عناصر الشعروموضوعاته وأبعاده في ديوان ” لا أحد يكرهني كثيرا “- عبد النبي بزاز

يصدر الشاعر والقاص المغربي عبد القادر محمد الغريبل في ديوانه ” لا أحد يكرهني كثيرا” عن رؤية إبداعية تمزج وتزاوج بين أوضاع وتيمات تنبع من محيطه الخارجي ، وما يعج به من مكونات كسطوح المنازل ، وبعض مستلزماتها مثل حبال الغسيل : ” بارتجاف حبال الغسيل / على أسطح الدور … ” ص5، وهو ما لا يلتفت له ، ويؤبه به شعريا . ولافتات الإشهار التجاري المعروضة على واجهات المتاجر : ” وانتفاض لافتات الإشهار فوق المتاجر … ” ص5، بتصويرها في حلة إبداعية قلما تظفر بها ، وما تحتضنه بعض مرافق هذا المحيط من أرصفة ، وساحات ، وميادين ، ومقاعد حدائق ، ومحطات حافلات … واتخاذ بعض المتشردين والمجانين منها مأوى : ” صارت أرصفة المدينة / ساحات ميادينها / مقاعد حدائقها / محطات حافلاتها / بيتي المعتاد لا مفاتيح لأقفاله … / غير مسيج بأسوار …/ يقيم بين جنباته الواسعة … / أشباهي من المتشردين والمجانين ” ص23 ، إلى جانب امتزاجها من خلال وصف شعري ، بعناصر طبيعية من قِبَل الريح ، والزهور، وأغصان الأشجار : ” للريح نزق / ارتعاد خمائل الزهر / وأغصان الشجر … ” ص5، في لوحة متعددة المكونات عبر إيقاع شعري غني بسياقاته ، وتنقلاته ، وتشكلاته وتشكيلاته . كما تنضاف أطراف أخرى ، تكريسا لثابت التنوع وتجلياته ، مثل الأنعام والطيور : ” حوافر الأنعام / براثن الطيور / تترك آثارها جلية في مسالك الجبل / وشعاب الريف ” ص30، انتقالا إلى ماسح الأحذية ، والحلاق وكل من يعمل على كسب قوت ممزوج ومقرون بإرضاء زبناء متحضرين ، من خلال ما يشي به مظهرهم الموسوم بالأناقة ورفاه عيش من سياح ذوي مستوى رفيع ، وزوار من طبقة راقية . ونساء منهن المطلقة التي تطلي وجهها بمساحيق زينة ، وعلى شفتيها ابتسامة جافة : ” مطلقة بوجه طافح ببثور ملطخ بمساحيق تزيين / وابتسامة باهتة معلقة على وجهها كاليافطة … ” ص20، وابنة الجيران التي تفصلها عنه سنوات ، وافتقارها للحسن والجمال مما زج بها في خوض مغامرات مع من يهتم بمثيلاتها من فئة رجال يتسابقون لاصطياد نزوات عابرة من أجل إشباع نزوات عابرة إرضاء لصبوات تعج بها ضلوعهم المنخورة ، وتنبض بها نفوسهم الطافحة ببوهيمية شهوات رعناء : ” ابنة الجيران التي تكبرني بسنوات / ومغامرات مع رجال بمراهقة متأخرة / ليست جذابة ولا جميلة … ” ص20، عطفا على ذكر نماذج أخرى من محيط الجيران ؛ كمسنة مهتمة بقططها ، ومتقاعد تزعجه قطط جارته العجوز التي تعيث فسادا بنباتات حديقته ، وما تعيشه ،العجوز المسنة ، من عزلة يخفف من وطأتها ما تخصصه من وقت للاعتناء بالقطط ورعايتها خصوصا بعد وفاة زوجها ، والسكير الكهل الذي يرفع عقيرته بغناء ممجوج كلما تعتعه السكر ، ولا يتوانى في الرد بالشتم والسباب على كل منتقد لسلوكه . كما ورد ذكر الشيطان ، وما يتضمنه ذلك من مرجعيات وخلفيات عقدية وأخلاقية : ” إن الشيطان لم يولد هنا / لكنه داعب أفاع خبيثة / في جحورها / وجرذان قذرة / في غيرانها … ” ص14، وعلاقته ، أي الشيطان ، بالأفاعي والجرذان والتي نعتت بأوصاف قدحية مشينة ( خبث وقذارة ) . ومظهر نماذج من الفئات المعوزة ، وما يعتوره من بؤس وعوز ، قد لا يجدون معهم من نقود ما يؤدون به ثمن تذكرة الحافلة : ” هندام متسخ غير متناسق / وجه غير حليق / شعر بلا تصفيف … / مشبوه بلا تذكرة …” ص28، وذكر الشاعر أيضا اسمه متسائلا عمن السيئ ، أهو أم الآخرين ؟ : ” عبد القادر محمد الغريبل / لم أدرك أنني سيء / أم هم سيئون ” ص 40. كما صور ما يطبع المدينة من زحمة يتم تصريفها عبر إيقاع من تسابق ، وتهافت يعكس مدى ما تعيشه ساكنتها من سباق محموم مع الوقت في أفق مواعيد محددة ، ومواقع مضبوطة لا يرحم قطار وتيرتها أي تهاون ،أو سهو، أو تراخ. وتكشف نصوص الديوان عن أوضاع متردية يتخبط فيها كثير من عناصر طبقات المجتمع المعوزة ؛ والمتمثلة في هضم حقوقها ، وتنكر الوطن لها : ” كل بؤساء الدنيا / مواطنون بلا وطن / رعايا دونما حقوق … ” ص10، يعيشون حياة بؤس وقهر وضنك : ” منذرون قسرا للقهر / منساقون عنوة للتعاسة … ” ص10، وأخرى لا تقل معاناة : ” يحيكون أشجان على مقاسك / يحولون الحياة لبيضة فاسدة / لا يدعونك تعيش في دعة / كل الطرق بوجهك مسدودة / فينهار العالم فوق رأسك ” ص27، كما يصور معاناة الساكنة ذات الدخل المحدود مع حياة السكن داخل شقق أشبه بعلب لا تفي بأدنى شروط الحياة ،والراحة ، بين اقتطاعات السلف للمالكين ، وواجب أداء الكراء للمكترين : ” بالمدينة مسوخ الصلب الخرساني / ووحوش الطوب والحجارة / بقوانين الخاصة بهم / أيديهم في جيوب الآخرين / وكل مكتر عبدا طيعا لهم / المستأجرون معلبون في مغاليق أسمنتية / محشورون في رفوف فولاذية … ” ص24، وهي حالة تتحول إلى تحكم قاهر في حياة فئة المأجورين الصغار بما تفرضه من شروط مجحفة مستغلة ظروف عيشهم الضيقة والقاسية .
ولم تخل نصوص المجموعة ، التي غلب عليها الطابع النثري ، من إيقاع تميز بتكرار نفس الحرف لإحداث نبرة داخلية في بعض مقاطع النص وجمله مثل ما نقرأ في نص ” جنون مباغت ” مع حرف الدال : ” أدق وتدا / ووتدا آخر ” ص8، وحرف الحاء والتاء : ” تنتحر / نابحة ….. نائحة ” ص8، وحرف القاف : ” رشفات من جدول رقراق / أو قطرات من مستنقع آسن ” ص 12، مما يشكل نسق إيقاع من تجانس حروف تضفي على النص تناغما يكسر رتابته النثرية ، وآخر خارجي تنتهي به الجملة كالقافية المكونة من النون والألف في قوله : ” مشبعون إيمانا / مقتنعون يقينا ” ص11، وقافية الميم والألف : ” فلينزف دما / ويتوجع ألما ” ص 16، ومن الناحية البلاغية التي استعمل فيها عناصر مثل التشبيه : ” وأنت نقيا كدموع غيمة / طاهرا ككائن نوراني ” ص31 ، من نص ” الأيدي ” باعتماد عناصر التشبيه ( المشبه ، والمشبه به والأداة ) ، وكذلك في نص ” سوء حظي ” حيث يرد : ” ملتصق بي كوجه كريه ” ص 36، والطباق كما في قصيدة ” عصافير ” : ” بين إغفاءة وإفاقة ” ص13 ، وقصيدة ” لمسات أخيرة ” : ” أشرارها في لجة دوامتها / مغرقون / أخيارها في تربة أحشائها / متجذرون ” ص15، حيث تقابل إغفاة إفاقة ، وأشرارها أخيارها .والجناس كما نقرأ في قوله : “لا زالت كما كانت من قبل/ الأرض / تدور وتدور ” ص15، وهو جناس تام . وكلها عناصر تخلع على الديوان جمالية في التعبير ، وعمق في المعنى عبر زخم إيقاعي وبلاغي يؤسس لمكون الشعر داخل متن المجموعة ، ويغني أسلوبه بصور تتشكل وتتوالد باطراد وتوال فتغدو أكثر حضورا في الكثير من المقاطع والعبارات، كما نقرأ في ” أنت قبضة طين مشوي / يتشظى …. ” ص6، في تصوير لطين مشوي يؤول للتشظي والتشتت ، فالطين على شكل قبضة يصير ، في مشهد غريب ، مشويا. وقوله كذلك : ” منذ أن كنت هنا / وأرصفة ضياع تدوسني غدرا ” ص7، فالأرصفة الموصوفة بالضياع لا تفتأ تطأ جسد المتكلم بنية الغدر ، وهو تعبير مجازي تدوس فيه الأرصفة جسد بشر ، وتتضمن الأشجار صفة عذاب تنتأ كعروش في عمق مرايا تتعمد تشويه الوجه ، وتحويله إلى شظايا ، وانخراط ليل، يعاني من الضجر، في الهرولة راميا بغبار يستله من جيوب المتكلم في كل الاتجاهات : ” وليل ضجر يهرول من جيوبي / ينثر غباره ” ص7، وتعتمد الصور كذلك على عنصر الاستعارة التي غدت من خلالها للريح أكف ، وللشجر قفا ، فتصفع الريح بكفوفها قفا الشجر : ” لا شيء بالمرة / إلا كفوف الريح / تصفع قفا الشجر” ص22 .
فديوان ” لا أحد يكرهني كثيرا ” يتضمن عدة ميزات تتوزع على مستوى الإيقاع والبلاغة مما يمنحه صفته الشعرية بشروطها الأساسية ، وثوابتها الراسخة ، وهو ما يؤكد ويتأكد معه مدى تمثل الشاعر لهذه الضوابط والعناصر وبالتالي استثمارها على الوجه الأكمل والأمثل ، وبأفضل صيغة تحولت معها إلى صور متعددة ومتنوعة عكست ما يمتلكه صانع الديوان من مقدرات بارزة على الخلق والابتكار . الشيء الذي تجلى كذلك في الاختيار الأنسب لنماذج من محيطه وتصويرها شعريا خارج ما هو شائع ومألوف ، فضلا عن التيمات العديدة ، والمواضيع المختلفة التي وردت في سياق المدونة الشعرية ، وما أغنت به متنها من بعد دلالي ، وعمق على مستوى المعنى والتعبير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا أحد يكرهني كثيرا ( شعر ) عبد القادر محمد الغريبل / مطبعة بلال ـ فاس 2023.





