قراءة نقدية: لقصة لماذا لا تعود امي ؟: للْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ/ا.د حمام محمد

َجَلَبَ لِي الْقَاصُّ وَالرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ، فِي قِرَاءَاتِي لَهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، مَادَّةً لِلتَّنَقُّلِ بَيْنَ مَجَالَاتٍ إِبِيسْتِيمُولُوجِيَّةٍ تَوَقَّفْتُ عِنْدَهَا أَمَامَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا مَا يَصْلُحُ أَسَاسًا لِلْقَرَارِ بِتَشَكُّلِ الْعُقْدَةِ الرِّوَائِيَّةِ عِنْدَ الْكَاتِبِ، بَدَلًا مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ مَفْهُومِ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ بِوَصْفِهِ مَفْهُومًا مَجَازِيًّا، لِكَوْنِنَا لَمْ نَشْهَدْ بَعْدُ تَأْطِيرًا أَكَادِيمِيًّا لِلْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ جِدًّا.
وَالْكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَاتِ يَصْدُرُ عَنْ انْتِظَامَاتٍ تَدُلُّ عَلَى إِزَالَةِ بَعْضِ اللَّبْسِ فِي مَجَالِ سَيْرِ الْعُقَدِ الْوَصْفِيَّةِ الَّتِي تَعْتَمِدُ الْأَمَاكِنَ وَالْإِكْسِسْوَارَاتِ، ثُمَّ نَقْلِ الشُّخُوصِ، أَوْ مَا يَتَّصِلُ بِالزَّمَكَانِيَّةِ. وَهُنَاكَ مُقْتَطَفَاتٌ أُخْرَى مِنَ الْفَلْسَفَةِ الشَّكْلَانِيَّةِ، وَمِنْ بَعْضِ الْمُقَارَبَاتِ النَّقْدِيَّةِ الَّتِي حَاوَلَتْ إِقْحَامَ الْأَدَوَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِلَّذَّةِ وَالْأَلَمِ
الْعَتَبَةُ الْأُولَى: عَتَبَةُ الْعُنْوَانِ وَسُؤَالِ الْحِكَايَةِ
لَوْ نُعِيدُ قِرَاءَةَ الْعُنْوَانِ بِغِيَةَ اسْتِنْتَاجِ السُّؤَالِ النَّقْدِيِّ الَّذِي فِي الْوَاجِهَةِ: هَلْ سَتَعُودُ أُمِّي، أَمْ إِنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تُغَادِرْ بَعْدُ الْعَقْلَ الْبَاطِنَ؟ تِلْكَ التَّمْهِيدَاتُ مِنَ الْمَنْطِقِ الْعَمَلِيِّ مَوْجُودَةٌ، وَيُمْكِنُ مُنَاقَشَتُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، حَسَبَ الدَّلَالَاتِ الْمُغَيَّبَةِ دَاخِلَ سِيَاقِ عُقْدَةِ الْحَكْيِ. وَكَمَا يَتَرَاءَى، فَإِنَّهُ سُؤَالٌ مُخْتَزَلٌ فِي حَجْمِهِ، صَادِرٌ عَنْ صَرْخَةِ طِفْلٍ يُصِرُّ عَلَيْهَا وَهْمٌ كَبِيرٌ بَعْدَ الْيَأْسِ، يُرِيدُ أَنْ يَخْتَبِرَ الْمَسَاءَ بِحَالَةِ عَوْدَةِ الْأُمِّ، بَعْدَ أَنْ كَبِرَ الْأَوْلَادُ. لَكِنْ، هَلْ هَذِهِ الْعَوْدَةُ هِيَ عَوْدَةُ الذَّاكِرَةِ فِي قَلْبِهَا الْمُهِمِّ، أَمْ هِيَ بُكَاءٌ عَلَى حَيَاةٍ مُسَجَّلَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَا تَعُودُ، بِسَبَبِ اسْتِمْرَارِ الْمُحَاكَاةِ بَيْنَ أَبٍ وَابْنٍ يَبْكِيَانِ الْغِيَابَ؟ فَالْعُنْوَانُ صَرْخَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ بِحَجْمِ الْوَاقِعِ: بَطَلٌ أَمْ كَانَتْ أُمُّهُ فِي الْجِوَارِ، حَتَّى تَحَوَّلَتْ إِلَى ذَاكِرَةِ الْمَكَانِ؟
وَفِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهَا مُنْطَلَقَاتٌ كَثِيرَةٌ لَمْ أَشَأْ أَنْ أُبْرِزَهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ أَخَذْتُ بِنِظَامِ الْعَتَبَاتِ الَّذِي يَجْعَلُنِي أَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَا أُرِيدُ أَنْ يَقُولَهُ الرِّوَائِيُّ عَدْنَانُ مَهْدِي الطَّائِيُّ فِي قِصَّتِهِ «لِمَاذَا لَا تَعُودُ أُمِّي؟».
تَتَمَيَّزُ الْقِصَّةُ بِجَوَانِبَ مِنْ جَمَالِ الْحَكْيِ وَجَمَالِيَّةِ التَّنَاسُقِ فِي الطَّرْحِ الْمَوْضُوعِيِّ، مِنْ خِلَالِ إِشْكَالَاتٍ أُسَرِيَّةٍ طَرَحَهَا الْقَاصُّ دُونَ تَزَمُّتٍ، مِمَّا أَضَافَ وُضُوحًا أَوَّلِيًّا إِلَى الْعَمَلِ. وَحَتَّى لَا نَنْحُوَ إِلَى الْحَدِيثِ عَنِ الْمَسَارَاتِ الَّتِي وَضَعَهَا النُّقَّادُ الْغَرْبِيُّونَ فِي تَحْلِيلِ الْخِطَابَاتِ، وَتَبَنَّاهَا الْبَعْضُ عَلَى أَسَاسِ التَّعْقِيدِ، فَإِنَّ النَّظَرَ إِلَى الْعَمَلِ الْحَكَائِيِّ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُحَاكِيَ مَا جَاءَ فِي مِثْلَثِ غْرِيمَاسَ، أَوْ تَحَدِّيَاتِ دِيرِيدَا، أَوْ عَوَالِمِ كَافْكَـا.
وَلَا أَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّقْلِيلَ مِنْ قِيمَةِ الِاجْتِهَادَاتِ النَّقْدِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَى أَنَّ لِلْحَكْيِ جَمَالِيَّتَهُ الْخَاصَّةَ، الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْبِنَاءِ الْقَصَصِيِّ، وَكَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الْأَدْوَارِ وَالْوَظَائِفِ، فَضْلًا عَنِ الْعَنَاصِرِ الَّتِي تَتَحَكَّمُ فِي تَشْكِيلِ الْعَمَلِ. وَمَهْمَا تَعَدَّدَتِ الرُّؤَى الشَّكْلَانِيَّةُ فِي مُقَارَبَةِ النَّصِّ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، فَإِنَّ الِانْطِبَاعَاتِ النَّقْدِيَّةَ الَّتِي قَدَّمَهَا نُقَّادُنَا الْمَشَارِقَةُ، مِنْ صَلَاحِ فَضْلٍ إِلَى جَابِرِ عَصْفُورٍ وَغَيْرِهِمَا، تَظَلُّ مِنَ الْمَدَاخِلِ الَّتِي يُمْكِنُ الْإِفَادَةُ مِنْهَا فِي قِرَاءَةِ النُّصُوصِ.
الْعَتَبَةُ الثَّانِيَةُ: عَتَبَةُ الْعُقْدَةِ وَمُحَرِّكِ الْحَكْيِ
بِالتَّمَعُّنِ فِي الْعُقْدَةِ الَّتِي مَثَّلَهَا الْكَاتِبُ، نَجِدُ أَنَّ الْأُمَّ كَانَتْ هُنَا وَرَحَلَتْ، كَمَا يَرْحَلُ النَّاسُ، وَلَكِنَّهُ يَرَى، أَوْ هُوَ مُتَأَكِّدٌ، أَنَّهَا سَتَعُودُ. وَمِنْ حَيْثُ الْمَنْطِقُ، يُعَدُّ الْأَمْرُ تَجَنِّيًا عَلَى طَبِيعَةِ مَوْتِ الْإِنْسَانِ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ ثَانِيَةٍ، هُوَ تَوْلِيدٌ مُتَنَاصٌّ لِقَضِيَّةِ الْمَوْتِ فِي شِقِّهَا الْعَاطِفِيِّ. وَيَعِيشُ الْقَاصُّ وَحْدَهُ هُنَا التَّنَاقُضَ الْمُثْمِرَ بِقَوْلِهِ: «أَحْيَانًا أَخَافُ أَنْ أَنْسَى أُمِّي». وَالْعَلَاقَةُ انْفِعَالِيَّةٌ وَذَاتُ بُعْدٍ دِينِيٍّ غَرَائِبِيٍّ، أَسَاسُهَا فِي الْقَصِّ عَوْدَةُ الْمَفْقُودِينَ بِفِعْلِ الْمَنِيَّةِ، كَالَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ أَمَاتَهُ اللَّهُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَقَدْ أَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ…
إِنَّ عُقْدَةَ النَّصِّ الْأَدَبِيِّ، الَّتِي اتَّخَذَتْ طَابَعًا مِيلُودْرَامِيًّا يَحْمِلُ الْفَقْدَ وَلَوْعَتَهُ، تَبْدُو كَأَنَّهَا صِرَاعٌ بَيْنَ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ. وَلَعَلَّ أُسْلُوبَ الْكَاتِبِ الْأَدَبِيَّ الْوَاضِحَ قَدْ أَسْهَمَ فِي تَشْكِيلِ الْمَعْنَى مِنْ خِلَالِ كَلِمَاتٍ وَمَشَاهِدَ تَتَجَاوَزُ دَلَالَتَهَا الْمُبَاشِرَةَ، وَغَابَتْ عَنْ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ الَّتِي تَوَقَّفَتْ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّصِّ دُونَ الِانْتِبَاهِ الْكَافِي إِلَى مُحْتَوَاهُ.
فَخِزَانَةُ الصُّوَرِ، وَالصُّورَةُ الْمُعَلَّقَةُ مُنْذُ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَبْتَسِمُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي يَقِفُ إِلَى جَانِبِهَا، وَالطِّفْلُ الَّذِي يُمْسِكُ بِيَدِ أَبِيهِ؛ كُلُّهَا عَنَاصِرُ تَدْخُلُ فِي تَشْكِيلِ الْمَعْنَى، وَتَفْتَحُ الْمَجَالَ أَمَامَ تَأْوِيلَاتٍ تَتَّصِلُ بِالذَّاكِرَةِ وَالْفَقْدِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَثَرِ.
وَمِنْ هُنَا أَدْخَلَنَا الْقَاصُّ إِلَى زَاوِيَةٍ حِمَائِيَّةٍ جَمِيلَةٍ، ذَاتِ أُفُقٍ تَجْرِيبِيٍّ وَأُسْلُوبٍ أَدَبِيٍّ وَاضِحٍ. فَهُوَ لَمْ يَعْتَمِدِ التَّنَاقُضَ الْمُدَمِّرَ، بَلْ سَعَى إِلَى جَعْلِ الْقَارِئِ يَنْتَظِرُ تَطَوُّرَ الْأَحْدَاثِ وَيَخْتَبِرُ دَلَالَاتِهَا أَمَامَ الزَّخَمِ الْعَاطِفِيِّ لِلنَّصِّ.
وَيُوَاصِلُ الْكَاتِبُ بِنَاءَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْفَقْدِ وَاسْتِعَادَةِ الْمَعْنَى، مِنْ خِلَالِ قَوْلِهِ إِنَّ الْأَبَ كَانَ يَعْتَنِي بِحَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ خَلْفَ الْبَيْتِ، وَفِي وَسَطِهَا شَجَرَةُ لَيْمُونٍ قَدِيمَةٌ، ثُمَّ يَكْشِفُ أَنَّ الْأُمَّ هِيَ الَّتِي زَرَعَتْهَا بَعْدَ وِلَادَةِ كَرِيمٍ، قَائِلَةً إِنَّ الشَّجَرَةَ سَتَكْبُرُ مَعَهُ.
هُنَا يَرْتَقِي الْحِوَارُ إِلَى مُسْتَوَى التَّمْثِيلِ الدَّلَالِيِّ؛ إِذْ لَا تَعُودُ الشَّجَرَةُ مُجَرَّدَ نَبَاتٍ، بَلْ تُصْبِحُ عُنْصُرًا فِي بِنَاءِ الذَّاكِرَةِ، وَوَسِيلَةً لِرَبْطِ الْمَاضِي بِالْحَاضِرِ.وَحِينَ يُوَظِّفُ الْكَاتِبُ النَّبَاتَ، فَإِنَّهُ يَنْقُلُنَا إِلَى أُسْلُوبٍ تَتَحَدَّثُ فِيهِ الطَّبِيعَةُ بِلُغَةٍ رَمْزِيَّةٍ، فِي ظِلِّ تَشَعُّبِ الْمَعْنَى وَانْتِقَالِهِ مِنَ الْمُسْتَوَى الْمَوْضُوعِيِّ إِلَى مُسْتَوَيَاتٍ تَأْوِيلِيَّةٍ أَعْمَقَ. وَلَوْ لَمْ تَكُنْ شَجَرَةُ اللَّيْمُونِ هِيَ الْعُنْصُرَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْكَاتِبُ، لَتَغَيَّرَتْ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فِي النَّصِّ؛ فَبَرِيقُ الرَّمْزِ مُرْتَبِطٌ بِوَظِيفَتِهِ فِي الْبِنَاءِ، وَبِقُدْرَتِهِ عَلَى حَمْلِ الْمَعْنَى التَّأَمُّلِيِّ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ وَالْغِيَابِ وَالنُّمُوِّ.
الْعَتَبَةُ الثَّالِثَةُ: عَتَبَةُ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ
مِنَ النَّظَرِ إِلَى عُنْوَانِ الْقِصَّةِ، فَإِنَّ الْكَاتِبَ جَسَّدَ أَلَمًا سَابِقًا وَفَقْدًا كَبِيرًا لِلْوَالِدَةِ، ثُمَّ يَتَوَسْوَسُ بِأَنَّهُ سَيَفْقِدُهَا، وَلِهَذَا وَضَعَ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَنْسَاهَا. وَالْعِبَارَةُ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ؛ فَهِيَ تُتَرْجِمُ أَلَمَ الْفَقْدِ، بَيْنَمَا يَتَّجِهُ جَمْعُ الصُّورَتَيْنِ فِي إِطَارٍ وَاحِدٍ نَحْوَ الْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمَاضِي.
الشَّجَرَةُ وَمَنْطِقُ الْحَكْيِ
كَانَتِ الشَّجَرَةُ الْعُنْصُرَ الَّذِي أَوْصَلَ الْعُقْدَةَ الْقَصَصِيَّةَ إِلَى مَرْحَلَةِ الذُّرْوَةِ، وَكَأَنَّهَا تُنْهِي سَقْفَ التَّفْكِيرِ عِنْدَهَا، مِنْ خِلَالِ طَرَائِقَ مُتَعَدِّدَةٍ لَا تَجْعَلُ تَفْسِيرَهَا مُنْفَصِلًا عَنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ. وَحِينَ تَقِفُ لَيَانُ فِي الْحَدِيقَةِ وَتَنْظُرُ إِلَيْهَا طَوِيلًا، فَإِنَّهَا لَا تَرَى مُجَرَّدَ شَجَرَةٍ كَبِيرَةٍ، بَلْ تَقْتَرِبُ مِنْ ذَاكِرَةٍ عَائِلِيَّةٍ لَمْ تَعِشْ بَدَايَاتِهَا. وَعِنْدَمَا يَكُونُ بَطَلُ الْحِكَايَةِ كَرِيمًا فِي عَاطِفَتِهِ وَوَفَائِهِ، يَصْعُبُ إِخْرَاجُهُ مِنْ دَائِرَةِ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ الَّتِي يَعِيشُهَا، إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ فَهْمُهُ لِمَا يَرْبِطُهُ بِالْمَاضِي. وَهُنَا يُسْقِطُ الْكَاتِبُ حُكْمَهُ بِطَرِيقَةٍ أُسْلُوبِيَّةٍ، وَهُوَ يَرْوِي لِابْنِهِ شَيْئًا مِنْ تَجْرِبَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَوِّلَ الْحِكَايَةَ كُلَّهَا إِلَى تَقْرِيرٍ مُبَاشِرٍ.
وَتَتَعَدَّدُ حِوَارَاتُ الشَّخْصِيَّاتِ، وَتَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ حِوَارًا، بِحَسَبِ الْإِحْصَاءِ الْوَارِدِ فِي مُلَاحَظَاتِي، وَتَتَوَزَّعُ عَلَى كَرِيمٍ وَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَلَيَانَ، مَعَ وُرُودِ شَخْصِيَّاتٍ أُخْرَى فِي سِيَاقِ الْحِكَايَةِ. وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى طَبِيعَةِ أُسْلُوبِ الْقَصِّ، وَجَدْنَاهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِوَارِ الْمُبَاشِرِ، وَالْوَصْفِ، وَالسَّرْدِ النَّفْسِيِّ، وَالرَّمْزِ، فَضْلًا عَنْ تَدَاخُلِ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ قِصَرِ الْحِوَارَاتِ. هَذِهِ الْأَسَالِيبُ لَيْسَتْ مُتَعَارِضَةً، بَلْ تَتَدَاخَلُ دَاخِلَ الْمَقْطَعِ الْوَاحِدِ؛ فَقَدْ يَجْتَمِعُ الْحِوَارُ مَعَ التَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ، كَمَا يَجْتَمِعُ الْوَصْفُ مَعَ السَّرْدِ النَّفْسِيِّ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ عَدَدَ الْأَسَالِيبِ السِّتَّةِ هُوَ تَصْنِيفٌ نَقْدِيٌّ لِلْأَسَالِيبِ الْبَارِزَةِ، وَلَيْسَ عَدَدًا نِهَائِيًّا مُغْلَقًا.وَتَنْتَهِي الْقِصَّةُ إِلَى فِكْرَةٍ مَفَادُهَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَمْ تَكُنْ نَقِيضًا لِذِكْرَى الْأُمِّ، بَلْ كَانَتِ امْتِدَادًا لَهَا. وَحِينَ جَمَعَ كَرِيمٌ الصُّورَتَيْنِ فِي إِطَارٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَبْدِلُ الْمَاضِيَ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَضَعُهُمَا أَخِيرًا فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ.
التَّوْفِيقُ بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالْحَاضِرِ
وَهُنَا يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ اللَّذَّةِ بِوَصْفِهَا شُعُورًا نَفْسِيًّا مُبَاشِرًا، وَبَيْنَ الْمُصَالَحَةِ بِوَصْفِهَا نَتِيجَةً دَلَالِيَّةً يَبْنِيهَا النَّصُّ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نُطْلِقَ مَفْهُومَ اللَّذَّةِ عَلَى كُلِّ مَشْهَدٍ مُرِيحٍ دُونَ دَلِيلٍ.
الْعَتَبَةُ الرَّابِعَةُ: عَتَبَةُ الزَّمَكَانِ وَذَاكِرَةِ الْمَكَانِ
عَلَى أَكْثَرِ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ التَّحَرُّكَ الْحُرَّ فِي السِّيَاقِ أَعْطَى فُرْصَةً لِلْمَعْزُولِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يَسْتَسْلِمُوا مُؤَقَّتًا لِلزَّمَنِ وَالْمَكَانِ وَالْأَنْبِذَةِ الرِّعَايَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. فَالْمَكَانُ يَحْمِلُ الذَّاكِرَةَ وَمَفَاتِيحَهَا، وَلَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِأَنَّ الْحَدِيقَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفِرَارِ؛ فَالْحَدِيقَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ تَجْرِي فِيهِ الْأَحْدَاثُ.
الْعَتَبَةُ الْخَامِسَةُ: عَتَبَةُ الرَّمْزِ وَتَحَوُّلِ الْأَشْيَاءِ إِلَى مَعَانٍ
يَظْهَرُ الْغِنَى الْمَعْنَوِيُّ لِلْمَلْفُوظَاتِ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ، بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمَلْفُوظَاتِ الدَّلَالِيَّةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ «الْمَعْنَى الثَّالِثِ»: الْمَعْنَى الَّذِي لَا نَكْتَفِي فِيهِ بِمَا يَقُولُهُ الشَّيْءُ مُبَاشَرَةً، بَلْ نَسْتَخْرِجُهُ مِنْ عَلَاقَتِهِ بِالْأَحْدَاثِ وَالشَّخْصِيَّاتِ وَالتَّكْرَارِ وَالنِّهَايَةِ. قَالَ الْكَاتِبُ: «الشَّجَرَةُ لَيْسَتِ الْفَرْعَ».
لَا يَنْبَغِي فَصْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ حَادِثَةِ انْكِسَارِ الْغُصْنِ وَعَنِ اسْتِمْرَارِ الشَّجَرَةِ وَنُمُوِّ أَوْرَاقٍ جَدِيدَةٍ.
الْعَتَبَةُ السَّادِسَةُ: عَتَبَةُ الشُّخُوصِ وَتَوْزِيعِ الْأَدْوَارِ
وَزَّعَ الْقَاصُّ شُخُوصَهُ بِفَهْمٍ.السُّؤَالُ النَّقْدِيُّ: مَاذَا تَفْعَلُ كُلُّ شَخْصِيَّةٍ فِي بِنَاءِ الْحِكَايَةِ؟ وَهَلْ تَتَغَيَّرُ وَظِيفَتُهَا مَعَ تَطَوُّرِ الْأَحْدَاثِ؟ لَا يَكْفِي تَعْدَادُ الشَّخْصِيَّاتِ أَوْ وَصْفُ صِفَاتِهَا؛ يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى عَلَاقَاتِهَا، وَإِلَى مَا تُضِيفُهُ كُلُّ شَخْصِيَّةٍ إِلَى الْعُقْدَةِ أَوْ إِلَى التَّحَوُّلِ النَّفْسِيِّ. انْظُرْ قَوْلَهُ:
«وَأَنَا لَسْتُ بَدِيلًا عَنْهَا. لَكِنَّنِي سَأَعْتَنِي بِمَا تَرَكَتْ».تَقُولُ سَلْمَى ذَلِكَ فِي سِيَاقِ عَلَاقَتِهَا بِذِكْرَى الْأُمِّ الرَّاحِلَةِ. وَبِذَلِكَ تُصْبِحُ الشَّخْصِيَّاتُ عَنَاصِرَ مُتَفَاعِلَةً فِي إِنْتَاجِ الْمَعْنَى، لَا أَسْمَاءً تَتَحَرَّكُ دَاخِلَ الْأَحْدَاثِ فَقَطْ.وَبِخُصُوصِ الْحِوَارِ، فَقَدِ اجْتَازَ الْكَاتِبُ مَحْمُومَهُ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيُمْكِنُ هُنَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحِوَارِ الْمُبَاشِرِ، وَالْوَصْفِ، وَالسَّرْدِ النَّفْسِيِّ، وَالتَّأَمُّلِ، وَالتَّوْظِيفِ الرَّمْزِيِّ؛ وَهُوَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نِهَايَةً وَخَاتِمَةً لِجَمَالِيَّةِ الطَّرْحِ وَحُسْنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْعَتَبَاتِ.
القصة :
القصة الطويلة السابعة: لماذا لا تعود أمي؟
بعض الغائبين لا يعودون، لكن أماكنهم تتسع للحياة.
بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائيكانت الصورة معلقة فوق الخزانة منذ سبعة عشر عامًا.
امرأة تبتسم.
ورجل يقف إلى جانبها.
وبينهما طفل صغير يمسك بيد أبيه.
كان الطفل هو كريم.
أما المرأة، فكانت أمه.
كلما دخل كريم غرفة والده، نظر إلى الصورة.
لم يكن يحب أن يلمسها.
كان يخاف أن تسقط.
بعد وفاة أمه بسنوات قليلة، بقي أبوه وحده.
كان يعتني بحديقة صغيرة خلف البيت.
وفي وسطها شجرة ليمون قديمة.
قال لكريم ذات مرة:
— أمك هي التي زرعتها.
لم يصدق كريم.
كانت أمه قد رحلت قبل أن يتذكر أشياء كثيرة عنها.
سأل:
— متى زرعتها؟
قال الأب:
— بعد أن ولدتَ.
— لماذا؟
ابتسم الأب.
— قالت إنك ستكبر وهي ستكبر معك.
كبر كريم.
كبرت الشجرة.
أما أمه، فلم تكبر.
وفي أحد أيام الشتاء، سقطت مريضة.
لم تكن الشجرة مريضة.
كانت مثقلة بالليمون.
لكن كريم كان يرى كل شيء من خلال غياب أمه.
بعد سنوات، تزوج كريم.
كانت امرأته اسمها سلمى.
لم تكن تشبه أمه.
كانت أكثر صخبًا، وأسرع ضحكًا، وأقل صبرًا على الصمت.
في أول زيارة لها إلى بيت والده، وقفت في الحديقة.
نظرت إلى الشجرة طويلًا.
ثم قالت:
— هذه الشجرة كبيرة جدًا.
قال كريم:
— زرعتها أمي.
لم تسأل أكثر.
لكنها في كل زيارة بعد ذلك، كانت تسقيها.
دون أن يطلب منها أحد.
وفي إحدى المرات، وجدها كريم واقفة تحتها.
كانت تمسح ورقة بيدها.
قال:
— ماذا تفعلين؟
قالت:
— أتحدث إليها.
ضحك.
— بماذا؟
قالت:
— لا أعرف. أشياء.
سكتت.
ثم قالت:
— أحيانًا أشعر أنها تسمعني.
لم يقل كريم شيئًا.
لكنه في تلك الليلة، نام مرتاحًا أكثر من أي ليلة مضت.
ثم وُلدت له ابنة.
سمّاها ليان.
عندما جاءت إلى البيت لأول مرة، كان عمرها بضعة أشهر.
حملها جده.
خرج بها إلى الحديقة.
وقف تحت شجرة الليمون.
قال:
— هذه شجرة جدتك.
لم تفهم الطفلة.
ضحك.
— طبعًا، أنت لا تعرفينها.
وكانت سلمى واقفة عند باب الحديقة.
لم تقترب.
لكنها سمعت.
وفي تلك الليلة، حملت ليان إلى الشجرة.
وقفت تحتها.
قالت للطفلة:
— هذه شجرة جدتك.
ثم همست:
— وأنا لست بديلًا عنها.
لكنني سأعتني بما تركت.
التقط كريم صورة لابنته.
كانت الطفلة تضحك في حضن جدها.
وبدون أن ينتبه، كانت الشجرة خلفهما.
بعد أيام، طبع الصورة.
وضعها على الرف.
ثم فتح درجًا قديمًا.
أخرج صورة أمه.
نظر إلى الصورتين.
الصورة القديمة:
أمه تحمل طفلًا.
والصورة الجديدة:
ابنته تحملها الحياة في حضن أبيها.
وضعهما جنبًا إلى جنب.
دخل والده.
رآهما.
قال:
— تشبهها.
رفع كريم عينيه.
— من؟
— ليان.
ابتسم كريم.
— أحيانًا أخاف أن أنسى أمي.
جلس الأب.
قال:
— لا تخف.
— لماذا؟
— لأنك لن تنساها.
— كيف تعرف؟
أشار إلى الشجرة.
— لأنها تركت شيئًا ينمو.
مرّ الصيف.
كبرت ليان.
كانت تزور جدها كل أسبوع.
وفي كل مرة كانت تركض إلى الشجرة.
تحاول أن تصل إلى الأغصان.
وفي إحدى المرات سألته:
— جدي، هل كانت جدتي تحب الليمون؟
قال:
— كثيرًا.
قالت:
— وأنا أيضًا.
ضحك.
— إذن ورثتِ شيئًا منها.
قالت:
— ماذا؟
نظر إليها.
ثم قال:
— ربما أكثر مما نعرف.
في تلك الليلة، جلس كريم مع أبيه في الحديقة.
قال:
— كنت أعتقد أن موت أمي أخذ منها كل شيء.
قال الأب:
— ماذا تقصد؟
— كنت أراها فقط في الصور.
سكت.
ثم قال:
— الآن أراها في أشياء أخرى.
نظر الأب إلى الشجرة.
قال:
— هذا ما يحدث عندما نحب أحدًا.
في صباح اليوم التالي هبت عاصفة.
كانت قوية.
انكسر أحد فروع الشجرة.
خرج كريم إلى الحديقة.
كان الفرع الكبير ملقى على الأرض.
شعر بضيق في صدره.
نادَى أباه.
جاء الرجل ببطء.
وقف أمام الشجرة.
قال كريم:
— انتهت.
قال الأب:
— لا.
— انظر إلى الفرع.
— الشجرة ليست الفرع.
سكت كريم.
اقترب من الجذع.
كانت هناك براعم صغيرة على الأغصان الأخرى.
قال الأب:
— كلما رأيت غصنًا يسقط، تظن أن الشجرة انتهت.
ثم وضع يده على الجذع.
— لكن الشجرة تعرف شيئًا لا نعرفه.
بعد أيام، قصّ كريم الفرع المكسور.
بقي الجذع واقفًا.
ومع بداية الربيع ظهرت أوراق جديدة.
وفي أحد الأيام، جاءت ليان.
كانت تحمل صورتين.
قالت:
— أبي، انظر.
كانت قد وضعت صورة قديمة لجدتها إلى جانب صورة لها تحت الشجرة.
قالت:
— هل تبدوان متشابهتين؟
نظر كريم.
ابتسم.
ثم جلس على الأرض.
لم يقل شيئًا.
كانت الصورة القديمة لامرأة شابة تقف تحت الشجرة نفسها، يوم كانت مجرد شتلة صغيرة.
والصورة الجديدة لطفلة تقف تحتها بعد سنوات طويلة.
الشجرة في الصورتين.
لكن الأشخاص تغيروا.
قالت ليان:
— أبي، هل كانت جدتي هنا؟
نظر إليها.
ثم إلى الشجرة.
قال:
— نعم.
— أين؟
أشار إلى الظل.
قال:
— ربما هنا.
ضحكت.
— لكن لا أحد هنا.
قال:
— بعض الناس لا يبقون في المكان.
— أين يبقون؟
فكر قليلًا.
ثم قال:
— في الطريقة التي نحب بها من يأتي بعدهم.
ركضت ليان نحو الشجرة.
وقفت تحتها.
نظرت إلى أبيها.
— تعال.
ذهب إليها.
وقفت بجانبه.
قالت:
— الآن نحن تحت ظلها.
نظر كريم إلى أعلى.
كانت الشمس تمر بين الأوراق.
وللحظة قصيرة، شعر أن غياب أمه لم يعد فراغًا.
كان شيئًا آخر.
ظلًا طويلًا…
امتد من الماضي إلى الحاضر.
وفي المساء، عاد إلى البيت.
أخذ الصورتين.
وضعهما في إطار واحد.
لم يضع صورة أمه وحدها هذه المرة.
وضع معها صورة ليان.
ثم علّق الإطار على الجدار.
ولأول مرة، لم يشعر أن الصورة الجديدة أخذت مكان القديمة.
شعر أنها أكملتها.
أفق الحكاية
هل يستمر الإنسان في الذين فقدناهم؟ ربما لا بالطريقة التي نتخيلها. لا يعود الغائب في صورته الأولى، ولا تتوقف الحياة احترامًا لغيابه. لكن بعض ما نحبهم يظل يتحرك فينا دون أن نشعر: في كلمة، في عادة، في شجرة، في طفل يحمل ملامح لم نكن نعرف أنها ستعود. كريم لم يجد أمه تحت الشجرة. وجد شيئًا أهدأ: وجد أن الحياة لم تكن نقيضًا لذكراها. كانت امتدادًا لها. وحين جمع الصورتين في إطار واحد، لم يكن يستبدل الماضي بالمستقبل… كان يضعهما أخيرًا في المكان نفسه.



