الخاطرة النسوية بين المعاناة والتمرد: قراءة نقدية في نص دعاء محمود ‘بركان النار- ا.د حمام محمد -الجزائر

عندما أغوص في نص للأديبة دعاء محمود بركان النار،خاطرة تاملية وجدتها ملائمًةا للدراسة النقدية. أسأل ــ بجهد واعٍ ــ عن جوانبها الرئيسية التي تمثل حصيلة مدّعياتها الفكرية أو التصوّرية، وهو ما يقودنا إلى التخيير بين البنية العميقة والبنية السطحية.
فالخاطرة، التي هي سلسال شعري، تبدو في قراءتها السريعة قراءة تحذيرية من معاناة المرأة، من منطق التهميش بوصفها قوة مادية أكثر منها وجدانية، رغم أنها قدّمت الكثير. وإذا تأمّلنا العناصر المحيطة بها، نجد جملة من الضغوط، من بينها:
ضغط العادات.
ضغط القِوامة المُفرَّغة من معناها.
ضغط الأعباء الاقتصادية.
ضغط الصمت المفروض.
ومن خلال هذه العناصر مجتمعة، نستشف وجود قلق دائم نابع من غموض مفهوم القِوامة، بالنظر إلى الجوانب العديدة والهائلة التي تمسّها، والتي غالبًا ما لا تُناقَش حين تشتد الظروف القاسية، إلى درجة تصل فيها حد الاحتقان داخل المجتمع بأكمله (Beauvoir, 1949). فالمشكلة واحدة، خصوصًا حين تنفجر أنثى، وتعبّر دفعة واحدة عن حالة تطاير الأعصاب نتيجة المسكوت عنه وتراكمات الماضي، وما يفرضه منطق القبيلة.
ولو حاولنا أن نتساءل: من المظلوم هنا وسط هذا الشجن؟ لوجدنا أنّ الرجل نفسه، المقيم داخل بنية تستنطق ذاتًا متألّمة، هو أيضًا ضحية الفهم الخاطئ لما أرادت المرأة قوله، ومردّ ذلك واقع أليم، أشبه بتفتيت الحجر، في حركة تصاعدية من الباطن إلى الأعلى، تسودها سلسلة من الانفجارات السلوكية والقيمية (El Saadawi, 1980).
لهذا بذكاء وقاد استدعت الاديبة البركان ولواحقه. وإذا استمر عناد القِوامة على هذا النحو، فإنه سيدفع بالأسرة ــ ضمن مسار الخسّة والانهيار ــ إلى التساقط، لأن ما بُني على باطل فهو باطل بعينه. وهنا تظهر الشاعرة وقد اتخذت قبلة التوديع الروحي، بوصفها تعبيرًا أخيرًا عن انكسار القيم وانسداد الآفاق.
الخاطرة تمثل فسيفساء تتخللها الأزمات المصطلحية المهولة، أخّرت بعضًا من التأويلات إلى مصف العنجقية، خاصة فيما يتعلق بالبحث عن المركزيات الجندرية، لا سيما في أطر كلها معاناة للمرأة يوميًا، مع متطلبات آلية تتعلق بها كأنثى، ثم بأولادها وعائلتها وقيمة تواجدها. هذا الشحن المشوب بالضغط يدعو إلى تعتيم الرؤية الملائكية عند المرأة بفعل أزمة المصطلح.
الشاعرة كانت مجدة في الرفع من هذه المعاناة، لأنها تمثل بنية جوهرية عتيدة تمتد إلى آلاف السنين. فخلاصة هذه الحالة، الشاعرة صدحت بالقول: المرأة في أزمة. وفي اللاحق من الخاطرة يتبدي النص نظرة نفسية رائدة، تتمثل في ضرورة إعطاء قيمة أساسية للظروف النفسية والعاطفية والاجتماعية التي تنشط في كمونتها الباريسية، حتى يفهم خطابها الذي يتراص محتواه بين متناقضات، مرة تدعي الظلم ومرة التمرد ().
فالمرأة كائن مخلوق، وليس كائنًا يُخلق فوقه، يتفيأ بالعدل الإلهي في الخلقية، وربنا ليس بظلام للعبيد. هذا الوضع جعل الخطاب النسوي يُنظر إليه على أنه حتم مفروض على إنعاش واقع غرائبي يعتمد العنف العاطفي واللفظي في كل منحنياته للحد من القيم السامية لدور المرأة.
ولا ترى الشاعرة بدا في رفع الاحتجاج النفسي والعاطفي لتبيّن أنها محل اختيارات آتية حبًا بها، وغيب المفعول الجمعي القهري. فصارت اللغة احتجاجية قوية، جابهها الامتثال الأداني في كل نصوص الشعرية التي يتلقفها الرجل على العموم. الخاطرة هي سلة ألم حملت أسئلة قلق ووجع وإدانات، إذ بدأت بالمعاناة، ولا يمكن أن ندلي حكمًا بمحاكمة الشاعرة على عرضها الجمالي في أسلوب تأويلي غني بالفطنة الفلسفية التي تعتمد على سؤال الفلسفة.
ولا يمكن أن يُفهم من خلال العرض التأويلي أن الشاعرة خرجت عن السياق الحداثي المتوتر أحيانًا، بسبب غلبة الهجينية الواقعية على مراتب التأمل المسموح بها. أخضعنا التعامل بالهيرومنطيقا لكشف المعنى العميق المختفي، بحساب السياق الثقافي والاجتماعي والنفسي، وما استخدمته الشاعرة من براهين شكلانية تمثلت في الأيقونات والعلامات الظاهرة والصائتة. وفي الغالب لم تُستعمل إلا لإيصال درس فلسفي من عمق معنى المعنى، كيف؟ يتراءى لك في استعمال العنوان بركان النار أو أي شيء مضغوط في الرمزية، فهو استلاب للضغط والتراكمات والمعاناة والمسكوت عنه في أحلك الصور.
أحيانًا تخرج المرأة العربية استعدادها للانفجار، لكنها تستدعي الذكاء الداهية في عدم إشعار الآخر بأن البركان سينفجر. وهذا السياق، على نبل حقيقته، يوضح أنّ الضغط موجود أمام مجتمع يقهر المرأة، وآخر يعطيها مزيدًا من الانفتاحية أو الحرية، أو كل حسب تسميته.
الخاطرة، على كون الشاعرة صحفية، قد نقلت الألم الذي استمعت له منذ مسيرتها المهنية. لا يقف الضغط هكذا بين عشية وضحاها، إلا في ظل قلق دائم بين أشياء تحبها المرأة وأخرى لا تستسيغها، إلا أنها وجدت من قبلها. هذا التعارض العيني والقيمي وضعها محل إطرش في زفة، أي أنها تحمل ثقل السؤال وتحمل ثقل الإجابة، وأسئلة التمرد كثيرة.
وفي ظل هذا التنامي، لاوصاف المرأة المثالية من مودة وحنينية ورافة وابتسامة وإشراق وكبس الرجل للفوز بها منذ القدم كقيمة روحية تجعلها تفقد قيمتها إذا تغيبت فيها قيم أخرى. ولعل أعقد مسألة خمنت في خاطرة الأديبة هي مفهوم التمرد النسوي، الذي ليس سياسيًا أو قيمة مصلحية مادية، وإنما رد فعل على مغالاة في دورها المتعب بين إنسانة وعاملة مهنية. ولا يستمر إلا إذا أحدثت موازنة ورعاية دائمة لقيمة المرأة، من رعاية حقوقها، حتى يحدث استقرار دائم للأسرة داخل السياق الاجتماعي الذي نعيش فيه.
السياق اللغوي والشكلاني للخاطرة: استخدمت الشاعرة كل متطلبات الحالة الأدبية لإيصال السياق، مع أنها اعتمدت على الأنواع الصحفية. وفي نيتها، أرادت أن تؤكد نظرية الرصاصة تحت الجلد، من خلال التخاطب والاستفهام، وأكثر أدلة المعاناة لإحداث مهارة من مهارات الإقناع، وما أكثرها من الصور البلاغية. حمم النعام، أسلوبها جاء وصفيًا ونقديًا، ركّز على جمل قصيرة ذات وقع انسيابي. ولوحظ أنها مارست التشاكل السميائي بتكرار المفردات، ركبت خاطرتها في ترابط نصي مثير، انطلق من الجزء إلى الكل. وكان لسياق التأويل حضور ليس مكثفًا، لكنها لم تستطع أن تخفي حملها لثقل الانتظار الطويل لسؤال الظلم ومركزية الجندر.
بركان النار..خاطرة للكاتبة الصحفية المصرية..دعاء محمد…
حمم تتلظَّى في باطن الأرض انصهار، غليان ينذر بانفجار قريب، ضغط الأرض عليه، أفعال بشرية؛ تتسبّب بكارثة طبيعيّة وشيكة.
إنهنّ المؤنسات الغاليات، رقيقات القلب، جيَّاشات العواطف، قد صرن في خطر عظيم؛ ضغط من كلِّ جانب؛ معتقداتنا العربية ـ عيب! لا يصحُّ! هذا نصيب الذُّكور ـ
الأبناء لا تنتهي طلباتهم، احتياجاتهم في تصاعد مستمر؛ تعليم، تمريض، تربية.
الزَّوج ساعديني بالعمل؛ تنفق معه المال رأسا برأس ؛ أصبحت هي الأبُ والأمُّ؛ هي القوَّامة الفعلية ـ الزَّوج ضيف شرفي في حياتهاـ فإذا انفجر قتلها دون أدنى رحمة ـ ضغط الحياة عليه كبيرـ لا يعطيها حقَّها كما يجب، لا ينفق كما يجب.
نضع رؤوسنا تحت التُّراب كالنَّعام، نتحدَّث بالنَّعرة العربية، نعمى عن حقائق خفيَّة تودي بالمجتمع العربي ككلِّ؛ فإذا عبَّرت انهالت عليها ويلات الانتقاد ـ ظلُّ رجل ـ وإذا اشتكت فإنّها ـ تكْفُر العشير ـ
أين أنتم الآن معشر عروبتي حرّاس أمن حوريات الأرض ورجالها المخلصين.
نساء الأمس تحمَّلن، أما فتيات اليوم فهنَّ على حافَّة الإنهيار.
في عقولهن بركان يستعر، أسئلة لا إجابة عليها؛ لماذا كلُّ ما يحدث لأمّهاتنا؟! لماذا القهر، العذاب، وازهاق أرواحهن هدرا؟! لماذا نخضع مثلهنّ؟! لماذا نعدُّ الطَّعام، نحن نعمل مثل الرِّجال؟! لماذا القوامة في أيديهم؟! نحن أيضا قوَّامات.
وفجأة؛ تتبدَّل المفاهيم وتتغيَّر، يندثر ما تربّينا عليه، تصبح التَّجارب السَّابقة ناقوس خطر يدقُّ في آذانهنّ؛ يقررن ـ بلا وعي منهنّ ـ
لابد من ثورة؛ فتقلع الفتيات عن الزَّواج، يعرضن عن الخضوع للرٌّجال، لا يُجدي معهنّ الأحاديث النَّاعمة ولا الكلام.
تحوَّلت شخصيتها إلى رجل في زيِّ امرأة، هانت عليها أنوثتها، حين ظلمها المجتمع، فترك معتقدات غربيّة تؤثّر على الكلِّ، فساءت الأحوال، بدأت بالحرّيّة والمساواة، هدم القيم والتَّعاليم الَّتي تربّينا عليها، نكران فكرة الأسرة، وتضليل النَّاس بأفكار شاذّة جنينا حصيلتها مؤخّرا.
نحن الآن في انتظار انفجار البركان؛ لا زواج، لا أسرة، ولا كيان عربي؛ اختفت العادات والتَّقاليد وانتهى دور المرأة الحقيقي.
صار مجتمعا جافًًّا مادّيًا تتحكَّم فيه الشَّهوات، الغرائز، ضربة سيف خرَّبت علينا حياتنا فلم تعد صالحة للحياة.
هنا أقف عاجزة تجاه عروبتي خوفا عليها، واشفاقا من ثورة عقليّة هائلة وشيكة الحدوث. المحزن أنّها ليست ثورة تطوُّر، تقدّم، وحضارة وإنَّما انحدار، تأخر، وانهزام.
جاء الإسلام ليُعلي شأنها فإذا بها تهدم كلَّ القيم والتَّعاليم لتدافع عن أدنى حقوقها في الحياة، نظرة عابرة على أواخر الأعوام؛ نفهم كثرة الجرائم من الطَّرفين، عزوفهم عن الزَّواج وتكوين الأسر خلافا لتعاليم الله.
أدقُّ الآن الأجراس حتَّى ننتبه؛ نساؤكم أمانة وصَّى بها النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أعيدوها إلى أنوثتها، أعينوها على العودة لما فطرها الله عليه؛ فإنهنّ المؤنسات الغاليات، حبّات القلوب، ماسات نادرة، وصيَّة رسول الله، رقيقات المشاعر، تسعدهنّ كلمة، وتداويهنّ لمسة.
الكاتبه الصَّحفية/ دعاء محمود





