كتابات حرة

مكانة الألوان في الثقافة الشعبية – اعداد:  ا.د حمام محمد..استاذ  الاعلام  والاتصال  والاداب   جامعة  الجلفة..الجزائر

رجل يتحدث إلى الجمهور ممسكًا بميكروفون، يرتدي بدلة داكنة وقميص فاتح مع ربطة عنق بيج.

تُعَدّ الألوان دلالاتٍ رمزيةً وخطاباتٍ ثابتةً استُعمِلت في القرون الماضية باعتبارها وسائل مثيرة في التواصل، وعناصر مُؤكِّدة لمختلف الخطابات. ولعلّ الإنسان الأوّل لم يتعرّف على الألوان دفعةً واحدةً، بل عندما رأى قوس قزح أدرك التداخل القائم بين الألوان واصطفافها؛ إذ قبل ذلك لم يكن يعرف آليةً لونيةً سوى الأبيض، والأصفر لون الشمس، والأزرق لون السماء،ومع تدحرج زمنه الإنشائي عبر مراحل التكوّن بين العهود الجيولوجية، بدأ يرسم تلك الملاحم اللونية، فرأى ألوان الطبيعة: سواد الليل، وبياض النهار، وصفرة الشمس، وزرقة السماء، ثم ألوان الفصول. وبالتدرّج في المحاكاة، كما أشار أفلاطون في حديثه عن المدن الفاضلة، تنبّهت المجتمعات إلى أن للون مساءلة دراسية وتأويلية مرتبطة بالحضارات التي نشأت في تلك العصور السحيقةـوهكذا تكوّنت الإسقاطات اللفظية على الألوان، وأُسقِطَت عليها معانٍ اجتماعية: فالأَسْوَدُ حزن، والأبيضُ فرحٌ ونقاء، والأزرق تفاؤل، والأصفر غلاءٌ وتكبّر، لارتباطه بالشمس وبالذهب والفضة. وبذلك ترسّخت الألوان في القياسات الشعبية، وبقيت حاضرةً في ثقافاتنا حتى اليوم.

  • الألوان في أعراسنا الشعبية

لنأخذ مثالًا عن أعراسنا في الوطن العربي؛ إذ نجدها محكومةً بمدونة لونية تحمل سيميائياتٍ خاصة مرتبطة بالتوالف الاجتماعي لكل منطقة. والحقيقة أنّ أي تقدّم حضاري لا يُذكَر إلّا إذا انطلق من القاعدة الشعبية، ومنها يترسّخ التميّز والاتفاق العلمي على المدونات اللونية، فاللون الأصفر مثلًا ارتبط بالثراء والتفاخر، لكونه لون الشمس والذهب، فانعكس في لباس العرسان مثل “الكراكو” الموشّى بالذهب أو في الحليّ والأساور. وهذا يدلّ على مكانة اجتماعية رفيعة. كما أنّ بعض المجتمعات ما زالت ترفع المهور بناءً على قيمة اللون الأصفر، باعتباره رمزًا للزينة والجمال والثراء.

أمّا اللون الأبيض، فقد ارتبط بالطهر والعفّة، ولذلك تحتفظ به العروس في عباءتها البيضاء يوم الدخلة. وفي المقابل، عند الصينيين مثلًا، يرمز الأبيض إلى الحزن والموت، بينما الأحمر هو لون العفّة والنقاء،والأخضر ارتبط بالبركة والقداسة، فاستُعمل في تلويين أضرحة الأولياء، وصُبغت به بعض القبور، كما استُعمِل في الحضرات الصوفية والزيارات الدينية. بل إنّ بعض الطرق الصوفية جعلته لونًا طهوريًّا يحمي العروس من السحر والحسد،والأزرق عند بعض المجتمعات يُستعمل وقايةً من الحسد والعين، كما تؤكده المرويات الشعبية. أما الأحمر، فيُستعمل في الحنّاء كرمز للبلوغ والعفّة. ومع الزمن، دخلت الألوان المركّبة إلى الثقافة الشعبية، وأصبحت لها خصوصيات، مثل “الكراكو” الذي يجمع الأحمر والأخضر والذهبي، وهو مزيج يرمز إلى الحبّ والخصب والثراء.

  • المدونات  اللونية  شكل  خالد  من  تراثنا  الموروث

يمكن لأي باحث أنثروبولوجي أن يقيس حالة المجتمع من خلال دراسة لونيّة لطقوسه وعاداته، وحتى كتاباته وزخارفه. ويظهر هذا جليًّا في الألوان التي تُزيّن البيوت أو تُستَعمل في استقبال الضيوف،إنّ المدونة اللونية في أعراسنا جمعت بين **حماية العروس من الشرّ** و **تأكيد طهارتها ووجاهتها ورفعتها**: الأزرق للحماية، الأحمر للعفّة، الذهبي للثراء، الأبيض للنقاء،وتبقى القاعدة واضحة: كلّ لون له دلالته الموروثة، ما لم يظهر لونٌ جديدٌ غريب، وحينها يصبح من الضروري إعادة دراسة دخوله إلى المجتمع عبر المقابلة الميدانية أو الملاحظة بالمشاركة..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading