عرس الرمان المؤجل / أ. حسناوي سيلمي

ترنحت كثيرا قبل أن تسقط حبات الرمان من فمها على التراب الأحمر، كأنها قطرات من دماء التاريخ الشاهد على انكسار الفصول. كان العيد يمسك بيمينها، فيحس بنبضها الساخن الغائر، والدم يجري في عروقها دفقات متقطعة، كل نبضة هي صرخة مكتومة تكاد تنطق باسمه علنا في صمت المداشر المهيبة التي ألفت الصبر. في باطن ذراعها البيضاء الرخصة، انتفخت شرايين خضراء بلون مروج جبال العمور بالأطلس الصحراوي بعد المطر، كأنها مسارات ماء سرية تحت الأرض تقاوم زحف القيظ والنسيان. رفع رأسه وتطلع في عينيها اللتين غام فيهما بريق الغروب القادم من أفق الصحراء اللامتناهي، فوجدها تلهث بصعوبة، متشبثة بآخر أنفاس الانتماء. ساءلها بعينين كحيلتين حزينتين حيرة الفيلسوف أمام لغز الفناء، لعلها تجيب، لكنها لاذت بصمت مطبق، وعلا وجنتيها احمرار قان كشقائق النعمان، ارتعشت له الشفتان ذاتا النتوء الجلدي الصغير. احتضنها بين الحشائش وعشب الغابة البرية، إلا أنه آثر أن يفعل ذلك بشرف الفرسان الأحرار الذين يحكمهم منطق الأنفة لا التملك.. كأنما خيال في “فانتازيا” يمس بطرف مكحلته أرنبة أنف خصمه دون أن يخدش كبرياءه.
تلك الفتاة التي طفرت لأجلها عيناه بالبكاء، وأحس من خلالها بنشوة ذرف الدموع، على الرغم من تجهم طبعه القاسي وخشونة رد أفعاله التي صقلتها جبال الأطلس الصماء المطلة على القفار. كانت هي، المكتنزة والممتلئة كوردة برية مضمومة ومحشوة برحيق معسول، الركن الآمن الأخير لديه وسط عالم يتهاوى، والتعويض الأوحد عن تاريخ من الحرمان الجماعي. لم يكن يقدر على استيعاب تفردها في أحلامه ما دام حضر وجهها الحلو في مخيلته، وابتسامتها المقسمة على غمازتين بالتساوي. ذاك ما يسميه العيد “عدل الجمال”، مؤمنا بيوتوبيا أدبية ترى أن بوسع الجمال أن يحكم جنبا إلى جنب مع الحكمة والقوة في بلاد أثقلتها قسوة الجغرافيا وتكالب الأزمان.
بل حدا به الأمر، في لحظة صفاء فلسفية نادرة، أن يقصد بيت “الشيخ محمد” كي يفاتحه بما جادت به تأملاته الطويلة في ظل شجرة الرمان، ووجد نفسه يشرح بجمل قليلة مقتصدة أهمية الجمال في حياة الناس، مؤكدا أن مرد كوابيسهم وسوء طالعهم هو جفاؤهم للأرض وازدراؤهم للحب والوئام، وتحولهم إلى مجرد أدوات في آلة الجشع والسطوة. في تلك اللحظة، افلتت من ذراعه وقد ندت عنها تأوهة خافتة، وأخذت تحبو على ركبتيها وشعرها الفاحم يتهادى تلاعبه رياح “الشهيلي” الحارة القادمة من عمق العرق الكبير. مدت يدها إلى حبات الرمان المنتثرة والتقطت ما تبين بعدئذ إنه سنها الذي فقدته أثناء تزاحم الرمان وعصيره الكثيف في جوف فمها. حملته في باطن كفها وعرضته لأشعة الشمس اللاهبة، فلمع في رأسها من جديد مرآها وهي تلوح له بلحافها الأبيض قبيل الظهيرة بقليل، كطيف أمل يلوح ويهرب في سراب الهجير، معلنا أن الفقدان هو الوجه الآخر للوجود.
سبلت عينيها بينما تشاهد القط الرمادي يعبر فوق السور الترابي المهدم، والذي بناه أبوها حول بيت “الطوب” والطين كي يمنع تسلل العيون الجاسوسة والوشاة في الليل، أولئك الڤومية الذين يقتفون أثر الفلاقة المجاهدين الذين يحتضنهم الدوار بكل تضامن وحب باعتبارهم امتدادا لشرف الأرض. كان السور درعاً ليظل البستان ملجأ آمنا للثورة بعيدا عن أعين القايد. لكن السور رجع فتهدم، وخارت أحجاره الطينية مثلما انفرط سنها وهي تقضم قلب الرمانة اليوم عند الظهر، لتدرك أن كل حماية مادية في هذا العالم مؤقتة وزائلة أمام حتمية المتغيرات التاريخية. أمسكت بثمرة رمان موضوعة بجوار حبات أخريات التقطها لأجلها العيد بنفسه من وادي الرمان البعيد. وقامت من مجلسها ضاحكة، في محاولة تمرد واعية لكسر طوق الخوف، ورمت الرمانة من النافذة المفتوحة فضربت القط في ظهره، فأطلق القط مواء حادا وجعل ينفض قوائمه بذعر في الهواء، متشبثا بحافة الجدار المتآكل قبل أن يلوذ بالفرار.
ولم يكن صمت الجبل في ذلك النهار إلا غطاء لبركان اجتماعي أوشك أن ينفجر. منذ الخيوط الأولى للصباح، كانت النظرات الحادة تتقاطع في مسلك الدوار كشفرات خفية تعكس احتقان الطبقات وسحق المستضعفين. كان توفيق يمر بخيله مختالا، يرمي العيد بنظرات ازدراء كادت تشعل الحجر، ممثلا لصلف السلطة الجائرة، بينما انحنى الفلاحون فوق فؤوسهم يتهامسون بوجل، مستشعرين قعقعة العاصفة القادمة. تحلق الرجال ببطء في حلقة ضيقة عند المضرب الكبير، وتوقفت حركة الحياة تماما، وخيم على المكان صمت ثقيل يسبق زلزال المواجهة الحتمية بين الحق المسلوب والقوة الغاشمة.
وفي تلك الأجواء المشحونة بالترقب، شهدت ساحة الدوار بأهلها مجتمعين أجواء متوترة مرت بها عند عصر ذلك اليوم. تواجه الشابان، وأعلن كلاهما أنه سيمرغ نيف الآخر في التراب. تطاير الشرر من العيون الجاحظة، وأقبلا يشتبكان بالأيادي ليدقا عنق بعضهما البعض في صراع أزلي على البقاء والسيادة، صراع يختزل صدام “الزوالي” مع قوى النفوذ، وكأن كل ضغائن السنين قد تجمعت في تلك اللحظة. فرق كبار الدوار بينهما، إلا أن طلقة الرصاص التي خرجت من مسدس “بن يوسف”، هي التي تكفلت بإنهاء الموقف وفض العراك، معلنة مرة أخرى في سجل التاريخ أن منطق البارود يسبق منطق الحوار حين تغيب الحكمة. قال بن يوسف للعيد بلهجة جافة قاطعة طاردة: “يا ولد، نحن نعلم فصلك وأصلك، والأصلح لمثلك بطن الوادي.. أعلم أن ولدي على حق، وليس لك في هذا الدوار محط رجل.. انصرف الآن ولا ترنا وجهك”.
مشى العيد في المسلك الترابي الموحش مطرودا مكسور الخاطر، بعد أن صدر القرار الحاسم بتوقيفه عن الرعي؛ فنزعوا من يده عصا الرعاة التي كانت صلته الوجودية والرمزية الوحيدة ببطاح الجبل وأرض الآباء، ليتحول إلى غريب في وطنه. كان حانقا يحدج الوجود بسخط مقيت.. نزل إلى “شعبة” عميقة صنعتها يد الطبيعة والمطر، وكان في نيته أن يستنشق رائحة العرعار الذكية المنبعثة من بين الصخور البرية ليهدئ من روعه، غير أنه استغرق في نوم ثقيل يشبه الغيبوبة والهروب من واقع متكلس، وحيدا بلا هوية رعوية، تفترشه الأرض القاحلة ويظلله سكون الوادي الموحش، كأنما يشاركه إعلان الاحتجاج الصامت على قسوة المأساة الإنسانية في هضاب الأطلس الصماء.
بعد أن فطن العيد “الزوالي” اللعبة ولمح أبعاد الخدعة أمام الملأ، وحرض الفلاحين عليه منبها للخطر الذي سيؤول إليه حال الدوار وعماده، مؤكدا في قرارة نفسه أن لا علاقة لإنقصاف شجر الرمان وعري الأغصان هذا الموسم بغضب الطبيعة، بل بجشع توفيق (ابن بن يوسف)، الذي خلق أصل الخلل والبلاء باحتكاره لوسائل الإنتاج. فمنذ عام ونيف، استحوذ توفيق، الشاب موفور الصحة الذي يمتلك شوارب كثة ولحية ناعمة جذبت إليه أعين بنات الدوار، على حق التصرف بالمراعي بتفويض من الشيخ، فمنع الرعاة الصغار وصادر حقهم المشاع تاريخيا، وترك الدوار كإسطبل كبير تصفق فيه حوافر الخيول والمهور التي تدر أرباحا سريعة وتخدم نفوذ الوجهاء والقايد. اشتكى الناس، واحتجوا خوفاً على قوت يومهم ورزق أبنائهم، وقالوا كلاما همسا في عتمة الليل لا يجوز أن يقال بحضرة الشيخ، والشاد على يده، “القايد” بن يوسف.
أدرك العيد اللعبة التاريخية كاملة، وصدق حدسه إزاء ما اتفق عليه في كواليس الدوار. ولم يكن يعلم أن توفيق، بعنجهيته المفرطة وثورته العارمة، قد وقف في ذلك المساء بوجه أبيه بن يوسف حين حاول الشيخ والأب تهدئته وتأجيل العرس تلافياً لغضب الفلاحين بعد المشاجرة، فجابه توفيق أباه بصلف قاطع يلخص تحالف المصالح القائم:
- “أنت والشيخ محمد سمنة على عسل. تعرف ما في داخله جيدا، وسره في يدك مثل قشرة رمانة يابسة. والبنت أخمرت عقلي وترضي كبريائي وذوقي. فإذا لم أتزوجها اليوم فلن أتزوج أبدا”.
كانت كلمات توفيق هي الأمر الحاسم الذي دفع الأب لإتمام الزواج فوراً، وجرد العيد من هويته، ومن امتداده في الأرض ومن حلمه بالجمال.
فاضت عينا العيد بالدمع قبالة شجرة رمان صغيرة عجفاء لم ينبت عليها ثمر بعد، شاعرا بعمق المفارقة الفلسفية بين وعود الأرض وقسوة البشر. شعر بأنه محسود ومستضعف مغموط في حقه وسط عشيرته. كان العرس يشعل ليل الدوار، وأصوات رقص “العلاوي” وضرب “الڤلال” والبارود تصل إليه فتنزلق فوق الصخور الصماء مرددة الصدى خلال الشعاب المتاخمة للصحراء، معلنة فوز منطق القوة وتثبيت أركان التحالف الطبقي، في ليلة غاب فيها الحق واستسلم للظلم والوحدة في العراء.
فرك العيد عينيه مستسلما لقدر حتم عليه الاستيقاظ متأخرا، كي يجد زهرته قد قطفت برخص، وصارت في عروة ثوب من لا يستحق الجمال ولا يفقه الحكمة، بصفقة قادها عناد الابن وباركها تحالف الكبار في وضح النهار متجاوزة أحلام الصغار.
حملها توفيق على فرسه الأدهم والناس يزغردون خلفه ويثمنون انتصاره الزائف. طار بها في الظلام، والغبار البارز من مشارف الصحراء يصنع زوابعه وأعراسه الخاصة في ليل السهاب والتل. مضى بها وكفه تمسد مسدسه في جيبه، يخاف أن تقوم جثة العيد أو وعيه الثائر من مرقدها في بطن الوادي وتفسد عليه ليلته، فالظالم يظل أبد الدهر مطاردا بطيف ضحيته وخائفا من يقظة وعيها. خطف قبلة أولى من شفتيها الريانتين الغائبتين عن الوعي، وألقى بجسدها المسربل في ثنايا الفستان الأبيض على الفراش الوثير كغنيمة حرب. صب شراب رمان أحمر دافئا وأحضر كأسين..
لم تشأ أن تخبره أن طعم الرمان الحاذق بات يلذع الفراغ البارد الذي خلفه السن المفقود في موضع اللثة الدامية، وأن حلاوة النصر مزيفة أثمرها تحالف الآباء العقيم وطيش الأبناء. بل أسلمته قيادها وجسدها.. بحكم العادة، والهم، والجبروت الذي يفرض سطوته على الأجساد ويستلبها الحاضر، لكنه يقف عاجزا ومنكسرا أمام امتلاك الأرواح والذاكرة العصية على الترويض في هذه الجبال العاتية..
على قسوة المأساة الإنسانية في هضاب الأطلس الصماء. - بعد أن فطن العيد “الزوالي” اللعبة ولمح أبعاد الخدعة أمام الملأ، وحرض الفلاحين عليه منبها للخطر الذي سيؤول إليه حال الدوار وعماده، مؤكدا في قرارة نفسه أن لا علاقة لإنقصاف شجر الرمان وعري الأغصان هذا الموسم بغضب الطبيعة، بل بجشع توفيق (ابن بن يوسف)، الذي خلق أصل الخلل والبلاء باحتكاره لوسائل الإنتاج. فمنذ عام ونيف، استحوذ توفيق، الشاب موفور الصحة الذي يمتلك شوارب كثة ولحية ناعمة جذبت إليه أعين بنات الدوار، على حق التصرف بالمراعي بتفويض من الشيخ، فمنع الرعاة الصغار وصادر حقهم المشاع تاريخيا، وترك الدوار كإسطبل كبير تصفق فيه حوافر الخيول والمهور التي تدر أرباحا سريعة وتخدم نفوذ الوجهاء والقايد. اشتكى الناس، واحتجوا خوفاً على قوت يومهم ورزق أبنائهم، وقالوا كلاما همسا في عتمة الليل لا يجوز أن يقال بحضرة الشيخ، والشاد على يده، “القايد” بن يوسف.
أدرك العيد اللعبة التاريخية كاملة، وصدق حدسه إزاء ما اتفق عليه في كواليس الدوار. ولم يكن يعلم أن توفيق، بعنجهيته المفرطة وثورته العارمة، قد وقف في ذلك المساء بوجه أبيه بن يوسف حين حاول الشيخ والأب تهدئته وتأجيل العرس تلافياً لغضب الفلاحين بعد المشاجرة، فجابه توفيق أباه بصلف قاطع يلخص تحالف المصالح القائم:
“أنت والشيخ محمد سمنة على عسل. تعرف ما في داخله جيدا، وسره في يدك مثل قشرة رمانة يابسة. والبنت أخمرت عقلي وترضي كبريائي وذوقي. فإذا لم أتزوجها اليوم فلن أتزوج أبدا”.
كانت كلمات توفيق هي الأمر الحاسم الذي دفع الأب لإتمام الزواج فوراً، وجرد العيد من هويته، ومن امتداده في الأرض ومن حلمه بالجمال.
فاضت عينا العيد بالدمع قبالة شجرة رمان صغيرة عجفاء لم ينبت عليها ثمر بعد، شاعرا بعمق المفارقة الفلسفية بين وعود الأرض وقسوة البشر. شعر بأنه محسود ومستضعف مغموط في حقه وسط عشيرته. كان العرس يشعل ليل الدوار، وأصوات رقص “العلاوي” وضرب “الڤلال” والبارود تصل إليه فتنزلق فوق الصخور الصماء مرددة الصدى خلال الشعاب المتاخمة للصحراء، معلنة فوز منطق القوة وتثبيت أركان التحالف الطبقي، في ليلة غاب فيها الحق واستسلم للظلم والوحدة في العراء.
فرك العيد عينيه مستسلما لقدر حتم عليه الاستيقاظ متأخرا، كي يجد زهرته قد قطفت برخص، وصارت في عروة ثوب من لا يستحق الجمال ولا يفقه الحكمة، بصفقة قادها عناد الابن وباركها تحالف الكبار في وضح النهار متجاوزة أحلام الصغار.
حملها توفيق على فرسه الأدهم والناس يزغردون خلفه ويثمنون انتصاره الزائف. طار بها في الظلام، والغبار البارز من مشارف الصحراء يصنع زوابعه وأعراسه الخاصة في ليل السهاب والتل. مضى بها وكفه تمسد مسدسه في جيبه، يخاف أن تقوم جثة العيد أو وعيه الثائر من مرقدها في بطن الوادي وتفسد عليه ليلته، فالظالم يظل أبد الدهر مطاردا بطيف ضحيته وخائفا من يقظة وعيها. خطف قبلة أولى من شفتيها الريانتين الغائبتين عن الوعي، وألقى بجسدها المسربل في ثنايا الفستان الأبيض على الفراش الوثير كغنيمة حرب. صب شراب رمان أحمر دافئا وأحضر كأسين..
لم تشأ أن تخبره أن طعم الرمان الحاذق بات يلذع الفراغ البارد الذي خلفه السن المفقود في موضع اللثة الدامية، وأن حلاوة النصر مزيفة أثمرها تحالف الآباء العقيم وطيش الأبناء. بل أسلمته قيادها وجسدها.. بحكم العادة، والهم، والجبروت الذي يفرض سطوته على الأجساد ويستلبها الحاضر، لكنه يقف عاجزا ومنكسرا أمام امتلاك الأرواح والذاكرة العصية على الترويض في هذه الجبال العاتية..



