاكسي الأصفر؟ سمعت عنك.
دعاني لمقهى. أخرج ملفاً عن تجارة المعادن وأرباح تتضاعف خلال أسابيع.
تذكرت جملة البورصة. شعرت أن القدر يفتح لي الباب.
في تلك الليلة لم أنم. وفي الصباح بعت سيارتي وسحبت كل ما ادخرته وسلمته المال.
ابتسم وصافحني: مبروك… أصبحت شريكاً.
ثم اختفى.
الهاتف مغلق. والمكتب الذي أخذني إليه للإيجار منذ أشهر.
عدت سيراً على الأقدام.
لأول مرة منذ سنوات، أردت أن أوقف تاكسي… ثم تذكرت أن التاكسي كان لي.



