كاميرا/أيمن عبد الحميد الوريدات – الأردن

كانت فرحته تعانق السّماء حين عاد أخوه ذات صيفٍ من السفر جالبا معه هدية هي الأثمن في حياته، كانت عبارة عن كاميرا من ماركة ( ياشيكا)، لم ينتظر حتّى الصباح ليُخبر أصدقاءه وبعض جيرانه في الحارة عن الهدية، كان يتحدّث عنها بزهو وفخر وكأنه هو من صنعها، وممّا قاله: تصويرها واضح جدا، ألوانها كأنها طبيعية، تصوّر من مسافة بعيدة و….
في اليوم التالي وعد أصدقاءه المقرّبين بأنْ يضع فيها فيلما ويصوّرهم جميعا حين يذهبون إلى وسط البلد نهاية الأسبوع القادم، ولكّنه شرّط عليهم بأن يكون تحميض الفيلم وطبع الصور على حسابهم، وافقوا والفرحة ترافقهم.
ذهب إلى أستوديو الحي ووضع فيلما من قياس ستّ وثلاثين صورة، وجرّب الكاميرا بصورتين أو ثلاثة أحدها لوالده، وأغلق الكاميرا إلى حين رحلة الغد إلى وسط البلد، كان يتخيّل الأماكن الّتي سيلتقط فيها صوره وصُور أصدقائه، عند الجامع الحسيني، أمام محل الحلويات، وهم جالسون على طاولات محلّات الكوكتيل، قريبا من مكتبة الأمانة، في المدرج الروماني وغيرها.
في يوم الرحلة التقطوا الصور المتبقية وعددها ثلاثة وثلاثون صورة، كانت صورا رائعة مُفعمة بالحياة، عادوا من وسط البلد مساء، وظلّوا متّجهين إلى الأستوديو لتسليم الفيلم لتحميضه وطباعة الصور، ولم يَفُتهم أن يسألوا صاحب الأستوديو عن أسعار البراويز ليضعوا الصور فيها، سلّموا الفيلم، وعدهم بأن يستلموا الصور بعد يومين فهو يحمّضها في المدينة وليس عنده، فهو وسيط فقط، ذهب خمستهم لاستلام الصور، لم يكن وجه صاحب الأستوديو يوحي بخير، كان متجهّما، وملامحه لا تُريح، بادره صاحب الكاميرا: آه إن شاء الله الصور جاهزة؟
بلع صاحب الأستوديو ريقه، وردّ السؤال بسؤال: هل فتحت الكاميرا على الفيلم قبل أن تُعطيني الكامير هنا في الأستوديو؟ سكت لحظة ثم أجاب: نعم، بعدَ أن انتهيتُ من التصوير.
ردّ صاحب الأستوديو: هذه هي المشكلة، الصور كلّها محروقة، الفيلم انحرق من الشمس لمّا فتحت الكاميرا، الله يعوّض، وأنا مسامحك بالأجرة.
سكت الجميع وكأنّ القط قد ابتلع ألسنتهم، ثم تمتم بعضهم بكلام غير مفهوم، قال للمصوّر: الله يسامحك لو قلتَ لي لا تفتح الكاميرا، لو لو … التقط لهم مصوّر الأستوديو صورة جماعية تعويضا عن خسارتهم للحظاتهم الحلوّة في وسط البلد.
في الطريق ظل الأصدقاء يتظرّفون عل صاحب الكاميرا : يا بو العُرّيف، يا مصوّر يا فنان، ارجعوا للخلف الصورة تطلع حلوة، اضحك تطلع الصورة حلوة، ( ياشيكا آه ياشيكا!!)، عادوا أدراجهم لزقاق الحي وهم يضحكون ويردّدون: أحلى وأجمل كامير هي ( ياشيكا).



