درسات نقدية: ريش متناثر للقاص الليبي حسين بن قرين درمشاكي – ا.د حمام محمد.ناقد من الجزائر

د.حمام محمد
متناثر: العنوان كأيقونة للأمل والسرد
إن يبلغ الإبداع منتهاه، فمن الصعب إدراكه.
وإن يبلغ التأويل أيضًا منتهاه، فمن العسير الإشارة إليه، لأنه يظل وراء “ريش متناثر” من آلاف الصور الإنسانية، التي لا أناقشها هنا، بل سأذهب إلى السرد الأدبي وأشكاله، ثم أناقش جوهر المسألة الاستنطاقية التي تركت القاص ينبض دون توقف.
تعتريني رعشة العنوان حين أجد ريشًا متناثرًا؛ فإما أن المعركة كانت حامية الوطيس بين سراديب أفلام الكاوبوي، وإما أن هناك ضيفًا ذُبح له طير دجاج.
كل الأجنحة أمل وحياة وطيران، ورغم انتثارها على الأديم، تبقى تحرّك ملايين الأفكار نحو أمل مرسوم بعدد الأرياش.
العنوان في حد ذاته دائرة وأيقونة مرجعية، أنبأ عليها سرد “بن قرين خرمشاكي”، ولونها بأطراف وحيثيات حكايته
• تعرجات السرد نحو الترقب
أحيانًا لا نقول أشياء نظن أننا قلناها، وهو أمر صعب للمرة الثانية، خاصة حين يكون على شاكلة خرمشاكي؛ إذ تتنبأ له بألف قضية من القصص التي يبنيها على محمول اللغة وسياقاتها المتحركة، وتبريرات سلوكات شخوصها وأفعالهم..
• الشخوص بين الحنية والحمية
اليدان الكبيرتان وهما تلفّان اليد والمعصم المرتجف قد أعياهما الكبر، والفوبيا من الترقب.
الصوت كان بلون الفراغ الصامت، وكان الإنسان يترقب مصيرًا لا يقوى على إدراكه مرة واحدة بلغة التثقيف التي يمتلكها المتفاني،الحركة هنا موفقة: يد تحاصر معصمًا مرتجفًا، ونظرة إلى أفق صامت، دون أن يتجرأ بكلمة واحدة. ألزم القاص طائره في عنقه، وأجّل كلامه في صمت باهت لا يعلمه إلا الراسخون في التفسير،لم أستعمل التأويل منذ البداية، لأنه في لغة درمشاكي صعب الإدلال به، إذ يفضي إلى أعاجيب من الطروحات قد تستنفد بياض الورق الافتراضي وتدكه في قرار مكين.
ينطق الراوي بأنه سيضع حدًّا لذلك العراك الجسمي الذي لن يعود، لأنه أنقذه من مطبّ ربما كان مصابًا.
• عودة إلى تميم
لا يزال الانتعاش في جسد “تميم”؛ اسمٌ عربي له مقاصد الصبر والفروسية، ولنا في بني تميم مسارات في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، يعود الأب إلى تميم ويرخي بابتسامة البدوي المسامح، وعينه تحدق فيه بوازن الثقة.
كان الوقت والركن جماليةً فيهما نوع من سماحة المتبدي في بلاد الرمال.
ثم يعود إلى ليله، فيرى تصاوير كلها أحلام متنورة، مزجت بين الطلع والتموقع، وكانت الغرفة مُحرزة الدنيا ومبانيها ومعانيها ومآسيها، المتوحشة منها والبريئة.
• الرؤية من الداخل
نظر إلى العالم من نقطة نظر أسماها حنا مينه “رؤية العالم من الداخل”، وأحسها جسديًا، وتذوق بعض الدفء فيها، دون أن ينسى بعضًا من الثقة في الدنيا.
لكن الفوبيا علمته أن الدنيا مرايا موحشة، كما هي أحداث وانفعالات لطالما آنسَت ببهاراتها إنس المكان، ينهيها القاص بـ”ريش متناثر”، لم يكن إلا ترجمة للفقر الذي لا يرحم، وللضعف الذي لا يرحم،لكن الفجر يزحف، وكم في الفجر من تجليات، فهو يوم جديد.
قصك أيها المبدع مشمّخ بلغة عربية فذّة، وتبريرات لأفعال عن ذكاء، حتى لا يبقى للسرد بتر.،أحيي فيك اللغة المتوالدة والمتناصّ الحقيقي.
في الأخير، يتميز درمشاكي بأسلوب قوي، من حيث اللغة والدلالات.
النص
ق.ق.ج / ريش متناثر
غمرت يدان كبيرتان يده المرتجفة. نبرة واثقة ملأت الفراغ: “لن يتكرر ذلك الهجوم. أعدك.”
سرى ارتعاش دافئ في جسد تميم، من يده إلى أطرافه. ابتسامة شقت شفتيه، عيناه تحدقان في عيني سيده. أغلق عينيه للحظة، استنشق الهواء، ثم قال بصوت هادئ ومتقطع: “أثق بك.”
طوال الليل، كانت عيناه المجهدتان تتبعان خطوطًا متحركة على شاشات المراقبة الباردة. كوب القهوة فارغ، والفجر يزحف ببطء شديد، وهو ينتظر بقبضة مشدودة.
حين غمر أول خيط من ضوء الشمس الغرفة، لم تكن هناك طائرات سوداء في الأفق. إنما عواءات وحشية تملأ القفراء المجاورة، وصور أجساد ممزقة تلطخ شاشات الرعاة، ولم يبقَ من القطيع سوى ريش متناثر.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي





