مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

سلسلة  الاعلام والذكاء الاصطناعي..الجزء  الثاني..المقال  رقم 07/ ا.د  حمام  محمد..استاذ الاعلام  والاتصال ..جامعة الجلفة..الجزائر

رجل يتحدث في ندوة، يحمل ميكروفوناً في يده، ويرتدي بدلة داكنة مع ربطة عنق ذهبية.

لماذا لا تصنع الذكاء  الاصطناعي طفلاً مُهذّباً؟

لدى الكثير من الناس من يظنون أنهم إن اتّبعوا إرشاداتٍ جيدة في الذكاء الاصطناعي فهم على صواب، أو يعتقدون أنهم استحوذوا على الطريق الأقصر لتعليم وغرس الفضيلة في نفوس أولادهم.

 وقبل أن ينقاد الفرد إلى الاعتقاد الجازم في ذلك المسعى، يجب أن يعرف أن الذكاء الاصطناعي لا يشعر، وإنما يحاكي السلوك الإنساني فقط. فهو بالنسبة للأسر كتابٌ يحتوي على مهارات قد تظن أنه يعلّمها، لكنه في الحقيقة قام بجمعها بأسمائها لا بسلوكها، من المدونات المعرفية المنتشرة عبر الشبكة، كالجرائد الإلكترونية والبودكاستات وغيرها.

فلا يمكن أن نُسرع في قياس عنصر تعليم أولادنا الحياة والحياء بمجرد أن نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يمليهما علينا في سؤال نطرحه؛ إذ سرعان ما تأتينا الإجابة عجائبية ملفتة للانتباه، فنسارع إلى هضمها قبل التفكير الإنساني الذي يعتمد على العقل البشري الممنوح إلاهياً، وليس على خوارزمية.

هذا العقل هو الذي يعلّمك أن تلك المهارة لا يمكن الاستمرار فيها بالنسخ الآلي، لأن المهارات كثيرة ومتعلقة بشعوب وأفراد تختلف عنا سلوكياً وخصوصياً.

إن القول هنا يتعلق بتعليم الأولاد الحياء من الميدان، عن طريق التكرار والفعل الملاحظ مع الاستمرار فيه. ويكون هذا الفعل معتقداً فيه أنه لا يمكن العزوف عنه مدة زمنية، وإنما يُمارس كل حين، دون الالتفات إلى الروتين والتكرار المؤديين إلى نبذ ذلك الفعل. بل إنك إن اعتمدته كليةً، فسوف يترسخ في نفس الطفل، ولا يتغير إلا بعد أن تتكامل فيه عناصر الشخصية.

فعندما تطّلع ابنك على أن الكلمة البذيئة التي يسمعها غريبة ولا ينبغي أن يتلفظ بها كاملة، عليك أن تعوده على عدم التلفظ بها، وخاصة الملفوظ المشين؛ لأن الطفل ليس بمقدوره أن يميز بين الهجين والخطأ إلا بعد أن يستوعب كماً من ملفوظات الفضيلة التي تُزرع فيه قولاً وفعلاً. وعلى المربي أن يقتفي أثر الديمومة؛ لأن أكثر ما يكرهه الطفل في تعلّم السلوك هو الإلحاح الروتيني، وإنما يُختار الوقت المناسب لتعليمه.

لهذا فإن كثيراً من القراءات العادية للرسائل والشكاوى التي تدور حول مناهج التعليم التحضيري يجب أن تتأسى بالبعد الميداني، أي التجربة ومدى تأثيرها على الأفراد كلياً. فلا أجد مفترق طرق قد يعطينا نسخةً مستنسخة لطفل سويّ إلكتروني؛ لأن تلك مزاعم فردية عجيبة، وخطرها السلوكي كبير. فالتفوق والنجاح للطفل لا يصيران بمبلغٍ آلي، بل بتربية حيّة.

وكل الأمر يجب أن يقوم على المعرفة التي نتوصل إليها في عالمنا الفردي، ونأخذها بفعل التجربة التي تصلح لزماننا؛ لأن مجتمعات الدنيا تتفرق، والكلمات البذيئة تختلف معانيها من مجتمع إلى آخر، وهذا أول مظاهر الاهتزاز في تعليم الحياء. فالمسارعة تكون باتجاه ملفوظ المجتمع الذي يعيش فيه الكائن، حتى يتعلم قدسية المصطلح الذي يدخل في الحياء.

إن تنمية سلوك الحياة ليست نظرية نعلمها للأطفال وندعوهم للتشبث بها، بل هي فعل ينطلق من المحيطين بالطفل. والحياء – كما جاء في الشريعة – شعبة من الإيمان. لذلك يجب أن نتحرى الصدق، ونطمس الكذب في سلوكاتنا وتصرفاتنا أمام الطفل، ولا نفتح المجال للأنانية بحكم مركزية السيطرة بين  ام لها  ثاثوث  الافضلية واب  يشقى -أو المباهاة بها. فإذا أصبحت القيم الأخلاقية محترمة، نما الحياء العقلي المبني على التربية الدينية القيمية.

لأن الأخلاق هي معيار التقدم والتحضر والمضي قدماً نحو العلم. ولهذا قال الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت***فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

الذكاء الاصطناعي يزيّن لك المقولة ويعطيك الأخلاق نظرياً، لكنه لا يمنحك الكيفية الإنسانية التي تعمّق بها شخصية الطفل. لذلك قيل شعبياً: أعطني فاهماً ولا تعطِني قارئاً فقط. فأسلوب الفهم هو الذي يليق مع ثقافة الذكاء الاصطناعي المتكاثرة والغرائبية. وباختصار: أدوات الذكاء تعطينا المادة العلمية، ولا تعطينا الطريقة التي نُنمّي بها الحياء.

المقال  في اربعة  افكار

1.      الذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة المعرفة وتوليد المعلومات، لكنه يفتقر إلى الإحساس الإنساني والخبرة التربوية الحية التي تنشأ من المعايشة والتفاعل الواقعي.

2.      ترسيخ الحياء والسلوك القيمي لدى الطفل لا يتحقق بالتلقين النظري وحده، بل يُكتسب بالممارسة اليومية والتجربة المتكررة داخل الواقع الاجتماعي.

3.      القدوة العملية المستمرة أكثر فاعلية وتأثيرًا من الإلحاح الروتيني أو الحلول الجاهزة المكررة، لأنها تُعلِّم بالفعل لا بالقول.

4.      التكنولوجيا توفّر المعلومات وتسهّل الوصول إليها، لكن بناء الأخلاق وصناعة الشخصية يظل مسؤولية الإنسان والأسرة وتجارب الحياة المباشرة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading