بلقيس وسليمان في مرآة السينما الشعرية قصيدة هبك سليمان للشاعرة التونيسية هادية السالمي -اعداد: الاستاذ الدكتور حمام محمد ناقد من الجزائر


قسمت هذه الدراسة الى ثلاث زوايا:
أولًا: الزاوية السينمائية
تقوم الزاوية السينمائية على محاكاة حقيقية لقصة فيلمية، موجَّهة في شكل نص يستطيع الأديب أن يشكّل من نصوصه محاكاة ماسّة لصلب الموضوع. وقد اخترت في هذه الزاوية مناقشة عمل أدبي، وأركّز على تعليمهم كيفية التحويل إلى زاوية سينمائية حتى يتعزز لديهم الوازع السينمائي في صورته البصرية،والعملية في حد ذاتها إبداعية، تتركز على استنباط الأساليب ومعرفة التفاصيل الفيلمية. وقد عمدت إلى تشكيل نصوص أدبية تمثّل حقيقة ممارسة مشهدية تقنية نستطيع أن نتعلم بها النفاذ إلى النقد السينمائي، وهو المقياس الذي يأمل المهتمون فيه تحقيق المعرفة العصرية الخاصة بالتغيرات التي تحدث في ميدان الإخراج السينمائي والتعامل مع الكاميرا.
والنص الذي أودعته لكي أسلّط عليه جوانب نقدية هو نص إبداعي ديني مقتبس من قصة سيدنا سليمان عليه السلام و بلقيس. وقد وظّفت فيه الشاعرة التونسية غادية السالمي عنصريين تعريف المحاكاة، واستنباط النص الديني دون المساس بقدسيته، وبطريقة ذكية خلّفت وراءها عدة أفكار تخدم رسالة الهدف من قصيدة *ترنيمة يعقوب*.
عرض النص الشعري أربعة أشياء تحرّكها الإرادة الإلهية، وهي: **سليمان، بلقيس، الهدهد، والنمل**. بعد قراءة القصيدة كما وجدتها في موقع *البديل الثقافي* للمحترمة للسيدة سامية خليفة، تشكّلت لدينا من القصيدة رؤى إبداعية سينمائية ونقدية.
ثانيًا: النص الشعري والتحليل
القراءة الأولية لقصيدة *هبك سليمان* يظهر ملفوظ “هبك” مرادفًا لسليمان، في رفعة تدل على عزم نبي تجري بين كفّيه العواصف، دلالة معنوية على أنه كان يتحكّم في الريح غدوّها ورواحها، من فرض دعائه لرب العزة بأن يمنحه ملكًا لا ينبغي لأحد من قبله ولا بعده.
الشاعرة بذكاء جعلت الوصف في القداسة دقيقًا، غير مضار ولا متكلف، لأنها تتناول رفعة نبي، وزادته رواجًا بإحكام “منطق الطير”. فهو من علّمه الله منطق الطير، مما يدعونا لنقول إن الشاعرة متأثرة بالنمط السردي القرآني، فقد رتّبت نعمًا سليمانية:
هبك سليمان
و تجري بين كفّيك العواصف،
و منطق الطير شربته،
و أنت بلظاه تترنّم…
هبك سليمان،
تصفّق الطيور بين كفّيك،
و تجؤم،
و عينك الهدهد،
يأتيك بما تهوى وتحلم…
هبك سليمان،
و هذه الأرض أنفاسك تحييها،
فتُسلم.
تتماثل هنا الإشارة إلى أن الخطاب يتموضع بين منطق القوة الآدمية والقوة السليمانية. فوظّفت ما اصطلح عليه بـ”الفكّين”، اللذين بينهما تقوم صروف من نعم أخرى تتمثل في سماع خطاب النمل لبعضه، مما جعله يشكر مولاه. وكأن الحكمة أُوردت من كل شيء مَلَكه،لا نستطيع أن نتكلم عن أي تمثيل خارج القداسة والحكمة السليمانية في سرد قصصي جميل حافظت عليه الشاعرة بالمد الأسلوبي الخبري، الذي راعت فيه كثيرًا من المتلازمات الإغريقية التي تستعمل في المسارح الرومانية القديمة. وكان حوارها ينفث من بلسم يستعرض قوة الرجل الحكيم والسيدة الحكيمة، وكأنها تريد أن تماثل بين مفهوم القوة والليونة، من خلال إدراج حنية بلقيس وعدم تهورها، عندما مد قومها يد المؤازرة لها رغم علمهم بأنهم الأقل عددًا.
هذا ما يفسّره أي ناقد في موقع النقد، بمعنى: ما الذي جمع بين قوة وكرامة نبي، وقوة وبأس امرأة شديدة الرأي؟! وكأن الحكمة تؤتى مرة لرجل، والأنثى تساعده، وهي سنة الله في أرضه عندما تتحقق السكينة والطمأنينة العامة. ألم يقل ربنا: “لتسكنوا إليها”؟انظر سياق الشاعرة الجميل:
و بين فكّيْك مفاتيح سلالها،
و أكوام غراسها.
هبك سليمان،
و للنمل تهيّب وخشية هلاك بمرورك على واديه،
و منك يحذر.
الشاعرة هنا تقارن في لحظة إبداعية بين قوة مدعومة بقداسة، مع قوة مادية عادية، قوة الحكمة والرأي السديد. وبذا طرحت سؤالًا مصيريًا بقولها:
هبك سليمان…و مُلك بين كفّيك وُهِبْتَه، وما غيرك حازه…فهل ترى تأتيك بلقيس، فتُسلم؟
كم من غبار الذكريات نشقت بلقيس في الكُدى؟
وكم من الغابات عن بلقيس شحّت بظلالها؟
وما شكت بلقيس من هسهسة اللظى،
ولا هوت من ضورٍ أو وجع الجوى…
ولكنها عُرفت في قومها بالشدّة مرة، والليونة مرة، والعبقرية مرة. فهي النوع المقبول فكريًا في الجندر الحديث، بما يؤدي به إلى تماسُك التوازي في إصدار القوى الفاعلة، التي في الأول والأخير هي قوة الرحمة التي جعلها الله في كل شيء.فسليمان لم يذبح الهدهد رسول الأنفة الإيمانية، لما رأى قومًا يعبدون خلقًا، فهام رغم الغياب لينقل لسليمان من سبأ نبأً عظيمًا، فكان جنديًا من جنود الإيمان، الذي أدلهمته المطويات غير المنطقية، رب ملك الريح ونواصيها، بشمس لا تسمن مع الريع في شيء، إن شاء حجب نورها، وهو رب المشارق والمغارب.
لتفصح الشاعرة هادية السالمي معيارًا جميلاً، أن بلقيس في الرحى هي أنثى بكل ما تخبؤه الأنثى من مكامن الليونة والخفة، وفي الضفة مهما كانت الأنثى تبقى مطيّة للسقوط بسبب النقص في الخليقة:
بلقيس، ترنيمة يعقوب،
وكفّ الورد والندى،
بلقيس، لا تهب للريح ورودها،
ولا تُهدي إلى الليل شعورها.
بلقيس، ما أصْدت لهول الريح والردى،
وإنما “بروتس” سقاها بيديه كأس القِلى…
ثالثا: الزاوية اللغوية
النص في مجمله لم يخرج عن قواعد البناء النحوي والصرفي، إذ اعتمد على التكرار للتثبيت في الواقعة، وصولًا إلى تشكيل صور بيانية. ولعل السؤال: لماذا استعملت الشاعرة مترسّمة شعرية مسرحية في سياق الحديث؟كررت “هبك سليمان” مرات، وكأنها تفصل بين نشيد ملحمي يتناول القوة والانتصار. وقد زادها الأسلوب الخبري إيضاحًا، والجملة الاستفهامية (فهل ترى تأتيك بلقيس؟) منحت القصيدة إيقاعًا دراميًا،كما أكثرت من الملفوظات القرآنية (النمل، الهدهد، بلقيس) لتؤكد وفرة المصطلح بالأدلة، وأحسنت في توظيف المحسّنات البديعية التي تجعل العين رسولًا بصريًا يكشف الخفايا.
رابعا• الزاوية الفيلمية
في إطار إثبات الجمالية والتصوير التشكيلي، يمكن نصب عين الكاميرا على كفّين لينتين، وأصابع تمثّل أسطورة تكون راحة الكف بمثابة مكان انطلاق عواصف لولبية. للكفّ رقة المرأة التي تتحمّل الصوت الخارج من العاصفة، لأن بلقيس كانت فيما أخذ سليمان، مما يجعل المبرر كافيًا للتصوير بالتقريب المتتالي لحركة إضاءة تشمل اليدين معًا. ثم يكون المشهد الثاني: طائر الهدهد يتقارب بعدما تأكد لسليمان أن الليونة هي التي تحكم الشدّة لدى الغير. بلقيس تخترم في مدينتها التي أبتنت الصروح والقوارير. وترسم الكاميرا في هندسة الصوت ترانيم الريح، ولا صوت للعصافير، لأن الهدهد ينتظر.
الكاميرا تبقى صاعدة إلى السماء في منظر بانورامي يصوّر حركة الهدهد وهو يترنح. كأن لَزِم سليمان. وفي الألوان – عدا الأبيض – تظهر صورة سليمان متخفية بلا تشكيل، وصورة بلقيس كما أوردها العقل التشكيلي، إلا أن تكون في قمة مواصفاتها، دون علاقة بالخيانة.عين الكاميرا التصاعدية ترسم قلب امرأة عادية قادمة نحو الأمام، في يديها قلب ترميه في البحر، كدليل على نهاية غير معروفة.





