الصدق بوصفه إجازة إلهية: تأملات في الأنثروبولوجيا الدينية -.ا.د حمام محمد..استاذ الاعلام والاتصال..جامعة زيان عاشور الجلفة

هل نستطيع أن نقول إنّ الصدق هو طريقٌ للمثاليّة الحديثة النشأة، التي لا يفهمها إلّا القليل؟ أم هو تصحيحٌ مثاليّ، أو عقارٌ عجائبيّ للقضاء على ظاهرة الكذب التي أشرنا إليها على أنّها من معطِّلات النظام المعيشيّ المثالي؟ ولا يمكن أن نفهم هذا التقابل بين الكذب والصدق على أنّهما عَدَوان لا متكاملان، بحجّة الاستثناء أو غيرها، لأنّ ذلك وهمٌ. كما لا يجب أن نركن دائمًا على قاعدة: «خَلِّي من بعد»، وهي قاعدة «الشاذّ يُحفَظ ولا يُقاس عليه».
والمتدبِّرون القُدامى في آيات الكون وصلوا، في تفسيرهم، إلى الصدق بمنطق الطُّهر اللفظي، الذي استُشرف من اللاّتقيّد بالعشائريّة والعصبيّة، بل كانوا يذرون ما خلّف آباؤهم من الوثن وراء ظهورهم، واقتدوا بكتابٍ ﴿لا يُغادِرُ صَغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاها﴾ (الكهف، 18: 49)، وما بدّلوا فيها تبديلًا، وهذا سرٌّ منه.
فلو مارسنا الصدق دون هوادة، كطغيان الدليل على الجهل، لكان مسار الحياة المثاليّة التي أرادها مولانا واحدةً، تسري عليها عوامل الرضا الإلهي كاملًا متكاملًا؛ أي رضا يُشعَر به وجدانيًّا، ويتمثّل في التوفيق. قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة، 9: 119).
وربما لا يستسيغ الأمرَ لدى البعض على أنّه مثاليّة مفرِطة، غير أنّ بين مولانا فضلَ سيّد الخلق، وقدرته، وعدم مخالفته لوعده جلّ جلاله، في واو العطف، إذ جعل قوله خمس مرّات عند الموت: «أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدًا رسول الله»، وهذه إجازة الله بينه وبين عبدٍ من عبيده بصدق. وقال رسول الله ﷺ:«عليكم بالصدق، فإنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة» (البخاري، 1987).
وكان علينا فهم ذلك أنثروبولوجيًّا تحت قولٍ في أكثر آياته تعبيرًا عن استحيائه من عباده المطبِّقين قلبًا وقالبًا. وقد كَثُر هذا المفهوم في تصوّرات آلاف علمائنا، غير أنّه قالها صدقًا في آيات القرآن. فالأنثروبولوجيا التي تنظر إلى إجازة المولى تعالى من أجل الصدق، حتى باختراق السماوات والأرض للثقلين، تجعل الصدق سرّ الدخول إلى الحياة التي أوجدها مولانا بمنطق «لا عين رأت، ولا أذن سمعت» (مسلم، 2824)، وهو صادق الوعد.
وبُسِطَت مسائلها على وجهٍ يفهمه العامّي، وسارت متداولة. فانظر في سورة المدثّر، من آياتها، تجد الدليل الصادق على أنّ نظام الحياة نظامٌ صادق، ولكن تلك الأنفس التي مرَغَت عن نظام خلافته في الأرض جعلت عمليّة اختراقه لدى أصحاب العلم الفائق المتطلّعين في الاستشراف. وقد صدّقنا مولانا بعدم الخوض فيه، لأنّه من الغيب، وأعمار الأمّة بين الستّين والسبعين في رواياتٍ مختلفة (الترمذي، 2331)، لا تُخرجها عن قاعدة القرن إلّا لمن أراد له الله، وذلك من أمر الغيب.
وربما يريد البعض التنبيه إلى معرفة مُجسَّم الصدق، وهو موجود لدى كلّ إنسان، مرتبط بنظامه الثقافيّ والاجتماعيّ، ولذلك قال مولانا:﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾ (الرعد، 13: 11).
فنظامك الصادق ينتهجه الفرد المؤمن المسلم المقتنع المتدبّر، لا المتكبّر والمحتقر للغيب، ﴿كُلٌّ عِندَ اللَّهِ مَسْؤولٌ﴾ (الإسراء، 17: 36). ولينظر كلٌّ إلى معبر التنقّل من القوّة إلى الوَهَن، فلن يعتقد إلّا أنّه ذاهبٌ إلى حيث ما هو أكبر منه قوّةً، وجسمًا، وفكرًا، ونُصُرًا، واستشرافًا.
إنّ الأنثروبولوجيا الدينيّة تنطلق من صفاء السلوك البشري، وما يهديه الى الصفاء..وليس على ما اجتمع القوم على شُعَلات النار في إدغال القارّات الكنية قبل الاهتداء إلى العقل كوسيلة للمساعدة، وليس هو الخلاص النهائي، إلّا إذا تشبّع بالصدق.
عبّر أرسطو عن الصدق بقوله إنّ الصدق «فضيلة العقل العملي» (Aristotle, trans. 1998)، وقال سبينوزا: «الحقّ معيار نفسه» (Spinoza, 1677/2009)، وهو ما يلتقي مع رؤية قرآنيّة تجعل من الصدق نظامًا كونيًّا قبل أن يكون سلوكًا فرديًّا.





