الترجمة من العقل البشري إلى الآلة، مسيرة وهم وحلم للذكاء الاصطناعي-ا.د حمام محمد.جامعة الجلفة

الكثيرُ منّا يفرحُ عندما تتحقّق أمامه ترجمةٌ فوريّةٌ إليه باستعمال الذكاء الاصطناعي، وهو غيرُ ضليعٍ بتلك اللغة المترجَم إليها، فيمتلكه إحساسٌ تأويليٌّ بأنّه قد حازَ حُسنَ اللغة المترجَمة. وهذا إحساسٌ طبيعيٌّ يعود إلى عُقدة الانفتاح المُبهر، على حساب الإمكانيّة المتوفّرة، دون أن ينسى المرءُ أنّه يمارس – في العمق – لعبةَ الغميضة، عندما يُسلِّم كلامه إلى مترجِمٍ آليٍّ مُعتادٍ على أنظمةٍ عموميّةٍ، قُصِد بها العامّة، تعالج الكلمات نفسها التي تظنّ أنّك أسَررتَ بها، وهي ذاتُها التي ستُترجَم لآخرَ في مكانٍ غير مكانك.
وهنا نطرح سؤالًا في غاية الأهميّة: ما دورُ الكفاءةِ التعليميّة أوّلًا، ثمّ الكفاءةِ الثقافيّة المتخصّصة؟ وربّما تكمن الإجابة في الشقّ الثاني من التساؤل، إذ تميلُ إلى الإيجابيّة لدى السائل؛ أي إنّه يفرح إن وجد ترجمتَه النصيّة قد تداولت بلغةٍ غير لغته. من حيث المبدأ، أعود فأقول: إنّها صرخةُ متعة، لكن في الداخل النفسيّ، هل تُرجِم فعلًا ما أراد قوله؟
لهذا صَعُبَت الترجمةُ في الوقت الحالي، ممّا يعني أنّ ما نُعبِّر عنه ليس نسخةً تامّةً تامّة، وإنّما هو نسخةٌ شبهُ تامّة. وهذا كان قائمًا حتّى قبل اكتشاف خبرة الترجمة الآليّة، إذا ما ربطنا الأمر باللسانيّات التطبيقيّة، في زمنٍ لغويٍّ منفتحٍ على الترجمات، ترجماتٍ عَقَدتِ التعليميّةَ، وجعلت نتائجها تتأخّر إلى أزمنةٍ متعدّدة، إن نُظِر إلى الترجمة على أنّها التخمين الكامل لما أردنا قوله.
فمهما كانت الكفاءةُ الثقافيّة متوفّرة، لن تكون الترجمةُ الآليّة معبّرةً بنسبة شبه الكمال، بل يعود الأمر إلى ما نُسمّيه بالتأويل؛ فهناك تأويلٌ قبل الترجمة، والترجمةُ ذاتُها عمليّةٌ معقّدة، تشترك فيها الثقافةُ السابقة، والمقروئيّةُ الماضية، وبدونهما لا يمكن أن يكون النصُّ المترجَم نصًّا كاملًا، بما يُمليه العقلُ التفكيريّ.
أتذكّر – وأنا أقرأ عن بعثة المأمون – حين أوفدَ سبعينَ عالمًا لترجمة العلوم والكتب اليونانيّة، وجيءَ بكتاب أرسطو فنّ الشعر لترجمته في العراق إبّان تلك الفترة الرشيديّة. والسؤال الذي أوقد حفيظةَ هَمّان: هل تُرجِمت كلُّ العلوم كما جاءت، أم إنّنا نقرأ اليوم ترجمةً نسبيّةً فقط، لمترجمين لا نعرف حتّى نوازعهم الشخصيّة والنفسيّة؟
بهذا المنطق، لا يمكن أن نتحدّث عن ترجمةٍ كاملة، ما لم نُدخِل العنصرَ النفسيّ، المرتبطَ بجملةٍ من الاضطرابات أو الآفات – سمِّها ما شئت – وهي في عمومها انعكاساتٌ داخليّة، تجد الفرصةَ لطرح نفسها، حتّى ولو تعلّق الأمر بترجمة مقطعٍ من روايةٍ عالميّة.
إنّ المترجِم الحاليّ، على الرغم من الثقافة الواسعة المُدَّخرة، تحسمه المواقفُ الذاتيّة، أو المعتقداتُ العلميّة. فكيف الحال بترجمةٍ آليّةٍ تقتصر معرفتُها لا على المخبوء، بل على المُطَّلع عليه فقط، ممّا تختزنه فضاءاتُ التخزين الإلكترونيّ من معارفَ مقتضبة، مأخوذةٍ من وسائل اتصالٍ غربيّةٍ وشرقيّة؟
إنّها فعلًا مشكلةُ تضمين السياق في النصّ المترجَم. ومع ذلك، يمكن إفراغُ مجالٍ لاستخدام الكفاءة في الترجمة العلميّة، حيث يتمّ إحداث برمجيّاتٍ تفصيليّة قبل الوصول إلى سياق الترجمة البارز، وذلك عبر تعليم طريق التجزيء المعرفيّ قبل الاهتداء إلى النصّ، وهذا يتمّ بالإجابة عن أسئلة التأثير، وهي كثيرة؛ نبدأها من علاقة الجوانب النفسيّة المتعدّدة بالنصّ المترجَم، ثمّ الجوانب الإيديولوجيّة، فالثقافيّة، فالدينيّة.
وهنا، فقط، نكون أمام قياسٍ حقيقيٍّ لتسريع الذكاء الاصطناعي، ومنه نصل إلى تعليميّةٍ جادّة، تأخذ بعين الاعتبار كلَّ الثقافات المحيطة بالنصّ المترجَم.والأمثلةُ كثيرةٌ في الروايات المترجَمة من أجل الشهرة، لا تلك التي ينجح مترجموها في نقل النظرة الإبداعيّة. أمّا الترجمات الأخرى، فهي تُنتَج بالكيفيّة نفسها التي يكتب بها «تشات جي بي تي» روايةً، أو يؤلّف نصًّا في أقلّ من ثوانٍ. وعندها فقط، سنُكثِر من أرشيفٍ إلكترونيٍّ يُشبه الأرشيف الورقيّ، يتآكل كما تتآكل الفيروساتُ الإلكترونيّة ما ترجمناه وما قرأناه في المجتمع برمّته.





