اصَواْتُ السُّوقِ بَيْنَ أَنْثْرُوبُولُوجِيَا الصَّوْتِ وَالتطورات التقنية الرقمية/ا.د حمام محمد

يَتَوَعَّدُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَوْمًا مُحَدَّدًا فِي الْأُسْبُوعِ، بِزِيَارَةِ الْأَسْوَاقِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَبِتَسْمِيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَكِنَّ مَا يُمَيِّزُهَا اشْتِرَاكُهَا فُونُولُوجِيًّا فِيمَا يُسْمَعُ فِيهَا مِنْ أَصْوَاتٍ مُبَرْبَرَةٍ، تَكَادُ تَكُونُ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ. وَلَكِنْ، مِنَ النَّاحِيَةِ الْأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةِ، يَظْهَرُ أَنَّهَا ضَارِبَةٌ فِي التَّارِيخِ مُنْذُ عُهُودٍ غَابِرَةٍ، ذَلِكَ أَنَّ حِمَايَةَ الصَّوْتِ وَالصُّرَاخِ الْإِنْسَانِيِّ قَدْ رَافَقَتِ الْأَلَمَ وَاللَّذَّةَ، وَجَعَلَتْ بَيْنَهُمَا قَوَاسِمَ مُشْتَرَكَةًوَأَنْثْرُوبُولُوجِيًّا، مَا نَوَدُّ الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ هُوَ ذَلِكَ الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ مِنْ بَعِيدٍ، قَبْلَ دُخُولِ السُّوقِ. هَلْ فِيهِ مُمَيِّزَاتٌ أَوْ خَصَائِصُ؟ وَمَنْ أَوْجَدَهُ؟ وَهَلْ وُجُودُهُ حَتْمِيَّةٌ فُونُولُوجِيَّةٌ تَدْعُو إِلَى انْتِشَارِهِ؟
كَانَتْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ ذَاتُهَا هِيَ الَّتِي أَثَارَتِ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيَّ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ مُعْجَمَ الْعَيْنِ، عِنْدَمَا نَظَرَ فِي الصَّوْتِ وَكَيْفِيَّةِ تَزَايُدِهِ وَتَنَاقُصِهِ بِاحْتِرَافِيَّةٍ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَضِيعَ الْحَدِيثُ وَيَنْتَشِرَ بِطُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بَيْنَ أَلْسِنَةِ الْعَرَبِوَالْوَعْيُ الْعِلْمِيُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْ مَسَافَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ يَخْضَعُ لِتَدَرُّجَاتٍ فِي التَّرَدُّدَاتِ الْهِرْتْزِيَّةِ، تَحْدُثُ بَيْنَ مِئَاتِ الْوَحَدَاتِ الصَّوْتِيَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي السُّوقِ، وَالَّتِي كُلَّمَا تَبَاعَدَتْ عَنْ إِقْلِيمِهَا زَادَ ضَبَابُهَا وَغُمُوضُهَا، وَتَحَوَّلَتْ إِلَى كُتْلَةٍ صَوْتِيَّةٍ نَقُولُ عَنْهَا إِنَّهَا غَيْرُ مَفْهُومَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ التَّشْوِيشَ، أَيْ إِنَّهَا صَوْتٌ مُشَوَّشٌ.
وَالِانْتِبَاهُ الْعَرَبِيُّ إِلَى هَذَا الصَّوْتِ كَانَ نَابِعًا مِنْ فِكْرَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ مُرَافِقَةٍ لَهُ، تَمَثَّلَتْ فِي سَمَاعِ أَصْوَاتٍ غَرِيبَةٍ تَخْرُجُ مِنَ الْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ، كَمَا تَرْجَمَتْهَا الرِّوَايَاتُ الْقَدِيمَةُ. وَبِذَا، شَكَّلَتِ الصُّوَرُ الْمُبَرْبَرَةُ غَيْرُ الْمَفْهُومَةِ اتِّجَاهًا لِبِنَاءِ الْخَيَالِ الْعِلْمِيِّ وَالسِّينَمَائِيِّ فِي الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ، وَأَصْبَحَ الِاهْتِمَامُ بِالصَّوْتِ ثَانِيَةً فِكْرِيَّةً وَمَلْجَأً عِلْمِيًّا جَعَلَ الْإِنْسَانَ يَحْسُبُ التَّوَاتُرَ الزَّمَنِيَّ فِي شَكْلٍ رَقْمِيٍّ يَقُومُ عَلَى التَّحَكُّمِ الصَّوْتِيِّ وَالنَّاظِرُ إِلَى تَطَوُّرِ صِنَاعَةِ الصَّوْتِ يُدْرِكُ، مِنَ الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى، كَيْفَ تَنَامَتْ هَذِهِ الصِّنَاعَةُ فِي الْمَرْحَلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ تَطَوُّرِ الْإِنْتَرْنِتِ، أَكْثَرَ مِنْ مَرَاحِلَ أُخْرَى؛ لِأَنَّ دِرَاسَتَهَا أَصْبَحَتْ مُقْتَرِنَةً بِاسْتِرْجَاعِ الصَّوْتِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ إِخْفَائِهِ فِي سَدِيمِ الْفَضَاءِ، فَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ خَارِجَ هَذَا الْفَضَاءِ إِلَّا بَعْدَ نَفْخَةِ النَّافُورِ.
فَأَسَاسِيَّاتُ الْأَنْثْرُوبُولُوجِيَا الصَّوْتِيَّةِ قَدَّمَتْ لِلْعِلْمِ، وَلَا سِيَّمَا فِي تَعْلِيمِ الْإِعْلَامِ وَالِاتِّصَالِ، مَجَالًا جَعَلَهُ عَالَمًا مَكْشُوفًا عَلَى الْغَرَائِبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَمَثَّلَ فِي حَرَكَةِ اسْتِعْمَالِ التَّرْجَمَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ، وَتَقْلِيدِ الْأَصْوَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ. وَسَادَتْ أَدَاةُ الْمِيكْرُوفُونِ سَاحَتَهَا الْحَقِيقِيَّةَ فِي التَّفْكِيرِ الْعِلْمِيِّ، حَتَّى أَصْبَحْنَا نُرَكِّزُ عَلَى الصَّوْتِ، وَكَأَنَّهُ التِّقْنِيَّةُ رَقْمُ وَاحِدٍ الَّتِي سَتُرَكِّزُ عَلَيْهَا الْبَشَرِيَّةُ مُسْتَقْبَلًا.وَقِيَاسًا بِالْأَبْحَاثِ الْقَدِيمَةِ حَوْلَ الصَّوْتِ الْمُشَوَّشِ مِنْ بَعِيدٍ، أَدْخَلَ هَذَا الصَّوْتُ الْإِنْسَانَ الْقَدِيمَ فِي تَطْوِيرِ نِيَّةِ الْبَحْثِ فِي تَفْكِيكِ الصَّوْتِ، وَهُوَ أَسَاسُ السِّرِّ الْإِلَهِيِّ فِي خَلْقِنَا بِأُذُنَيْنِ لِنَسْمَعَ تِلْكَ الْأَصْوَاتَ الدَّاخِلَةَ إِلَى طَبَلَاتِ الْأُذُنِ، لِتَنْتُجَ الْمَعَانِيَ. فَكُلَّمَا كَانَتِ الْأَصْوَاتُ الْبَعِيدَةُ غَامِضَةً، زَادَتِ الرَّغْبَةُ فِي اكْتِشَافِهَا فِطْرِيًّا، كَحَالِ الَّذِي يَسْمَعُ شَوْشَرَةً وَيُرِيدُ أَنْ يَكْتَشِفَ هُوِيَّتَهَا…
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22]. وتُفْهَمُ الآية في سياقها العام بوصفها دعوةً إلى التأمل في تنوّع الخلق واختلاف الألسنة، وهو ما يفتح مجالًا للتفكير في الصوت باعتباره حاملًا للغة والهوية والتواصل الإنساني
من القواعد الفقهية العامة أنَّ الضرر يُزال، وهي قاعدة مشهورة بصيغة «الضَّرَرُ يُزَالُ». ويمكن الاستئناس بها عند دراسة أصوات الأسواق؛ فالصوت الذي يساعد على البيع والشراء والتواصل يختلف عن الصراخ الذي يتحول إلى أذى أو تشويش على الآخرين. وهنا تلتقي دراسة الصوت بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية.
قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]. ويمكن الاستشهاد بهذه الآية في سياق الحديث عن الاعتدال في استعمال الصوت، مع مراعاة أن الآية تتناول أدب الصوت، وليست تفسيرًا مباشرًا لأصوات الأسواق أو ظواهرها الفيزيائيةفي وقع اخر : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]. وتتيح هذه الآية ربط السماع بالمسؤولية المعرفية؛ فليس كل صوت مسموع مفهومًا، وليس كل ما يصل إلى الأذن كافيًا للحكم على مصدره أو دلالته.



