من جمود الأرقام إلى مساءلة التاريخ/ أ.د. سيار الجميل

المنهج الكمي لا يعمل لوحده دون تكامل المناهج التاريخية
المؤرخ ليس بروبوت رقمي ! ضرورة التفكير النقدي
(درسٌ للمختصين )
ملاحظة : هذا موضوع مهم لكنه موجّه الى ذوي الاختصاص من المؤرخين وطلبة الدراسات العليا من الشباب المحصلين لدرجات علمية ، فان كان لا تستهويك قراءته كقارئ عام فاتركه.
أولاً: اشكاليات المنهج الكمّي : انبهار في غير محله!
ليس العلم تراكمًا للمعارف والمناهج والنتائج وحدها؛ إنه، في جوهره، تاريخ من الجهود الإنسانية التي أسهمت في إنتاج تلك المعارف والمناهج وتطويرها ونقلها من جيل إلى آخر. وإذا كان من حق الباحث أن يجتهد ويبتكر ، ولكن ليس من حقه انكار جهود أساتذته، فالأمانة العلمية لا تتعلق بصحة المعلومة وحدها، بل تشمل أيضًا صحة نسبتها إلى أصحابها، والإنصاف في تقدير الجهود التي مهدت الطريق أمامها. ومن هنا تبرز أهمية حق أصحاب السبق في تطوير المناهج التاريخية ونشرها وتطبيقها. دار حديث متأخر عن الحدود المعرفية للمنهج الكمي حين يتحول من واحد من أدوات التحليل إلى غاية قائمة بذاتها وكأن لا مناهج أخرى غيره . وهذه من أبسط ما يعرفه أي مؤرخ ثبت . لقد دفعتني إلى كتابة هذه المقالة مناسبة أعادت إلى ذهني تجربتي الطويلة في البحث والتدريس والتأليف باستخدام مناهج عدة ومنها المنهج الكمي Quantitative History, الذي له اشتراطاته ومعاييره، وخصوصا في التواريخ الاقتصادية والاجتماعية! وهناك عادة عربية مستديمة متوارثه يسمونها ” الانبهار” عندما يعجب المرء وينبهر بشيئ ويتخيله الاول والأخير، فلا يمكن اجادة صنعته كما يقتضيه الاعتراف العلمي عندما تكون المعرفة لا تتكامل الا مع مناهج اخرى كما اخبرنا بذلك رواد هذا المنهج من خلال اعمالهم المنشورة ومحاضراتهم القيمة ، ويذكر المؤرخ الاقتصادي فوغل (حامل نوبل) بأن هذا المنهج يعمل على ظواهر كبرى وفي بيئات صناعية كبرى . ويؤكد آخرون : بأن اي منهج كمي احصائي لا يعمل لوحده أحاديا ، فهو منهج رقمي جامد يغلق التفكير ، ويتحول المؤرخ الى اشبه بروبوت رقمي بلا مشاعر ولا تأمل ولا تفكير !
ثانياً : تجربتي الشخصية المتواضعة
أعود إلى تجربتي الشخصية المتواضعة . اذ بدأت العمل متأثرا بهذا المنهج منذ العام 1977 بقراءتي ما نشره روبرت فوغل عن ” The Limits of Quantitative Methods in History.”وبدأت استخدم تقنياته في اطروحتي للدكتوراه 1982 قبل اشتغالي بتأليف كتابي “المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي” لسنوات حتى صدوره سنة 1999، وهو كتاب وظفت فيه المناهج : الكمي والبنيوي والموازي والمقارن والتحقيبي الخ ، وفيه عشرات الرسوم والجداول والدايكرامات والحسابات الرقمية قبل تطور الثورة الرقمية ضمن معالجة نظرية الاجيال. وفي تدريس مناهج التاريخ وتطبيقاتها. وهذه وقائع أرى أنها تستحق التوثيق لتأكيدها .
ثالثاً : المنهج الكمي ليس آلة لإنتاج الأرقام
إن المنهج الكمي من المناهج التي تتيح للمؤرخ اكتشاف أنماط وعلاقات قد يصعب رصدها من خلال القراءة الانطباعية أو الاعتماد على عدد محدود من الشواهد. لكنه، في الوقت نفسه، من أكثر المناهج التي تتطلب إعدادًا دقيقًا للمادة التاريخية، وفهمًا لمصادرها، ومعرفة بأساليب القياس والإحصاء، وحذرًا من التعميمات التي قد تبدو مقنعة بسبب دقة أرقامها. فالأرقام لا تنطق بذاتها، والجداول لا تفسر أسباب الظواهر، والرسوم البيانية لا تحول الارتباط الإحصائي تلقائيًا إلى علاقة سببية. إن كل نتيجة كمية تبدأ بسؤال، وباختيار مصادر، وتعريف متغيرات، وتحديد وحدات القياس، وضبط حدود العينة أو السلسلة الزمنية. وإذا كانت السجلات التاريخية ناقصة أو متحيزة، أو كانت الفئات المستخدمة في التصنيف لا تعكس واقع المجتمع المدروس، فإن العمليات الحسابية الأكثر دقة قد تقود إلى استنتاجات مضللة. وهذا واضح بوجه خاص في التاريخ الاقتصادي، حيث يقتضي تحليل الأسعار والأجور والإنتاج والتجارة والضرائب أن نفهم اختلاف الوحدات النقدية والموازين، والتحولات في قيمة النقود، وطبيعة السجلات المتاحة، والظروف المؤسسية التي أنتجت البيانات. كما يظهر في التاريخ الاجتماعي، حيث لا تكفي أعداد السكان أو المهن أو الهجرات لفهم التراتب الاجتماعي، أو العلاقات الأسرية، أو أنماط التغير في المدن، من دون قراءة نقدية للسجلات والسياقات التي أحاطت بها. ومن هنا لا يكون المؤرخ الكمي مجرد شخص يجيد الحساب كالروبوت باستخدام البرامج الإحصائية. بل مجرد ناقل للارقام وحافظ لها من دون ان يحرّك عقله ، ومن دون تأمل ولا تحليل ولا تفكير .. علما بأن هذا المنهج بحاجة إلى ثقافة تاريخية واسعة، وإلمام بأسس المنهج الإحصائي، وقدرة على التمييز بين ما تسمح به البيانات وما لا تسمح به، ومعرفة بتاريخ المؤسسات والمجتمعات التي أنتجت تلك البيانات. وكلما اتسع نطاق السؤال التاريخي، ازدادت الحاجة إلى الجمع بين المهارة الكمية والخبرة التاريخية. وضمن هذا السياق ، فان هناك من ينصح ان يعمل عليه كبار المؤرخين لا طلبة الدراسات العليا الشباب ، وهم بحاجة الى أن تتمّرس عقولهم على الكتابة لا على الارقام ..
رابعًا: هل يمكن تطبيق المنهج الكمي في التاريخ الثقافي؟
إن حصر التاريخ الكمي في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي يضيّق نطاقه من دون مبرر منهجي. صحيح أن توافر البيانات المنتظمة في مؤسسات ثقيلة كبرى جعل هذين المجالين من البيئات الملائمة لتطوير كثير من أدوات القياس، لكن ذلك لا يعني أن الثقافة والذهنيات والأفكار والرموز تقع خارج دائرة التحليل الكمي. اذ يمكن، مثلًا، دراسة تكرار مفردات معينة في الصحف أو الكتب، وتغير حضور مفاهيم بعينها عبر أجيال متعاقبة، وتوزيع المؤلفين بحسب البيئات والمؤسسات، وانتشار الأفكار بين المدن أو الجماعات، وأنماط النشر والترجمة والتلقي. كما يمكن بناء قواعد بيانات للأعلام والنصوص والأحداث، واستخدام تحليل الشبكات أو التصنيف المنهجي للكشف عن أنماط في الحياة الثقافية. غير أن هذه العمليات لا تصبح تاريخًا ثقافيًا متكاملًا بمجرد تنفيذها؛ إذ ينبغي تفسير ما تقيسه، وفحص ما تستبعده، والتمييز بين تكرار اللفظ ودلالته، وبين انتشار الفكرة وقبولها، وبين وجود النص وتأثيره الفعلي. وهنا تتضح ضرورة الجمع بين المناهج. فتاريخ الذهنيات يساعد على دراسة التصورات التي يتداولها الناس، والبنى الثقافية تتيح فهم الأنظمة العميقة التي تنظم المعاني، والمقاربة الأنثروبولوجية تساعد على قراءة الممارسة والرموز والسياقات، فيما يسهم التحليل الكمي في كشف الأنماط والتفاوتات والتغيرات التي قد لا تظهر بوضوح في القراءة الفردية للنصوص. وقد سعيت في المجايلة التاريخية إلى توظيف الجداول والرسوم والحسابات الرقمية في إطار بحث أوسع في التكوين التاريخي والثقافة العربية والإسلامية. ولا تكمن أهمية هذا النوع من العمل في كثرة الأرقام أو الرسوم، بل في السؤال الذي تخدمه، وفي العلاقة التي يقيمها بين المؤشرات الكمية والتفسير التاريخي. فالجدول لا يكتسب قيمته من شكله، وإنما من قدرته على إظهار نمط ذي دلالة، ومن وضوح مصادره وطريقة بنائه وحدود الاستنتاج المستخلص منه. إن المؤرخ الذي يدرس الثقافة لا يستطيع أن يستغني عن المعرفة بالنصوص واللغات والسياقات والمؤسسات والرموز، كما لا يستطيع المؤرخ الكمي أن يستغني عن معرفة نقدية بأساليب الإحصاء والقياس. والبحث المتين هو الذي يجمع بين هذه القدرات من غير أن يسمح لإحداها بأن تلغي الأخرى.
خامسًا: المؤرخ بين الأرقام والتحليل والتركيب المنهجي
يكمن الخطر الحقيقي في استخدام المنهج الكمي لوحده ، اذ يعمل على تجميد المؤرخ داخله، وكأن التاريخ لا يصبح علمًا إلا إذا تحول كل شيء فيه إلى رقم. فالماضي الإنساني أوسع من البيانات التي بقيت منه، وأغنى من المتغيرات التي نستطيع قياسها، وأعقد من أن يُختزل في علاقة حسابية واحدة وقد قال بذلك أغلب من كتب في المنهج الكمي امثال : رودريك فلود وبات هدسون ووليم فوغل وغيرهم . هناك خبرات واحداث وشخوص وظواهر لا يمكن فهمها من خلال الأرقام وحدها: الخوف، والتوقع، والذاكرة، والمعنى، والتصورات الدينية، والخيال السياسي، وتحولات الوعي. وقد نجد مؤشرات قابلة للقياس على بعض مظاهرها ، لكن تفسيرها يظل محتاجًا إلى قراءة النصوص والسياقات واستيطان المخفيات وتحليل العلاقات التاريخية التي أنتجتها. ومن هنا تأتي أهمية المؤرخ نفسه بمعرفته حدود كل أداة، وقدرته هو نفسه بالانتقال من الملاحظة إلى التفسير، ومن التفسير إلى بناء فرضية قابلة للفحص والانطلاق نحو سؤال نوعي جديد، كما قد تكشف القراءة النوعية عن مشكلة في تصنيف البيانات تستدعي إعادة بنائها.
والمنهج الكمي، بهذا المعنى،لا ينافس تاريخ الذهنيات أو التاريخ البنيوي أو الأنثروبولوجيا التاريخية؛ بل ينبغي وجودها كي يتفاعل معها ضمن تصميم علمي واضح. فحين ندرس التحولات الثقافية عبر أجيال متعاقبة، مثلًا، قد نحتاج إلى بيانات زمنية ومؤشرات قابلة للمقارنة، لكننا نحتاج أيضًا إلى فهم التغير في المؤسسات التعليمية، وتداول الكتب، وتحولات اللغة ونقد الخطاب، والعلاقات بين الأجيال، والظروف السياسية والاجتماعية التي تؤثر في انتقال المعرفة. ولا تكفي سلسلة من الأرقام لإثبات أن جيلًا أحدث تحولًا ثقافيًا ما؛ إذ يجب تحديد طبيعة هذا التحول، والآليات التي نقلته، والأدلة التي تدعم تفسيره. لهذا فإن قوة المؤرخ لا تقاس بمدى تمسكه بمنهج واحد ، وإنما بقدرته على استخدام المنهج المناسب في الموضع المناسب، وعلى إخضاع نتائجه للنقد، وعلى ربطها بمعرفة تاريخية واسعة. فالمناهج أدوات لفهم التاريخ، وليست هويات مغلقة ينتمي إليها المؤرخ ، ويحصر نفسه في شرنقتها ثم يمتنع عن تجاوزها. وعليه ، لا يمكن أبدا الترويج لمنهج معين من دون التمكن من المناهج الحديثة الأخرى.
سادساً: خاتمة: الاعتراف العلمي جزء من كتابة تاريخ العلم
إن التاريخ الكمي لا يكتمل بالعدّ ولا ببرامج اكسس ولا بغيرها ، كما أن التاريخ الثقافي لا يكتمل بالقراءة الانطباعية. وبينهما مجال واسع لعمل المؤرخ الذي يعرف كيف يبني مادته، ويفحص مصادره، ويختبر فرضياته، ويشرح معنى نتائجه. وهذه مسؤولية علمية لا تتجزأ عن مسؤولية الاعتراف بمن أسهموا في بناء المعرفة. لقد قام المؤرخ حنا بطاطو بنفسه بلا كومبيوتر بعمل جداول واشتغل على الارقام سنوات طوال ، ولكن اعانه منهج القرابة لماكس فيبر .
على أية حال ، اختزل لكم الآساليب التي اتبعها مؤسسو المنهج الكمي ، وهي :
1. Floud (1973) لتاريخ تقديم الأساليب الكمية للمؤرخين.
2. Furet (1971) لفهم العلاقة بين التكميم وبناء الواقعة التاريخية.
3. Fogel (1975) لمناقشة حدود المنهج الكمي والمناهج المساعدة .
4. Jarausch and Hardy (1991) لفهم خطوات البحث الكمي وبناء البيانات.
5. Hudson (2000) لتوسيع التطبيقات التاريخية ونقدها.
6. Lemercier and Zalc (2019) لتطبيقات التاريخ الثقافي وتحليل النصوص والشبكات.
وأخيرًا، فإن الأمانة العلمية لا تطلب من الباحث أن يتنازل عن حقه في السبق، ولا أن يصمت عن إغفال جهده ما دام على قيد الحياة ؛ بل يتطلب منه أن يدافع عن هذا الحق بالطريقة التي تجعل حجته أقوى من الخصومة، وأقرب إلى الحقيقة التي يفترض أن يتشارك الباحثون جميعًا في خدمتها . فالمؤرخ الذي يطالب بأن يُنصفه تاريخ العلم، عليه أن يسهم، في الوقت نفسه، في ذكر جهود من سبقه بإنصاف. وكلّ من خلا من الانصاف، ستدينه الاجيال القادمة وتنصف كل الذين يغيبّون عن المشهد في زمن اختلت فيه الموازين .
المصادر
1. Roderick Floud, An Introduction to Quantitative Methods for Historians.( London: Weidenfeld and Nicolson, 1973 ( 2nd ed. 1979).
2. Konrad H. Jarausch and Kenneth A. Hardy, Quantitative Methods for Historians: A Guide to Research, Data, and Statistics. (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1991).
3. Pat Hudson, History by Numbers: An Introduction to Quantitative Approaches.( London: Arnold, 2000). Bloomsbury Academi,
4. Loren Haskins and Kirk Jeffrey, Understanding Quantitative History.( Cambridge, MA: MIT Press, 1990).
5. Claire Lemercier and Claire Zalc, Quantitative Methods in the Humanities: An Introduction., Translated by Arthur Goldhammer. (Charlottesville: University of Virginia Press, 2019).
6. François Furet, “Histoire quantitative et construction du fait historique.” Annales. Économies, Sociétés, Civilizations، no.1 vol. 26, 1971, ، pp. 63-75.
7. Robert William Fogel, “The Limits of Quantitative Methods in History.” The American Historical Review. No. 2, vol. 80, 1975, pp. 329- 350.
8. Charlotte Erickson, “Quantitative History.” The American Historical Review no. 2, vol. 80,1975, pp. 351- 365.
9. Hassen Barboura, “The Use of Quantitative Cultural History “Theory of Generations at Sayyar Al-Jamil” as a Model” , DOI:10.21608/KAN.2021.220370, March 2021.
10. سيار الجميل ، ” التاريخ الكمي ” محاضرة منشورة اون لاين .



