مرايا الملامح المنسيّة/أ. حسناوي سيلمي

في تلك السكونية الهاربة من روزنامة الوقت، حيث لا نهار يكتمل ولا ليل يجرؤ على البدء، يسقط الحجاب فجأة. لم يكن ثمة باب حقيقي، ولا رنين مفاتيح، ولا عتبة مرئية غادرناها أو وقفنا عليها. كل ما في الأمر أن لحظةً ما، عارية من المقدمات ومجهولة النسب في كتاب الزمن، استيقظت فجأة لتوقظ فينا هذا الكائن الهش المسمى: الحنين.
كنا نسير في ممرات الأيام العادية، نحمل أجسادنا كحقائب سفر أضاعت عناوينها، وفجأة، مسّنا ذلك الحاف العابر. ليس الحنين بكتّاب يطرق الأبواب ليدخل، بل هو أشبه برائحة مطر قديم هطل في خريف منسي، أو كضوء نجمة ماتت قبل قرون وما زال بريقها الباكي يصلنا الآن. لحظة واحدة، جردت الحاضر من كل أسلحته، وجعلت من قلوبنا قناديل معلقة في سقف ماضٍ رفض أن يطويه الغياب.
وفي ذروة ذلك الصمت المباغت، تجسد الحنين كله في وجْه.
كان ذلك الوجْه يلوح دائماً في صميم الغياب، كأنه نُقِشَ على مرآة الروح الداخليّة فلا يُمحى. لم يكن وجهاً عابراً بملامح تُفسّرها الكلمات، بل كان أشبه بـفجرٍ شخصيّ طالما أشرق في عتمة أيامنا، وجهٌ يختزل كل الطمأنينة التي فقدناها على أرصفة الكبر. ملامحه لم تكن مجرد تقاطيع، بل كانت خريطةً للبلاد الأولى؛ بلاد الدهشة والنقاء قبل أن تصيبنا لوثة الوقت.
لم يأتِ هذا الوجه من خلف بوابات مرئية، بل انبثق كأنه ومضة برق في سماء صامتة, ليعيد ترتيب فوضى الحاضر بقسوة رقيقة. نظر إلينا بعينين تحملان عتاب السنين وعمق البحار، فاستيقظ ذلك الحنين الجارف الذي ظننا أنه نام تحت رماد الأيام. تلتفت الروح إلى الوراء، فلا تجد جدراناً ولا معالم، بل تجد ظلالاً لأيام ولت تجسدت كلها في تفاصيل هذا الوجه. تلك الأيام لم تمت، بل تحولت إلى خلايا سرية في جسد الذاكرة؛ نتذكر ضحكة كان لها رنين الفضة، وخطوات كانت تشق الأرض بثقة، وعينين غادرتنا دون أن تدرك أنها أخذت معها حصتنا من الضوء.
في تلك الالتفاتة الخاطفة، بدا وكأن الزمن قد توقف تماماً، وترك القلب معلقاً في المنتصف: كغصن يابس في شجرة الذاكرة، يتأرجح بين رغبة عارمة في العودة واستحالة مطلقة للرجوع. لا هو قادر على العبور نحو الحاضر، ولا هو يملك الانعتاق والذوبان في ملامح ذلك الوجه الغائب.
ما هو الحنين في عمقه الإنساني إلا اعتراف عاجز بأننا لسنا أبناء الحاضر، بل نحن غرباء نعيش في ضيافته؟ وإن حضور هذا الوجه برهاناً صارخاً على أننا لا ننسى، بل نواري وجوه من نحب خلف ستائر المشاغل اليومية، حتى إذا ما لاحت التفاتة أو طيف، انهمر الماضي دفعة واحدة ليخبرنا أننا ما زلنا عالقين هناك، نقتات على كسر الخبز المتبقية من مأدبة الأمس. كم هو موحش أن تكون حياً بجسدك في مكان، بينما نبضك بالكامل مرتهن هناك، خلف غبار السنين، معلقاً على مشجب حكاية اختصرها وجه.
وهكذا، نتابع المسير، لكن بخطوات أثقل، يحمل كل منا في صدره ذلك القلب المعلق، كتميمة سرية، يخشى عليها من الضياع، ويخاف منها لأنها تذكره دائماً… بأن أجمل ما فيه، قد مضى مع ذلك الوجه.



