تحليل كتاب جمرة النص : قراءة تفكيكية – تأويلية في مجموعة مصاطب الالهة -الاخبار الثقافية

يُمثّل كتاب “جمرة النص: قراءة تفكيكية – تأويلية في مجموعة مصاطب الآلهة” للناقد أسامة غانم دراسة نقدية ومجهراً تحليلياً غاص في العوالم السردية للمجموعة القصصية والروائية “مصاطب الآلهة”، وهي آخر ما كتبه القاص والروائي العراقي الراحل محمود جنداري.
يتبنّى الناقد في هذا الكتاب زاويتين منهجيتين متكاملتين هما: التفكيك (بمنظور جاك دريدا القائم على تقويض المركزية والبحث عن المسكوت عنه في الهوامش)، والتأويل (الذي يمنح النص أبعاداً دلالية متجددة ولا نهائية).
1. عتبة العنوان ودلالة “جمرة النص”
الجمرة كرمز للفاعلية: يعبر مصطلح “جمرة النص” عن الطاقة الإبداعية المتقدة الكامنة داخل نصوص جنداري. النص هنا ليس كياناً بارداً أو ساكناً، بل هو “كتلة ملتهبة” من الدلالات والرموز الميثولوجية والتاريخية التي تحتاج إلى مغامرة نقدية لملامستها.
تفكيك “مصاطب الآلهة”: يربط الناقد بين الجمرة والمصاطب (الزقورات أو الأماكن المرتفعة ميثولوجياً)، ليوضح كيف تشتعل الأسئلة الوجودية والسياسية والاجتماعية في قاع النص وتحت ركامه الإشاري.
2. المرتكزات التفكيكية في التحليل
طبق الناقد آليات التفكيك لخلخلة البنى التقليدية في نصوص جنداري من خلال:
تقويض المركزية السردية: تماشياً مع طبيعة نصوص “مصاطب الآلهة” التي تميل أصلاً إلى استبعاد وجود حدث مركزي أو ثيمة واحدة مهيمنة، تتبع القراءة التفكيكية كيفية تشتت المعنى وتشظيه داخل القصص.
التنقيب في الهوامش: ركز التحليل على الثغرات، والمسكوت عنه، والعبارات العابرة داخل المتن الحكائي، معتبراً أن “هامش” النص يمتلك أحياناً قوة تعبيرية تفوق المركز.
إبراز التناقضات والاضطرابات الدلالية: تتبع الكتاب الثنائيات الضدية (مثل: الحضور/الغياب، الحلم/الواقع، القدسي/الدنيوي) وكيف تتداخل وتنهار الفواصل بينها في تجربة جنداري السردية.
3. البعد التأويلي وإنتاج المعنى
لم يكتفِ الناقد بالهدم أو التفكيك، بل عبر إلى ضفة التأويل لإعادة بناء الدلالة عبر:
استنطاق الرموز الميثولوجية: تميزت نصوص محمود جنداري بـ “المناخ الأسطوري” واستحضار الرموز الرافدينية والتاريخية. عمل كتاب “جمرة النص” على تأويل هذه الرموز لربطها بالواقع العراقي والعربي المعاصر، وتحويل الأسطورة من حكاية ماضوية إلى أداة لمساءلة الحاضر.
تعدد القراءات وانفتاح النص: يبرز الكتاب أن نصوص جنداري نصوص “مفتوحة” وغير مكتفية بذاتها، بحيث يصبح القارئ (والناقد) شريكاً فعلياً في إنتاج دلالاتها وصناعة معناها.
ملخص الرؤية النقدية للكتاب
نجح أسامة غانم في هذا الكتاب في إثبات أن “مصاطب الآلهة” ليست مجرد حكايات سردية عادية، بل هي مختبر لغوي وفلسفي. وقد استطاعت القراءة التفكيكية-التأويلية أن ترفع الغطاء عن “جمرة” الإبداع الكامنة تحت رماد الكلمات، لتقدم للمكتبة النقدية العربية نموذجاً تطبيقياً حيوياً يتجاوز النقد الانطباعي إلى النقد الفلسفي العميق.



