متاهة التفاهة / سميرة جدي -الجزائر

في البداية، كانت التفاهة تأتيه خفيفة، في مقطع لا يتجاوز عشرين ثانية، فيضحك وينتقل إلى غيره. ثم صارت عشرين مقطعا…. ثم مئتين.
ثم أصبح الصمت نفسه يسبب له الإزعاج.
كان يضع سماعاته قبل أن يفتح عينيه، ويتفقد هاتفه قبل أن يتفقد وجه أمه، ويعرف ما حدث في حياة أشخاص لا يعرفهم أكثر مما يعرف ما يحدث في بيته.
كان واحدا من الملايين الذين يدخلون الشاشة بحثا عن شيء صغير: نكتة، فضول، هروب من الملل.
لكن المتاهات لا تبدأ بجدران عالية. قد تبدأ بخطوة صغيرة لا تشعر بها.
كان سامر طالبا عاديا، له أحلام عادية أيضا… أراد أن يكتب يوما.
يقرأ كثيرا، يناقش معلميه، ويحتفظ بدفتر أسود يدوّن فيه أفكاره.
ثم اكتشف أن الأفكار الطويلة لا تحظى بالاهتمام.
أما التفاهة، فكانت تطير.
مقطع لشخص يسقط: مليون مشاهدة، مشاجرة مصطنعة: مئات الآلاف.
إهانة عابرة: آلاف التعليقات.
أما نص كتبه بعد ليلة كاملة من التفكير، فلم يقرأه سوى ثلاثة أشخاص.
بدأ السؤال يتسلل إليه.
لماذا أتعب نفسي إذا كان الناس لا يريدون إلا الأسهل؟
كان ذلك أول باب لولوج المتاهة.
بدأ يختصر كل شيء…. اختصر الكتب إلى عناوين. والأفكار إلى جمل.
والنقاشات إلى تعليقات والناس إلى صور والنجاح إلى عدد المتابعين… حتى الإنسان نفسه صار عنده عبارة عن رقم.
ذات يوم، اقترح عليه صديقه أن يصنع محتوى، قال له: لا تحتاج إلى موهبة كبيرة. تحتاج فقط إلى شيء يجعل الناس يتوقفون عندك.
ضحك سامر: مثل ماذا؟
أجابه: أي شيء.
وكانت كلمة «أي شيء» أخطر مما بدت… فبدأ بمقاطع ساخرة ثم بمقالب جريئة ثم بالسخرية من زملائه.
تطور الأمر حتى غدى يصور خلافات عائلية صغيرة ويحولها إلى مادة للضحك
في البداية كان يشعر بالخجل لكنه سرعان ما اعتاد ذلك.
ثم صار يبتكر ما هو أكثر صدمة دون أن يسأل نفسه: هل ما يقوم به صحيح؟
بل: هل سيجلب المشاهدات؟
ولم يسأل: هل هذا محترم؟
بل: هل سيصبح حديث الناس؟
شيئا فشيئا، تغير ميزان الأشياء في رأسه ولم يعد يميز بين القيمة والانتشار بل صار يظن أن كثرة التصفيق دليل على صحة ما يقوم به إلى أن أصبح قدوة زملائه في المدرسة فقلدوه.
انتشرت عباراته…ضحكاته. حركاته حتى طريقته في إهانة الآخرين التي كانت تشعره بالفخر
لكنه لم يلاحظ أن شيئا آخر كان ينتشر معه فلم يعد أحد يصبر على درس طويل
ولا على حديث جاد…ولا على كتاب يحتاج إلى أسبوع.
صاروا يريدون كل ما هو سريع: ضحكة سريعة… حكم سريع… غضب سريع… حب سريع
وكراهية أسرع.
مرت الأشهر وأصبح سامر مشهورا لكن شهرته بدأت تفرض عليه شروطها:
كلما نشر شيئا جادا، انخفض التفاعل وكلما أثار فضيحة، ارتفع.
فبدأ الجمهور، دون أن يعرف، يسديه النصيحة وهو، دون أن يشعر، يسدي الجمهور النصيحة حلقة مغلقة هو يعطيهم ما يريدون وهم يطلبون منه المزيد.
وفي ليلة، نشر مقطعا تجاوز كل ما فعله سابقا، كان قاسيا، مهينا، ومصمما ليصدم الناس
حقق ملايين المشاهدات، انهالت التعليقات وارتفع اسمه في قائمة الأكثر تداولا
فجلس أمام الشاشة سعيدا حتى وصلته رسالة واحدة من أخته الصغيرة:
«لم تعد الشخص الذي كنت أحبه»
توقف قرأها مرة ثم ثانية، أغلق المحادثة… فتح التعليقات حيث آلاف الرسائل
ضحك، لكنه لم يشعر بالنشوة ذاتها هذه المرة.
في اليوم التالي، حاول أن يكتب شيئا من عنده، جلس أمام الورقة… كتب جملة…شطبها
كتب أخرى…. شطبها. وهكذا حتى اكتشف أنه لم يعد يعرف كيف يبدأ.
كانت الكلمات في رأسه كثيرة، لكنها مستعارة …عبارات مرت على مسمعه…
آراء قرأها …نكات حفظها…غضبا التقطه من شخص وثقة أخذها من آخر.
كان داخله مزدحما بالجميع….
إلا بشخصه كسامر.
بدأ يلاحظ شيئا مخيفا: كلما أراد أن يكوّن رأيا، تذكر أولا ما قاله الناس
كلما أعجبته أغنية، بحث عن عدد مشاهداتها، …كلما قرأ كتابا، فكر إن كان يمكن تحويله إلى مقطع قصير.
حتى أحلامه بدأت تتغير.
لم يعد يحلم بأن يصبح كاتبا.
كان يحلم بأن يصبح ترندا.
لم يعد يريد أن يصنع شيئا عظيما
كان يريد أن يُحول إلى رقم في منصات.
وهنا فهم أنه لم يدخل إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليعرض شخصيته.
لقد دخل إليها، دون أن ينتبه، لتصنع له شخصية.
قرر أن يختفي أسبوعا…في اليوم الأول شعر بالاختناق وفي الثاني بالغضب، ثم بالفراغ في اليوم الثالث.
وفي الرابع، بدأ يسمع أشياء لم يكن يسمعها من قبل.
صوت أبيه في الغرفة المجاورة … ضحكة أخته…صوت المطر في الشرفة…
صوت أفكاره.
كانت أفكاره في البداية متقطعة ومشوشة ثم بدأت تستعيد ترتيبها.
فتح دفتره الأسود القديم وجد فيه جملة كتبها قبل سنوات:
«أخشى أن يأتي يوم أمتلك فيه القدرة على الكلام، ولا أجد ما أقوله.»
جلس طويلا ثم فهم: لم تكن المشكلة أن العالم صار أكثر تفاهة
فالتفاهة كانت موجودة في كل وقت.
المشكلة أنه سمح لها أن تصبح المقياس الذي يقيس به كل شيء
بعد أسبوع، عاد إلى المنصات الالكترونية.
لم يحذف حسابه ولم يعلن حربا على مواقع التواصل ولم يعتزل النشاط.
فقد أدرك أن المشكلة ليست في الشاشة وحدها …المشكلة في الإنسان حين يسلم لها حق اختيار ما يضحكه، وما يغضبه، وما يعجبه، وما يكرهه، وما يطمح إليه.
نشر مقطعا واحدا: لم يكن مضحكا ولا صادما ولا مصمما لجذب الانتباه.
كتب فيه:
*ليس كل ما ينتشر يستحق أن يبقى، وليس كل ما يضحكنا بريئا، وليس كل ما يملأ وقتنا يستحق أن يملأ عقولنا*
انتظر…. ظهرت التعليقات قليلة بعضهم سخر منه.
بعضهم طالبه بالعودة إلى محتواه القديم.
وبعضهم قال: لقد تغيرت.
قرأ العبارة الأخيرة وابتسم لكن هذه المرة لم يخش شيئا.
فقد عرف أخيرا أن أخطر ما في المتاهة ليس أن تضيع فيها…
بل أن تصل إلى مرحلة تخاف فيها من الخروج، لأنك لم تعد تعرف من تكون وأنت خارجها.



