الإنسان وإعادة التشكيل الإلكتروني للسلوك .: مقاربة أنثروبولوجية في زمن السيطرة الرقمية/ا.د حمام محمد – الجزائر

تفاقم أَمْرُ السيطرة الإلكترونية على المجتمعات وأعرافها، وحتى سلوكياتها، وتميزت هاته السيطرة بما تقوله التكنولوجيا في شتى الميادين التي أُقحمت فيها، بل صار المجتمع اليوم ينتظر خطرًا غير مرئي من جهة الصناعات النانوية الفائقة الصغر،على السلوكيات والتي تدخل في حساباتها اقتصاداتٌ الدول الكبرى وترويج مصناعاتها قد تضاعف ، عدة أمراض قد تولّدها الأجهزة الإلكترونية من موجات كهرومغناطيسية تتناسق مع الموجات الخارجة من مخ الإنسان، فتحدث الأمراض والاختلالات الهرمونية، فلا يجد الفرد تفسيرات علمية مقنعة لتلك الظواهر المميتة التي طالت سلوكيات الإنسان عند موته، ولا سيما ما يتعلق بالذاكرة البعيدة والقريبة، والحجم المعرفي الذي تكتنزه الذاكرة الإنسانية.
فبالقدر الذي وظفته التكنولوجيا الفائقة الصغر من متعة في تحريك الأبعاد وتسريع البيانات، وتحقيق كل ما كان شبه مستحيل في لمح البصر، تشبعت الإرادة الإنسانية بكل ما كان مستحيلًا فأصبح ممكنًا بفعل الإلكترونيات، ومعها الخوارزميات القاهرة.
وقد استمعت مرةً إلى خبير دولي يتحدث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة أفكار الإنسان، وحسب الذكاء الاصطناعي أن يكون قادرًا على إعداد تقرير نفسي وطبي عن كل مستخدم لـ«شات جي بي تي»، من خلال ما يكتبه، وطريقة تعبيره، والموضوعات التي يبحث فيها، والأسئلة التي يطرحها، وربما من خلال أنماط استخدامه التي تكشف جانبًا من شخصيته واهتماماته وسلوكياته.
وهنا تطرح الأنثروبولوجيا سؤالها: هل أصبح الإنسان يستخدم التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا بدأت تستخدم الإنسان وتعيد تشكيل سلوكياته وذاكرته وعلاقاته الاجتماعية؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة لا تكتفي فيها التكنولوجيا بتسهيل حياة الإنسان، وإنما تتدخل في تشكيل وعيه، وتوجيه اختياراته، وإعادة بناء عاداته، وربما التأثير في تصوره لذاته وللعالم من حوله؟
ولما أدرك الإنسان أنه سيعيش خطرًا حقيقيًا أمام التكنولوجيا، لعدة أسباب، دخلت هذه التكنولوجيا في تفاصيل كثيرة من حياته كانت حصرًا على انشغالاته الداخلية، والتي لا يفضي بها إلى أي كان، وهي من المقدسات. ولكن عندما تتصور أن الذكاء الاصطناعي قد يغتابك ذات يوم، ويخرج لمبرمجي الخوارزميات برامج في غاية السهولة، قد تعيد له كل الأكاذيب والنميمة التي كنت تمارسها مع الشات، وأنت مدرك أنها من الأسرار والغيبة، فهذا خطأ مزدوج؛ كالذي يظن أنه في حالة إفشاء أسرار ضمن الشات هي في منطقة معزولة عن الناس.
بل هناك وكيل مساعد قد ينظم أكاذيبك واغتيابك لأعز الأصدقاء والأقرباء الذين تفتخر بهم، والحال هنا يقترن بمقولة: الأيام سوف تغير الوضعيات، فالأيام الإلكترونية سوف تغير الحياة نحو الكشف عن المكنونات التي قدمناها مجانًا للفيس، وستتنظم من تلقاء نفسها بمجرد توصيل حاسوبك أو تلفون؛ لأنه ثبت مؤخرًا قراءة الأفكار من الذكاء الاصطناعي، والقول بوصوله إلى هذه الدرجة فإنه بلغ مرحلة جد متقدمة، أشبه بنهاية مرحلة سقف التفكير، حيث يصل الجهاز إلى مصدر معلومات بعد البرمجة الآلية.
وبالتالي تظهر سيطرته على السلوكات الإنسانية، وهذا استشراف ذو زاويتين: قد يكون هادفًا عندما يُستعمل في تعلية السلوك باعتباره إنسانيًا، أو من زاوية الاستهتار به عندما تدخل عليه بيانات مفبركة، ولكنها دقيقة.
ويكمن المشكل مستقبلًا في دراسة الاختيار من المعروضات البيانية ذات المتعة: هل يتم من قبل الإنسان أم من الذكاء الاصطناعي؟ أي بمعنى: هل سيحب الإنسان اختيارًا بارعا اختارته الآلة؟ هذا المتغير سيثبت مستقبلًا، لكون الإنسان سيظل سيدًا، وهو الذي يحدد الخيارات، ولكن قد يحدث أن تختار الآلة، ولكن أغلب النتائج الاستشرافية تبقى بعيدة المنال، لكونها تخضع لنظام إلكتروني قد يخطئ أو قد يصيب.
وبالتالي سنرتقب ظهور عادات وسلوكيات جديدة يحدثها التفكير الآلي، والتفكير الإنساني المتأثر بالآلة، والأدهى أنه سيعتقد المستخدمون بوجود تفاعل بين مخ الإنسان والأدوات الإلكترونية المتناهية الصغر.
ويبقى سؤال النهاية لهذه المعادلة: هل نحن الذين نستخدم التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا أصبحت تعيد تشكيل الإنسان؟



