يَاعَاقِدَ الحَاجِبَيْنِ/سوزانه زين الدين

حين هزم الهوى كبرياء القلب
يا عاقدَ الحاجبين، رفقًا بقلبٍ ما اعتاد يومًا أن يبوحَ هواهُ، ولا أن يمدَّ إلى الغرامِ يدًا، حتى رآكَ، فألقى كبرياءه عند بابِ لقاكَ.
ما كنتُ أحسبُ أن قلبي ينحني، أو أنَّ صمتي يستحيلُ حكايةً، حتى رأيتُ العمرَ يلمعُ في عينيكَ، ووجدتُني أُصغي إلى نبضي كأنني أسمعُه للمرة الأولى.
أتيتَ عابرًا في دربِ أيامي، فإذا الطريقُ يطولُ حين تغيبُ، وإذا المسافاتُ التي لم ألتفتْ إليها يومًا تضيقُ حين أفتقدُ خُطاكَ.
ظننتُ أنك عابرٌ في خاطري، وأنَّ قلبي لن يطيلَ مقامَكَ، حتى غدوتَ النبضَ في صمتي، والسؤالَ الذي أُخبِّئه، والوجهةَ التي يمضي إليها اشتياقي كلما ضلَّ الطريقُ.
أنا التي عاهدتُ قلبي ألّا يُسلِّمَ مفاتيحَهُ للريح، وألّا يستبيحَ هدوءَهُ وهمٌ يجيءُ ثم يمضي، فكيف صرتُ أمام عينيكَ امرأةً تُخفي اشتياقًا وتفضحُها التفاصيل؟
أخفيتُ شوقي خلف وجهٍ هادئٍ، وأقمتُ بيني والحنينَ حواجزًا، لكنَّ قلبي، كلما ناديتُهُ كي يستريحَ من الهوى، كتبَ اسمَكَ، ومضى إليكَ.
يا من أقمتَ بمهجتي دون استئذان، هل كنتَ تدري كم أخفيتُ من الحنين؟ وكم مرّةً أخفيتُ صوتي كي لا يُفصحَ ارتجافُه عني، وكم مرّةً قلتُ: إنني بخير، وكان في داخلي حديثٌ لا تسعُهُ الكلمات؟
أنتَ الدواءُ إذا أرهقني الأسى، وأنتَ سؤالُ القلبِ حين يطولُ ليلُه. وبين شوقٍ يستفزُّ مشاعري وخوفٍ من الأوهامِ يسرقُ طمأنينتي، أمضي، وفي صدري اعترافٌ مؤجَّلٌ، لو أنَّ صمتي يستطيعُ رواهُ لأخبرَكَ بما أخفيه.
يا عاقدَ الحاجبين، أما علمتَ أنَّ اقترابَكَ صار يعني لي الكثير؟ وأنني لا أبتغي منكَ المعجزات، ولا أريدُ من الزمانِ وعودَهُ، لكنني أرجو حضورًا صادقًا، وقلبًا إذا ضاقت بنا دروبُنا لم يستبدلْ بالوفاءِ غيابَهُ.
أريدُ حبًّا لا أفتِّشُ في يديهِ عن غيابٍ يتخفّى في الحضور، ولا أُراقبُ في المساءِ خطاهُ، ولا أُعيدُ قراءةَ الصمتِ الطويل لأستدلَّ على الذي يخفيه.
أريدُ حبًّا حين يتعبُ عمرُنا نجدُ الأمانَ على ضفافِ يدَيهِ، حبًّا إذا مالت بنا الأيامُ كان الصدقُ أوّلَ ما نلوذُ به، وكان الوضوحُ جسرَنا حين تتعبُ المسافاتُ من طولِ العبور.
فأنا التي لم ينحنِ قلبُها إلّا لصدقٍ يستحقُّ مكانَهُ، وإذا أحبَّتْ، لا تبيعُ كرامةً، ولا تستبدلُ ذاتَها برضاكَ.
سأظلُّ أعشقُ، لا لأنَّ الحبَّ يأمرني بأن أنسى حدودي، بل لأنَّ القلبَ حين يحبُّ يظلُّ وفيًّا، دون أن يغدو أسيرًا للانتظار.
إن جئتني، فتعالَ بقلبٍ صادقٍ، يعرفُ بأنَّ الودَّ مسؤولية، وأنَّ المشاعرَ لا تُصانُ بالوعود، بل بالمواقفِ حين يمتحنُ الزمانُ صدقَ القلوب.
وإن افترقنا، سيبقى من حكايتنا قصيدٌ، وسيظلُّ في لغتي صدى خطواتِكَ، لا ندمًا على حبٍّ عشتُهُ، بل اعترافًا بأنَّ بعضَ اللقاءات تتركُ في أعماقنا أثرًا لا يمحوهُ الغياب.
يا عاقدَ الحاجبين، يا سرَّ هذا القلبِ حين تكلَّما، مررتَ عابرًا، فصرتَ قصيدتي، وغدوتَ في لغةِ المشاعرِ مُلهِمي.
وإذا سألتَ الشعرَ يومًا عن حكايتنا، فقلْ له: كانت امرأةً تهابُ انكشافَ قلبِها، حتى أتى وجهٌ فأربكَ صمتَها، لكنَّها، رغم اشتياقِ الروحِ، لم تنسَ يومًا كرامتَها.



