شعرية الهايكو بين تكثيف المعنى وإشكالية التلقي..وسؤال الجنوح-.أ.د حمام محمد – الجزائر

…
كنتُ لا أريدُ أن أُناقشَ الشِّعرَ الوجيزَ الهايكو الياباني من زاويةِ القصورِ في توصيلِ المعنى، أو من زاويةِ محاولةِ الوصولِ إلى المتلقّي بطرائقَ أكثرَ تعقيدًا من الأسلوبِ في حدِّ ذاته، وأتّفقُ مع كثيرٍ من النُّقّادِ الذين يرونَ في الشِّعرِ الوجيزِ، ولا سيّما الهايكو الياباني، ثورةً جديدةً في توصيلِ البعدِ اللُّغويِّ السَّميك.
وإذا كانتِ البنيويّةُ قد علَّمتنا ألّا نتوقّفَ عند أسطحِ القرميد، فإنّ الفلسفةَ علَّمتنا أن نتساءلَ عن الموادِّ التي تُكوِّنُ هذا القرميد، وكيفيّةِ مجابهتِه لحرِّ الشَّمسِ ورذاذِ المطر. ومن هذه الزاويةِ رأيتُ الأمرَ مختلفًا عن مجرَّدِ التَّجديد؛ لأنَّ الثراءَ اللُّغويَّ في لغتِنا العربيّةِ ليس له مثيل، كما أنّها لغةٌ مباركةٌ ومفتوحةٌ على جميلِ التَّأويلات.
ويكفي النّاسَ أنّها لغةُ القرآن؛ بسيطةٌ في قراءتِها، كثيفةٌ في تدبُّرِها. فالتدبُّرُ هو النِّعمةُ الثانيةُ التي قادتْ إلى تشريحِ الملفوظ، مهما كان تركيبُه الأسلوبيُّ أو اللسانيُّ؛ لأنّ الألسنيّةَ العامّةَ لم تَعُدْ حصرًا على معرفةِ الدالِّ والمدلول، وليس ذلك نهايةَ الوصفِ حين نتحدّثُ عن أشياءَ خارجَ الدالِّ والمدلول، فللشَّكلِ اللُّغويِّ أيضًا طبيعتُه السَّطحيّةُ التي تأتي تحت السَّطحيّةِ العامّة.
وهنا أعجبني طرحُ Julia Kristeva عندما بحثتْ عن النَّصِّ الأصليِّ واعتبرتْه نصًّا متوالدًا جديدًا يحملُ صفاتٍ جينيّةً من نصوصٍ سابقةٍ وُلِدت قبل المعنى. ولا أظنُّ أنّ المُضمَّنَ الذي دعاه Roland Barthes بالتضمين يشذُّ عن هذه القاعدة.
إنّ الذهابَ إلى تحفيزِ الهايكو أو رفضِه أشبهُ بحكايةِ البيضةِ والدجاجةِ التي حيَّرتِ العقلَ الأدبيَّ العالميَّ؛ رغم أنّ اللُّغةَ عبَّرتْ قبلهما عن السَّطحِ، أي الشَّكلِ البيضاويِّ، وعن المعنى المُكوِّنِ للبيضةِ في حدِّ ذاتها.
لقد سادَ اعتقادٌ عند بعضِ الممتهنينَ للشِّعرِ الوجيزِ أنّ من السَّهلِ رميُ الملاحظةِ عشوائيًّا والاختباءُ تحت ما يُسمَّى بالتعقيدِ غيرِ المرتبطِ بشعريّةِ الهايكو. ودون أن أفصلَ في ترابطِ النَّصِّ داخل قاعدةِ الهايكو، فقد شدَّني ما وضعه اليابانيُّ Matsuo Bashō من تقنيّاتٍ دقيقةٍ في ضبطِ الملفوظاتِ الثلاثيّةِ والسُّباعيّة، وما أخرجه منها من تداعياتٍ جميلةٍ تُشبهُ كثيرًا أسئلةَ الفلسفةِ الوجوديّة، بل والفلسفاتِ البعيدة، حتّى لا أقولَ الميتافيزيقا.
كلُّ هذه الطُّروحاتِ إنّما تؤكِّدُ أنّ الهايكو، بوصفه قالبًا قبل أن يكون شعرًا قائمًا بذاته، يضعُ أمامنا إشكاليّةً إبداعيّةً تتمثّلُ في صوغِ الشَّكلِ بالطريقةِ التي صاغَ بها الخليل بن احمد الفراهيدي ميزةَ التفعيلةِ في الشِّعرِ العمودي، ومحاصرتِه للمشهدِ والقفلِ في القصيدةِ بشكلٍ ملفت. وما إجراءاتُه لتنغيمِ البحورِ إلّا دليلٌ على أنّ شكلَ القالبِ كان جميلًا.
وكذلك الأمرُ رأيتُه في ظاهرةِ الشِّعرِ الحسّاني. فالأمرُ هنا لا يتركّزُ على تقبُّلِ الهايكو أو رفضِه، وإنّما يشدُّني البناءُ القالبيُّ أوّلًا، ثمّ يدعو النُّخبةَ المثقّفةَ الموسوعيّةَ إلى إيجادِ الرَّوابطِ التَّأويليّةِ والفلسفيّة، بل وملامسةِ جنباتِ الفلسفاتِ البعيدة.
إنّ هذا الجدلَ حول أحقيّةِ هذا الفنِّ، أو هذه المهارةِ اللسانيّةِ، للموادِّ الشِّعريّةِ الخارجةِ من الذّاتِ الإنسانيّة، إنّما يؤسِّسُ عندنا، في اللُّغةِ العربيّة، لتقييمِ الطرافةِ والإبداعِ في أسمى معانيهما.
قد أعجبني مقالٌ قرأتُه للأستاذة Amal Boujarab في مجلة الجسر الثقافية المحترمة، حيث قدَّمتْ فيه نظرةً متوازنةً حول الهايكو، من خلال تناولِها قراءةً نقديّةً لنصوصِ الهايكو بوصفها مرآةً لانفصامِ الإنسانِ المعاصرِ بين ظاهرِه الخارجيِّ وحقيقتِه الدَّاخليّة. فالهايكو لم يَعُدْ مجرَّدَ شكلٍ شعريٍّ قصير، بل أصبح أداةً فلسفيّةً تكشفُ القلقَ الإنسانيَّ والتناقضاتِ النَّفسيّة. كما يبرزُ النَّصُّ، بحسبِها، أنَّ التكثيفَ اللُّغويَّ في الهايكو يمنحُ القارئَ فرصةً للتأمُّلِ العميقِ واستخراجِ الدلالاتِ الخفيّة.
وهو أيضًا يُداعبُ فكرةَ التفاعلِ بين النُّصوص، ونِعْمَ ما ذهبتْ إليه في نظريّةِ التفاعلِ حسبَ وُجهاتِ النَّظرِ التي تُحدِّدُها المعارفُ السَّابقةُ، بين التقديمِ والتأخيرِ، وبين أنساقِ النُّصوصِ وتحويلِها ببراعةٍ تُشبهُ تنقُّلاتِ الشِّطرنج. غيرَ أنَّ هذا لا يؤدِّي بنا إلى الجزمِ بأنَّ الهايكو مجرَّدُ شطحاتٍ فلسفيّة، بل هو تفكيرٌ بشريٌّ في تدويرِ اللُّغة، سواءٌ كانت عربيّةً أم يابانيّةً، غايتُه إيصالُ معنى التهافت، أو تهافتِ التهافت، على نحوِ ما أجراه أبو حامد الغزالي على لسانِه حين حاربَ الفلسفةَ في مرحلةٍ متقدِّمةٍ من حياتِه.
والحِبرُ هنا رئيسٌ في فهمِ شعرِ الهايكو، لا بوصفِه غريبَ المبنى أو اللُّغة، لأنَّ الأمرَ لا يختلفُ ما دامتِ اللُّغةُ في كلِّ ربوعِ العالم حروفًا هجائيّة، وهذا مبدأُ التوحيدِ العالميِّ للخطابِ الإنسانيّ. فكلُّ متكلِّمٍ يستطيعُ أن يُحدِثَ التغييرَ أو يستلهمَه، وما أرى الهايكو إلا مجموعةَ أجوبةٍ عن أسئلةٍ فلسفيّةٍ معقَّدة. وسنعطي أمثلةً لذلك من ديوانِ للمؤلِّف: مطارات..في السماء
1. أبوابٌ محترقة…
ظلُّ المحاربِ يبقى هناك
رمادٌ صامتٌ يئنُّ
2. ريحُ البحرِ تمرُّ،
تستيقظُ الأسطورةُ في
عينِ الحجارةِ الصُّلبة
3. زهرةٌ وحيدةٌ تنمو
على الهيكلِ المُتهالك —
طروادةُ تحيا
4. البحرُ يئنُّ، مالحٌ
غامقٌ، أعماقٌ مُكسَّرة…
صوتُ موجٍ يئنُّ
5. ريحُ نسيمٍ تتقدَّم
تتأخَّر، بهتٌ حارقٌ،
مركبٌ يتعثَّر
6. يُدنيه الضجيجُ،
موتٌ يلفظُ شهادتين…
ندمٌ ومواتٌ
إنَّ الهايكو ينبني على ملفوظاتٍ طبيعيّةٍ، وعلى حركةِ زمنٍ تُحرِّكُ الطبيعةَ ونتائجَها، إمّا بالاختيارِ وإمّا بالضَّرورة. وهكذا يتحرَّكُ وينسابُ لوحدِه عندما تنسابُ القاعدةُ القوليّة، وخاصّةً عند المتفلسفين دائمًا. فالهايكو يتميَّزُ بالتركيزِ على الطَّبيعةِ والمشاعرِ في صورةٍ واحدةٍ واضحة، شرطَ أن يكونَ الاختزالُ في نهايةِ المطاف، وأن يُستدعى الفعلُ للتعبيرِ عن التوتُّرِ في المقطعِ الثاني.
أمّا أن يكتبَ الفلاسفةُ الهايكو ويتركونا نبحثُ في الطبيعةِ وونؤمن بالمشيئةِ الإلهيّة، فذلك يقودُنا إلى اعتقادٍ مفادُه أنَّه مهما علا التَّصوُّرُ يبقى العقلُ مخلوقًا ربّانيًّا، لا يحملُ حتّى تفسيرَ نفسِه. وأثناءَ إجابتي يومًا في محفلٍ نقديٍّ حول تعريفٍ موسَّعٍ له، قلتُ: انَّ الهايكو عقلٌ يريدُ أن يخرجَ من الحدقةِ إلى كونٍ لا يراه، بل يُحسُّه؛ لأنَّ الأصلَ في الحدقةِ أن تحملَ الصُّورَ والمناظرَ التي أذنَ اللهُ لها أن تدخل، ففِيَلَةٌ بحجمٍ كبيرٍ وجبالٌ راسياتٌ تدخلُ من حدقةٍ صغيرةٍ في عينِ الإنسان، وذلك سرٌّ من أسرارِ الإدراكِ التي ما يزالُ الشعرُ يحاولُ تفسيرَها بلغتِه المختزلةِ وإشاراتِه العميقة.
يبقى الهايكو، في نظري، محاولةً لإيقاظِ الحواسِّ قبل العقول، وإعادةِ الإنسانِ إلى لحظةِ الصفاءِ الأولى التي يرى فيها الكونَ بعينِ الدهشةِ لا بعينِ العادة. ومن هنا تتجلّى قيمةُ هذا الفنِّ بوصفِه سؤالًا مفتوحًا على الوجود، أكثرَ من كونِه جوابًا نهائيًّا عن أسرارِ الحياة.






اضغط على النجوم واعتمد تقييمك فوراً.