رماديّ آيلٌ للسواد / سميرة جدي -الجزائر

لم يكن حزينًا ليبكي، ولا سعيدا ليبتسم. كان عالقًا في منطقة رمادية لا تعرفها الألوان، تتسلّل إلى روحه ببطء، حتى صار يرى العالم من خلالها؛ الوجوه باهتة، والأحاديث متعبة، والغد نسخة مؤجلة من يومٍ لم يستطع احتماله.
ينهض كل صباح كمن يُستدعى إلى محاكمة لا يعرف تهمتها. يغسل وجهه، يرتشف قهوته الباردة، ثم يجلس أمام النافذة يراقب المارة وهم يمضون إلى أعمالهم، ويتساءل كيف يستطيع هؤلاء أن يخطوا بهذه الخفة، بينما يشعر هو أن الأرض تزداد ثقلًا تحت قدميه.
لم يكن ينقصه شيء يمكن قوله. وظيفة مستقرة، بيت يأويه، وأشخاص يسألون عنه من حين إلى آخر. لكنه كان يحمل في داخله هوة لا تملؤها الأشياء، وفراغًا كلما حاول تجاهله اتسع، كأن روحه تتغذى على ما يسلبها الحياة.
في البداية، كان يبرّر انطفاءه بالتعب، ثم بالظروف، ثم بطباع الناس. وبعد ذلك، لم يعد يحتاج إلى سبب؛ صار عقله مصنعًا صغيرًا للمصائب، ينتجها حتى في الأيام التي تمرّ بسلام.
إذا تأخر عنه صديق، أقنع نفسه بأنه لم يعد مرغوبًا فيه. وإذا أخطأ في كلمة، ظلّ يعيدها في مخيلته حتى يحوّلها إلى دليل على فشله. وإذا ضحك في مجلس، عاتَب نفسه حين يعود إلى غرفته، كأن الفرح زلّة لا تليق برجل اعتاد الحزن.
وكانت المفارقة أنه لم يعد يكتفي بتعذيب نفسه؛ أخذ يوزّع عتمته على الآخرين دون أن يشعر.
ذات مساء، اتصلت به أخته تخبره أنها نجحت في مسابقة انتظرتها طويلًا. كانت تتحدث بحماسة، وتنتظر منه كلمة تليق بفرحتها، لكنه قاطعها قائلًا:
لا تفرحي كثيرًا، فالأشياء الجميلة لا تدوم
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
. كنت أريدك أن تفرح معي فقط
أغلق الهاتف، وعاد إلى كرسيه. لم يشعر بالذنب؛ أقنع نفسه بأنه أكثر واقعية منها، وأنه يحميها من الخيبات المستقبلية. كان يفعل ذلك دائمًا: يمنح تشاؤمه اسم الحكمة، وخوفه اسم الحذر، وعجزه عن المحاولة اسم القناعة.
ومع مرور الأيام، بدأت المقاعد حوله تخلو. لم يعد أصدقاؤه يطيلون الجلوس معه، وصارت أخته تختصر مكالماتها، حتى أمّه، التي كانت تعرف كيف تنتزع منه ابتسامة صغيرة، باتت تكتفي بوضع الطعام أمامه ثم تنسحب بهدوء.
اتهمهم جميعًا بالتخلّي عنه، قال في نفسه إن الناس لا يحبون إلا السعداء، وإنهم يهربون من المتعبين لأنهم لا يحتملون رؤية الحقيقة. ولم يخطر له أن بعضهم كان يحاول الاقتراب منه، لكنه كان يستقبل كل يد ممدودة كأنها اتهام، وكل نصيحة كأنها إهانة، وكل محاولة لإضحاكه كأنها استخفاف بما يشعر به.
في إحدى الليالي، انقطعت الكهرباء عن الحي. غرق البيت في ظلام كثيف، وأضاء هاتفه للحظات برسالة من أخته:
أخي، أعرف أنك لست بخير. لا أطلب منك أن تتظاهر بالسعادة، لكن لا تجعل حزنك يقنعك بأننا أعداؤك. أنا هنا، حتى لو لم تعرف كيف تطلب مني البقاء.
قرأ الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها. شعر بشيء يتحرك في صدره، لكنه سارع إلى مقاومته. أخبر نفسه أن رسالتها كانت من منطلق الشفقة عليه، وأن كلماتها لن تغيّر شيئًا، وأنه يعرف نهايات الأشياء قبل أن تبدأ.
وضع الهاتف مقلوبًا، كأنه يستطيع بذلك إسكات ما أيقظته الرسالة في داخله.
غير أن كلماتها بقيت معلّقة في الغرفة، تنافس أفكاره السوداء للمرة الأولى.
عند الصباح، خرج إلى الشرفة. كان المطر قد غسل الشارع، وبدت الأشجار أكثر اخضرارًا من الأمس. لم يشعر بالسعادة، ولم يختفِ الثقل الذي في صدره، لكنه لاحظ عصفورًا يقف على حافة النافذة، ينفض الماء عن جناحيه ثم يحاول الطيران.
راقبه طويلًا.
قال في نفسه إن العصفور سيبتلّ مجددًا، وإنه قد يسقط، وإن السماء لن تظل صافية. كادت عادته القديمة تنتصر، لكنه توقّف عند فكرة صغيرة لم يألفها: وماذا لو طار، رغم كل ذلك؟
لم تكن الفكرة خلاصًا، ولم تُعد إليه ما أفسده الحزن في علاقاته، لكنها كانت أول سؤال لا ينتهي إلى حكمٍ عليه أو على العالم.
في ذلك اليوم، اتصل بأخته. لم يخبرها أنه أصبح بخير، ولم يعتذر بخطبة طويلة. قال فقط: هل يمكن أن تأتي؟ أحتاج إلى الحديث، ولا أعرف من أين أبدأ.
جاءت.
جلسا متقابلين، وظلّ صامتًا وقتًا طويلًا قبل أن يعترف بأنه لم يعد قادرًا على احتمال أفكاره، وأنه صار يخاف من كل شيء، حتى من الأشياء التي يتمنّاها. لم تحاول أن تقنعه بأن الحياة جميلة، ولم تطلب منه أن يبتسم. استمعت إليه، ثم اقترحت عليه أن يطلب مساعدة مختص، وأخبرته أنها سترافقه إن أراد.
لم يتحوّل الرمادي إلى أبيض في تلك اللحظة. ظلّ بعض السواد عالقًا في زوايا روحه، وظلّت الأيام تتفاوت بين ثقيلة وأشدّ ثقلًا. لكنه بدأ يفهم، ببطء، أن ما يشعر به ليس حقيقة العالم كلها، وأن صوته الداخلي، مهما بدا واثقًا، ليس دائمًا صوت الحقيقة.
وبعد أسابيع، مرّ أمام نافذة متجر تعرض معاطف بألوان مختلفة. توقّف عند معطف أزرق داكن، وتأمله طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم يعرف سببها تمامًا.
لم يشترِ المعطف.
لكنه، للمرة الأولى منذ زمن، لم يقل إن الأشياء الجميلة لا تدوم.
كان لا يزال رماديًّا، نعم، لكنه لم يعد مستعدًّا لأن يترك السواد يختار عنه لون الغد.



