الحبلُ على الجرّار/جميلة مزرعاني – لبنان

على ضفافِ موقدٍ ترمَّدتْ جمراتُهُ وُلِدْتُ في ليلةٍ كانونيّةٍ قارسة، رُبَّما تعسّرَ مخاضُ الولادة آنذاك ففاتني نعيمُ الدّفءِ المنبهر. وحدها قماطتي وحضنُ أمّي دثّراني بالدّفءِ وَثَدْيٌ بليلٌ رطّبَ جفافَ ثغري يغرسُ بفطرتي طعمَ الحياة، أنمو على ساعديها إلى أن أغفو، فركبتاها مهدي الصّغير وأرجوحتي وقتَ الدّلال ومبعث الرّاحة والسّكينة والهناء.فلا أتوانى أطرحُ صراخي حين تستدعي الحاجة أسرقُ غفوة عينيها بكيدٍ مباغتٍ.وعبر بي الزّمن أحبو أمام ناظريها أنهلُ من نبعِ جوارحها حتّى تبرعمَ عودي ودخلتُ المدرسةَ مع من دخلوا كانتِ المحطّةُ الأصعبُ في طريقي بنظامها الصّارم يرهقُ غدوي إليها ينتزعُ ثقتي يزرعُ شذراتِ الخوفِ بداخلي. إذْ كانت العصا الحاكم المطلق، وكان القصاصُ سيّدَ زماننا كلّما امتدَّ يكبر الخوف في نفسي ويتوسّع، ومن تأديب الوالد نالني نصيبٌ لتأخّرٍ مدرسيٍّ أو لسلوكٍ كاد يسقطُ سهوًا وكلّ الظّنّ أنّهُ مسّ بقواعد التّربية المحافِظة. الأمرُ الذي جعلني أسخطُ على المدرسة وقصاصها الذي لا يؤسّس إلّا للهلاك فلم أكن أهنأُ حينها باجتهادي وتفّوقي رغم أنّ إسمي لم يغب عن لوائح الشّرف وظلّ الخوف ينفخ في أوردتي ترسانة غضبٍ يتملّكني حتّى دخلتُ الجامعةوتخرَّجْتُ منها أستعدُّ لمناقشة أطروحةِ الماجستير في اللّغةِ العربيّةِ وآدابها.فما كان من الأستاذ المشرف على الرسّالة إلّا أن أخذَ بيدي يعزّز ثقتي بنفسي يدعمني لأقطعَ شوطًا من التّعافي وسحبِ فتيلِ الخوفِ تدريجيًّا أردمُ عثرةً إثْرَ عثرة يتلوها نجاحات والحبلُ على الجرّار آملة أن أشفى تمامًامن رواسب ما خلّفهُ شبحُ الخوفِ سنين طويلة.



