قراءة نقدية في القصة، ضمن مشروع «أسفار الموت، السِّفر الثاني: ماذا بعد؟!» أ.د حمام محمد – الجزائر

أوّلًا: تجلِّيَاتُ التَّصَوُّرِ
حين تمكَّن العجوز من إنجاز منزلٍ واسع، أو الفضاء المكاني الذي يدلُّ دلالةً رمزيةً على أفقٍ واسعٍ، وأحلامٍ طويلةٍ عريضةٍ، وتكوينِ أُسرةٍ كبيرةٍ، تتنعَّم بالخير الواسع، حتّى الحديقة كانت لها فوائد في تنمية الطموح نحو الوفرة المتوقَّعة، في طموح العجوز الذي لا يمكن للإنسان أن يتصوَّره وحيدًا، يرتشف فنجان قهوة، لا يدري كيف يشربه عندما تأتيه الذكريات، ولا سيَّما تأوُّهات الغابرين وصيحاتهم.
فالحلم الذي شرحت الكاتبة أفقه التخيُّلي هو محطَّة وصفيَّة لأفقٍ مستقبليٍّ طالما حلم به العجوز، وكأنَّ المكان قد اتَّسع بقدر حلمه، وأنَّ المنزل لن يتَّسع لتجمُّعهم يوم ينزل الصغار إلى الدنيا وتتطوَّر العائلة أنثروبولوجيًّا. وفي الحقيقة، هذا هو حلم أيِّ إنسانٍ ترافقه الحنيَّة والخوف على مستقبل أولاده.
إنَّ العجوز أراد أن يُبيِّن أنَّه يعيش حالة الخوف من التفكُّك؛ فعندما تتَّسع الحياة أكثر، فلن يعود المكان الواحد، بفسحته وحديقته، كافيًا لجمع كلِّ الأعضاء حول مائدةٍ واحدة. ولو علم أنَّ هذا من قدر الحياة، لأدرك أنَّ لكلِّ مرحلةٍ من العمر أحكامها، وأنَّ التنافس الحقيقيَّ ينبغي أن يكون في البرِّ والتربية العائليَّة للأولاد، استعدادًا ليوم الحساب، حيث يتنافس المتنافسون في العمل الصالح.
ثانيًا: الانتقال بين أزمنة التفكير
كان زمن التفكير مشتَّتًا بين لحظة تفكير العجوز، التي رتَّبها فنجان قهوةٍ صباحيٌّ، ربَّما يشبه الفنجان الذي كان يشربه من يد زوجته. والإدماج هنا جاء كفعلٍ يجمع بين السكون والحركة؛ فالعُصارة السرديَّة كان ينبغي أن يسبقها تذمُّرٌ وتأوه على زمن الراحلة، وهي تطابق أفكاره في بناء مستقبلٍ لم يعد قائمًا كما تصوَّره.
إنَّ القصة، في حدِّ ذاتها، مُلهِمةٌ لكثيرٍ من الأفكار، غير أنَّ سرعة الاختصار الزمني جعلتها سريعةً في التنقُّل، وبالتالي سريعةً في المعالجة، من خلال تسارع الأحداث والأعمال. وننظر في قول الكاتبة:«جلس العجوز وحيدًا كعادته بعد زواج آخر أبنائه وموت زوجته منذ سنوات؛ يحتسي فنجان القهوة الصَّباحي، يطالع الجرائد اليومية، مرتاح البال، فقد ملأ السَّنوات الماضية عملًا؛ ما بين شركات كبيرة، وصفقات كثيرة، ودور لرعاية المرضى تلتحق بعدة مستشفيات قد أسرَّ بها لمدير أعماله، أمواله طائلة، أنفق أكثرها في رعاية المرضى وطلبة العلم الفقراء».
ثالثًا: النهاية الصريحة ومفارقة الموت
ترجمت الكاتبة فكرة أنَّ الموت محتَّمٌ على الغنيِّ الذي يمتلك القصور، وأنَّ الأموال لا تُغني عن عبث السنين بالأجساد، وأنَّ الموت يُدرك الشخص وحيدًا حين يحين أجله.
إنَّ التراكم القاعديَّ في وضع معايير الانقطاع عن الدنيا يؤدِّي إلى فهمٍ آخر أخفاه تسريع الأحداث؛ فكلُّ الأعمال التي قدَّمها العجوز لم تظهر إلَّا في جملٍ طويلة، وكأنَّها تقريرٌ يُقدَّم إلى مصالح الضمان الاجتماعي، لتبرير حالة جسده المُنهَك.
إنَّ الوضعية الخَلْقيَّة التي آل إليها العجوز كانت تحتاج إلى تبريرٍ آخر قويٍّ، ربَّما يرتبط بالمرض، خاصَّةً أنَّ العجوز كان ثريًّا، وقد غمرته نعمة الله. وبالتالي، لو سمعنا عن أعماله الخيريَّة بتفصيلٍ أكبر، لما كنَّا لنحكم على الجسد المتهالك بالطريقة نفسها؛ إذ إنَّ الرجوع إلى الله، مقترنًا بالتصدُّق بالمال على المعوزين من الفقراء والمرضى، قد يجعل صورة الغابر أكثر إشراقًا، ويمنح نهايته بُعدًا روحيًّا أعمق.ولعلَّ غياب الشخص الزائر جعل صورته داكنةً في البداية، إذ لم يظهر صديقًا دائمًا أو شخصًا مألوفًا، بل سمحت له القاصَّة بالتدخُّل في شؤون العجوز، ومدَّت إليه صراحةً قلم اللوم، حين قالت على لسانه:«اعذرني، قد أتيتك وحيدًا، أولادك في السَّفر قد انشغلوا عنك، تُمضي يومك بين قراءة وصلاة، تأمُّل وتفكُّر، زادك قليل، وقد عرفت قيمة الدنيا؛ قد انتهت حصَّتك في هذا البيت؛ هلا أتيت معي؟».
إن كان ذلك الزائر قابضَ الأرواح، فقد ذكَّره بما فعل وكيف عاش، ليُقنعه في الأخير بأنَّه، دون شكٍّ، راحلٌ عن الدنيا.
رابعًا: التشويق المنطقي والاستعداد للرحيل
وانطلاقًا من هذا الوصف المتأنِّي لحياة بطلها، وهو يعترف بما عمل وكيف جنى الأموال، فإنَّ القاصَّة استخدمت التشويق المنطقيَّ، ومفاده أنَّ العجوز تذكَّر اقتراب أجله، وكأنَّه يستعدُّ للقاء ربِّه، حين قالت:«كبَّر العجوز فرحًا بالزَّائر اللَّطيف، وفي عجلةٍ خرجا معًا، فقد اشتاق للأنس بعد طول الوحدة، ناظرًا خلفه ليرى جسده باليًا، قد تحلَّل في شهور النِّسيان والوحدة».وهنا تتجلَّى المفارقة الكبرى: لقد بنى العجوز بيتًا واسعًا ليستوعب أبناءه وأحفاده، وجمع المال، وأنجز الأعمال الخيريَّة، لكنَّه انتهى وحيدًا، يشتاق إلى الأنس، حتّى أصبح الموت بالنسبة إليه انتقالًا من وحدة المكان إلى صحبة الزائر المجهول.
وهذا ما يجعل النهاية صادمةً في ظاهرها، عميقةً في دلالتها؛ فالمكان الذي بُني ليكون شاهدًا على امتداد الأسرة تحوَّل إلى شاهدٍ على غيابها، والثروة التي جُمعت لتأمين المستقبل لم تستطع أن تمنع الرحيل، أمَّا الجسد الذي عاش بين الأحلام والأعمال فقد صار أثرًا منسيًّا.
وفي الاخير نرى ان الكاتبة نجحت في بناء مفارقةٍ بين اتِّساع المكان وضيق العلاقات، وبين وفرة المال وفقر الأنس، وبين طول الحلم وقصر الحياة. غير أنَّ التسريع في عرض الأعمال الخيريَّة، والانتقال السريع إلى صورة الجسد المتحلِّل، كانا يحتاجان إلى مزيدٍ من التمهيد السرديِّ، حتّى تتدرَّج النهاية من الوحدة إلى الموت، وتكتسب المفارقة أثرًا إنسانيًّا وروحيًّا أعمق.فالإنسان قد يوسِّع بيته، ويضاعف ثروته، ويخطِّط لمستقبل أبنائه، لكنَّه لا يستطيع أن يضمن بقاءهم حوله إلى الأبد.



