دمعة عابرة في مقهى الحافة /عبدالقادر كلول/ المغرب

لم تكن اللحظة لحظة حزن، ومع ذلك، شعرت بانقباضة قلق غامضة تسري في داخلي. كنت جالسا أتأمل منظر الغروب من مقهى الحافة، على ضفة المتوسط. كانت النوارس تتغزل ببعضها في سماء المدينة، وكنت وحيدا بلا رفيق، عيناي لا تبارحان حركاتها الرشيقة، وأذناي لا تسمعان إلا صفيرها وهي تعبر عن سعادتها في الفضاء.
لست أدري كيف تسللت دمعة ساخنة من بين رموشي؛ هل ذكرني غروب الشمس بلحظة ما مرت من حياتي، أم أن منظر النوارس أعاد إلي ذكرى جميلة دفنها القدر في مقبرة النسيان؟ الوحدة يا رفاق لا تمهل المرء ليرتب مشاعره، تسحب البساط من تحت أقدامنا، وتهدينا قربانا لسطوة اللحظة، حيث لا نملك إلا الرضوخ.
لم أجد، في تلك اللحظة، يدا تمتد إلي لتنتشلني من ازدحام الأفكار، ولا صوتا يربت على كتفي ويقول لي إن الأمر لا يستحق كل هذا الوجع. كنت أراقب الشمس وهي تودع المدينة على مهل، كأنها تتردد في الرحيل، وكأنها تعرف أن في بعض القلوب عتمة لا تبددها الأنوار، وأن بعض الغروب لا يحدث في السماء، بل في عمق أعماقنا.
رفعت رأسي إلى الأفق، حيث كانت آخر خيوط الضوء تتلاشى في زرقة المتوسط، وتساءلت: كم من الحكايات تنتهي بصمت، وكم من الوجوه تغيب دون أن نملك شجاعة الاعتراف بأن غيابها ترك فينا فراغا لا يملؤه أحد؟ وكم من الذكريات نظن أننا تجاوزناها، فإذا بها تنهض من سباتها عند أول إشارة، كأنها لم ترحل يوما، وكأن الزمن لم يفعل سوى أن أخفاها خلف ستار رقيق، ينتظر لحظة غفلتنا ليزيحه من جديد.
أخرجت هاتفي من جيبي، ثم أعدته. لم أكن أرغب في إجراء مكالمة، بقدر ما كنت أبحث عن شيء يشغل يدي عن ارتجافة خفية، وعن حركة صغيرة تقطع حبل التفكير الذي شدني إلى أماكن بعيدة، وأزمنة ظننت أنني تركتها خلفي إلى الأبد. لكن الذاكرة لا تعترف بالمسافات، ولا تحترم الحدود التي نرسمها بينها وبين حاضرنا؛ إنها تأتي متى شاءت، وتجلس إلى جوارنا دون استئذان، ثم تفتح دفاترنا القديمة، وتقرأ علينا ما حاولنا نحن نسيانه.
كانت مقهى الحافة تضج بأصوات الزبائن كالمعتاد، وبحركة النادل الذي يتنقل بين الطاولات، وبأحاديث عابرة لا تعني لأصحابها شيئا، لكنها بدت لي بعيدة، كأنني أجلس خلف زجاج سميك يفصلني عن العالم. تأملت الوجوه من حولي، ورحت أتخيل الحكايات التي تخفيها؛ ذاك الذي يضحك ربما يخفي حزنا لا يجرؤ على البوح به، وتلك التي تحدق في هاتفها ربما تنتظر رسالة طال غيابها، وذاك الرجل الذي يجلس وحيدا مثلي، لعل بين ضلوعه وطنا صغيرا فقده ولم يهتد بعد إلى طريق العودة إليه.
أدركت حينها أن الوحدة ليست أن تجلس بمفردك، بل أن تعجز عن العثور على من يفهم صمتك حين تضيق الكلمات، وأن تحيط بك الوجوه من كل جانب، بينما تشعر بأنك غريب عن الجميع، حتى عن نفسك أحيانا. قد نعيش بين أهلنا وأصدقائنا، نتبادل الضحكات ونشارك الآخرين تفاصيل أيامنا، ثم تأتي لحظة خاطفة فنكتشف أن في أعماقنا غرفة موصدة لا يملك أحد مفتاحها، وأننا مهما حاولنا شرح ما نشعر به، ستظل بعض الأحاسيس تحتاج إلى أكثر من ترجمان.
ومع ذلك، لم أنزعج من تلك الدمعة التي خانت كبريائي وانسابت على خدي. تركتها تمضي في طريقها دون أن أمسحها على عجل، فقد بدا لي أن البكاء ليس دائما علامة انكسار، وأن القلب الذي يفيض بما يختزنه من حنين لا يحتاج إلى من يلومه، بل إلى لحظة صدق يعترف فيها بتعبه، دون خوف من نظرة عابرة أو حكم قاس.
حل المساء، وانطفأت آخر شعلة في الأفق، وعادت النوارس إلى أعشاشها بعدما أودعت السماء أسرار يومها. نهضت من مكاني، ألقيت نظرة أخيرة على البحر، ثم مضيت في كورنيش المدينة بخطوات بطيئة. لم يتغير شيء في المكان؛ المقاهي هي المقاهي، والطرقات هي الطرقات، والناس يمضون إلى وجهاتهم المعتادة. وحده شيء في داخلي بدا مختلفا، كأن تلك الدقائق القليلة نزعت عن روحي غبارا تراكم عليها دون أن أشعر.
وفي طريقي، قلت لنفسي إننا لا نحتاج دائما إلى تفسير أحزاننا، ولا إلى العثور على سبب واضح لكل دمعة. أحيانا يكفي أن نعترف بأننا بشر، وأن في داخل كل واحد منا حكاية لم تكتمل، ووجها لم يغب تماما، وحلما ما زال يطرق أبواب الذاكرة، حتى بعد أن أقنعنا أنفسنا بأننا نسيناه.
فالوحدة يا رفاق ليست دائما عدوا ينبغي أن نهرب منه، فقد تكون مرآة تضعنا وجها لوجه أمام أنفسنا، وتكشف لنا ما أخفاه صخب الحياة. لكنها، حين تطول، تتحول إلى منفى صامت، نتعلم فيه كيف نبتسم بأفواهنا بينما تظل أرواحنا معلقة عند عتبة انتظار قديم.
عدت إلى بيتي تلك الليلة، أحمل معي دمعة لم أفهم سرها، وصورة غروب لن أنساها، وسؤالا ظل يرافقني حتى آخر الليل: هل نبكي لأننا فقدنا أشياء أحببناها، أم لأننا، في لحظة صفاء نادرة، نكتشف أن شيئا منا قد بقي هناك، في مكان بعيد، ينتظر عودتنا؟
ولعل أشد أنواع الحنين قسوة أن تشتاق إلى نفسك كما كنت يوما؛ إلى قلب كان يفرح لأبسط الأشياء، وإلى روح لم تكن تخشى الغد، وإلى أيام كنت تعيشها دون أن تعرف أنها، حين تمضي، ستصبح ذات يوم أجمل ما تتمنى استعادته.
فبعض الغروب لا ينتهي حين تختفي الشمس، وبعض الدموع لا تجف حين نمسحها، وبعض الحكايات لا نطوي صفحاتها مهما ابتعدنا عنها؛ لأنها ببساطة لم تعد مجرد ذكريات نحتفظ بها، بل أصبحت جزءا منا، نمضي بها حيثما مضينا، ونحاول، كلما أرهقنا الحنين، أن نتظاهر بأننا بخير.



