القصة كمرآة للذات الحالمة: قراءة وجدانية في التجربة السردية للقاص الليبي مفتاح الشاعري-ا.د حمام محمد*


القصة:
نظر إلى كف يدي, أرسل بصره إلى أعماقي , قال : يا فتى .. في مخيلتك قرية تستظل بجبالها العالية، يملؤها الخمول حتى الثمالة, والجفاف حتى التشقق، وكثيرا من الوجوه الخالية من المعاني ، سكّنها لا يكفوّن عن النوم باكراً، في يومهم .. يلوحوّن بيديهم إلى الشمس دون حديث, يتكاثرون, يبحثون عن أسماء غير مطروقة. ثم لا يجدونها ! قريتك .. أيها الرجل , خريفية الأجواء تجتث أريحية السكون، ومن جاورك ثمة منهم من يلوك الكلمات بحثاً عن المعنى ثم لايستقم لهم نتاج فمرة نهاية صناعة الأشياء، وأخرى انقياد اليوم الأخير إلى مثواه , ومختتم تمّلك الأشياء وموات الذكريات وتساقط أوراقها لتمسى هيكلٍ يحتضن ضفاف النسيان. يا صاح.. ما أصعب أن ينفرج بابك رويداً رويداً على باحة خلت من الآمال، وأزقة تجتر ظهيرة قائضة ليس فيها مسافر، وانحناءات شوارع تفتقد الأنفاس, والأشياء قيل لنا قديماً أنها بخواتمها . وفي نفسك وقفات حنين إلى ضعف طفولي بعيداً لا تتضح معالمه, .. موالد صخر يٌعلن عن الجفاف.. وغُصنٍ متيبس في قعر الوادي يخبر المسافر عن غياب الحياة في زمنٍ موغل في الرحيل كان حلمك الذي لم يتعدى عمر زنبقة برية ، والساكن في صدرك المنهك بأشيائه يحمل صورة امرأة ما فتأت تتعبك، لازلتُ تستشعر دفء رأسها الجميل، لكنها ايضا امرأة ما كانت تؤمن بالأماني , وجريرة الفؤاد الذي لازلت تحمله أنك أسكنتها أعماقك , أوتذكر حين كان ليل من زمن ماض وقد أهديتها فستان غزلته أيدي ملائكية بحبات نجوم مساءات صيف ، وقتها لم تكن تدري بأن الأقدار كانت تخفي وراء راحتيها ابتسامة منبئة على نكوص الحلم وتراجع الخطى وكم كنت تمرح حين كانت أحلامك تتسابق في دربها و أيامك تتراكض حولك كفتى مدلل في حضرة أم رؤوم دون أن تعلم بتضأل نور درب حمل تطلع مات في المهد صبياً . أو تعلم .. ؟ لوقت قريب من زمن عشتها كيفما كان .. كانت مخيلتك رغم أشياؤك المنقوصة تتزاحم بذات المرأة ، وفستان ببياض ثلج الشتاء ومقدم طفل وإعلان وجود ، رغم تحجّر مقلتيك من وقع سهد النهايات , ولوقت غير بعيد كنت في سحب قاتمة منعك الرؤيا، وغلقّت أبوابها حين مقدمك وفيها تألمك الصامت وأنت الآن متأخراً .. تلوح بيديك إلى حيث لاشيء.. ترسم في مخيلتك لوحة للأفق لا يراها غيرك مؤطرة بلحظات مسروقة لحديث ماض و تبتسم للحظات قصيرة جداً قبل أن تعود للصمت الطويل : يا فتى نزف الحلم،و سكب الدموع،و تراكض الأشياء. أرها وقد قست عليك، فهي ذاتها الظمأ الذي لازمك منذ رحلتك الأولى , وفي كفيك يا ولدي – هاتيك الخطوط، لازالت تدفعك ببطء.. ببطء أكثر.. إلى حيث يكف القلم عن تدوين خطاك وأخطاءك ! مفتاح الشاعري قاص/البيضاء / ليبيا
التحليل والدراسة :
نحو مراجعة ذاتية لاختبار الشعور الوجداني والتعيين اللحظي مع الذات الحالمة، تلك الذات التي تحلم دون غيرها، عندما تتغيب الفرص ويصبح العامي لا يدرك إلا التفاصيل،حين درستُ قصيدة نثرية للقاص الليبي مفتاح الشاعري ، وجدتُ أن الصراع الذاتي عنده نوع من المعترك بين الأنا والهو، وفي بعض الأحيان يترجمه خارجياً، وكأنه يصرّ على تبليغ ما لم يفهمه غيره في أشعاره.فرغم أن القصيد نثري، فقد أوعز لنفسه بفكرٍ فلسفيّ لم يضع الأشياء في واقعها التأويلي، وإنما طرح أسئلةً فلسفية صعبة الإجابة عنها. غير أنها لا تبقى فلسفية فحسب، لأن الأسئلة عند القاص مفتاح الشاعري متنوعة، تنوّع الصراعات داخل الذات.
ونوعية الصراع عنده مقسّمة بين ثلاث صرخات: الأولى هي بيت الراوي الذي يكون هو ذاته أحياناً، والثانية المفهومية التي يريد إيصالها للآخر، والثالثة النظرة الاعتقادية الجمعية،فحين يقوى الصراع بوجود عقد فلسفية، لا يصل إلى مضامينها إلا محترف في فنّ الغوص إلى الأعماق دون أن يتوه في متاهات بافلوف،الرحبة أو الفضاء المسرحي هو كفّ نظرٍ إليه الراوي، يدرك القارئ أن هناك صورةً ذهنية وكاميرا تلفزيونية تعتمد البصيرة، ولا تؤمن بتوحيد الأبعاد.
فما دام الكفّ يتسع ويتمدد، فالعالم مرفوع تحت قرنين. وبذلك يرفع المعاناة إلى شخصٍ متبتّل في عمق الحياة، يُخال مغامراً. وما دام قد رفع المصطبة إلى الأعلى، فهو يعبر عن حلمٍ أو تصورٍ بعديٍّ لحقائق تُطرح أرضاً، كالذي يحمل طائرَ العنقاء يتفرّسه ثم يضعه أرضاً، لعلّ من ينظر إليه يراه نظرةَ المغيظ أو يتحرّاه للموت أو الفجيعة، إنني أساير خلفية البعد العصبي عند الناثر *مفتاح الشاعري* وهو يهوى، يرى القرية الحالمة الهادئة بطبعها الجاف، كأنها خارج السرب، لا تنبض بحلم ولا بأحلام وردية، ولا حتى بزرع الزهور التي تنبت رغم مشائيتهم، في وسط هذا الغور تتشكل **الرمزية**، وهي سلاح القاص ووسيلته في التعبير؛ باتت القرية حلمٌ داخلي ووضعية سكونية داخلية بلا حركة للأعضاء. فقد صوّر الخمول منذ البدء دون أن يصل إلى حركة الأفراد.
ومن هذا السياق تولد المرأة، فصيلة من فصائل التثبت بالحياة؛ فهي المكان الآمن والراحة السكنية.
يظهر الحلم كله امرأةً رمزها صفاء السريرة وطهر الأمكنة وروعة المنظر المتوجم في ليونة وصفاء الأديم. حتى الركود أثّر جانباً عليها وتركها تؤمن أن المرأة تسرب إليها ضجيج الفوران، فأصبحت بلا روح مع حلمٍ ذائب حَبَسته حركة الأعضاء في القرية الراكدة.
كل هذه الأشياء ما زال اليافع يقرؤها على كفّ الشاب، مما يعبر عن بطء الفهم لواقعٍ معيشيٍّ راكد في الروح الإنسانية التي تتوقف عن الكتابة فتموت الأريحيّات. ولهذا كثرت القيم السلبية في عقده: الجفاف، اليأس، الانطفاء، الخيانة، القرية، العجز، الركود، الكسر، وبالمقابل، ظهرت قيم إيجابية: **الحنين، البحث عن المعنى، صدق المشاعر، وغيرها من الدلالات التي تشير إلى صراعٍ متأججٍ في الذات بين الأجمل والأقبح، والأقبح هو السكون الراكد،وإذا نظرنا إلى شخصياته في القصة، وجدناها تتحرك بمرورٍ رمزيٍّ نفسيّ: راوٍ عجوز وحكيم ـ يبدأ بممارسة سلوك المغيّبين في الغيهب، و**فتى** تفاقمت أمامه الإرادات لكنه لا يملك أيًّا منها في ظلّ التقهقر، و**امرأة** تظهر في الذاكرة وتغيب، كأنها عفريت مرة وعشتار أخرى، تبحث عن سؤالٍ في القصص اليوناني، كبيرهم الراوي، وهي تجربة اعتراف، وصغيرهم الفتى بداية الحالم، وهو نفسه الراوي في نسخته القديمة. وتنافست الشخوص لتمثيل الصراع بين الحلم والواقع، وصراعٍ فلسفيٍّ جسّد معنى الحياة الصعبة المنال في عالمٍ ماتت فيه الروح الوجدانية.
ان الصراع مبدؤه ذاتي، وليس بين الشخوص في الحياة العامة، بل هو تجافٍ وتشاكٍ غريب الأطوار في الذات الحالمة التي أرعبها سكون العالم الداخلي القرية وحدودها،وبالرجوع إلى الجماليات، فقد أوترت كل الصفات لإخراج انطباعٍ قوي حول مطلق الدافعية في الواقع الرمزي:
القرية = رمز النفس الفاقدة ، الجبال رمز معيقات الاتصال الغصن المتيبّس حلم يريد أن يموت، خطوط الكف مصير أويتاصيب ،ثم جاء التعريج الإيقاعي الوجداني مبنياً على سردٍ قويٍّ يجعل الجمل تشرح نفسها ومعها الواقع، وهي صفة دائمة في أسلوب مفتاح الشاعري . وكأيّ أديبٍ أريبٍ لوذعيّ، استعمل كل المحسنات التي تصف الواقع الآتي المرّ بالاستعارات، مثل قوله: زمنٌ موغل في الرحيل، غصنٌ متيبّس يخبر المسافر عن غياب الحياة.،أما عن سؤال: هل القاص في قصصه يبتعد ويتقرب من معايير القصة الدولية؟ فنعم، فقد استعمل **التكثيف اللغوي**، وكان السرد في شكله، من خلال جسّ المحسنات البديعية، ترجمةً لقصيدة نثرية ألبسها ثوب القصة التأملية. لم نرَ حبكةً في الواقع السردي، بل كانت الحبكة في العالم التأملي الفلسفي، تمثل قمةً في ربط الأوتار، مثبتةً أنها نصٌّ قصصي–شعري رمزي لا يلتزم بالبناء الكلاسيكي، بل يتبع أسلوب القصة الحديثة المفتوحة، وفي القصة جوانب قوية كـ العمق الفلسفي، التركيز المكثف، والصور الذهنية لمتعددة.
كما تُظهر فوارق بين العقد عند العامي والتبصّر عند العارف بالمعنى. الجمل طويلة نوعاً ما، والتنفس فيها سريع، ولعل آخرها الحوار التكراري الذي يدخل في زمن الترابط النصي المكثف بقوله: “يا فتى…” وهي ياء نداء قهري وبطولي في آن واحد.
وفي الأخير، وأنا أُصبر غور نوعية القصة، وجدتها **تجربة وجدانية معاشة** اختلط فيها الغضب والحنين والموت البطيء لحلمٍ لم يُرَد له أن يتحقق. وهي في النهاية أعطت أيقونةً فلسفية كإشارةٍ إلى صورةٍ ذهنيةٍ تعبّر عن ضعف الحال أمام تعنّف الحضارة وطغيان المادة التي أذابت الحكي في وسط جليدٍ ما زال يتبرّد، وبذلك يُعد القاص مفتاح الشاعري واحداً من نجوم القصّ العالمي، باعتلائه منصة المونولوج الفلسفي.
* باحث متخصص، استاذ الادب والاعلام..جامعة الجلفة الجزائر






