عَناقُ الضِّياءِ ورَحِيلُ القَوافِل/أ. حسناوي سيلمي

في ميزان الوجود الأزلي، لا تُقاس القلوب بحشود العابرين حولها، ولا بكثرة الوجوه التي تؤثث رداء الأيام، إنما تزن الأرواح بمثاقيل الود الصافي الخالي من الشوائب والعلل. فصفوة الخلق، وأيقونات الطهر في هذا العالم، هم نفوسٌ استثنائية؛ إن لَفَحَتها ريح الخصام صانت مغاليق الأسرار، وإن نأتْ وتلاشت في أفق الغياب لم تترك خلفها ندبةً في قلب، ولا جرحاً في ذاكرة. ريحها كالنسمة العابرة في ليل هجير؛ لا تجلب القيظ، ولا تذر النسمات حطاماً أو رماداً.
إنهم يمرون عبر فيافي الحياة كالسحاب المثقل بالوعود؛ يتركون غيثهم في الصدور الجافة ويمضون صامتين، دون أن يطلبوا جزاءً أو كفاً تصفق لفضيلتهم. هم أولئك الذين نقشت كف الزمان مأثرتهم، ووصفهم السلف الأقدمون بكلمات من نور بأنهم خيرُ النَّاسِ، فلا عَدُوٌّ يُتَّقَى بَأْسُهُ، وَلا رَدٌّ يُخْشَى لُؤْمُهُ. وجودهم أمان, وغيابهم سلام، لا يتركون خلفهم وهاداً من الخوف، بل يفيضون كأنهار عذبة لا تعرف التعكر، تجري بهدوء الكواكب الصامتة في مساراتها الكونية.أما في دستور الوجد، وشرعة الأرواح التي تجاذبت قبل طين الجسد، فإن الخطوة بالخطوة، والبادئ بالخير أكرم وأبهى وأحق بالخلود. من تلمس عتباتنا بقلبٍ مشرق كالفجر، ومدّ إلينا أنملةً واحدة، أو كفّ وصالٍ مرتعشة بالصدق، لم نقابل خطوته بحذر، بل شرّعنا له أبواب الحنايا، وغرسنا في مجرى دمه بستاناً من الياسمين المعتق. إننا نأخذ يده الواحدة، لنطوق جيده بكلتا اليدين، بل وبكل ما أوتينا من نبض، ونفخ من طاقة الحياة. فالإنسانية، في أرفع تجلياتها الكونية والفلسفية، هي دينٌ قوامه تبادل المشاعر؛ نردُّ فيه النظرة العابرة بالتفاتةٍ كليّة تنبض بالاهتمام، والبسمة الدافئة بعناقٍ طويل يذيب جليد الاغتراب. نحن مجبولون على مضاعفة السخاء، ونثر بذور الوفاء فوق قمم الصدور لمن استودعنا صدق سريرته، وباح لنا بضعفه الإنساني الجميل دون خوف أو مواربة.ولكن، على ضفاف هذه الرقة السائلة، وحيث تتماوج عواطفنا كالبحار، تقف كبرياء النفس كالحصن المنيع المرتفع فوق السحاب، والحد الفاصل بين اللين والابتذال. فمن استثقل ظلالنا، والتحف برداء الغرور والأنفة الزائفة، ثم أشاح بوجهه وأدار لنا ظهره الصامت ومضى، فإنه لن يجد منا وقوفاً على الأطلال، ولن يرى من مآقينا دمعة ندم واحدة تسيل على أثره. لسنا من الذين يستجدون الوصال من كفّ شحيحة، أو يطرقون أبواباً أغلقتها الرغبة. إن الباب الذي يختار المرء أن يخرج منه طواعيةً وزهداً بوجودنا، لا نغلقه بعنف الخصام، بل نوسّع له المدى، ونجعل أطره رحبةً فسيحة، تتسع لرحيل الجِمال بأحمالها الثقيلة وقوافلها الممتدة إلى آخر الأفق. نحن لا نغلق النوافذ بحنق، بل نفتحها على مصراعيها إكرامًا لرغبته في الاتساع والبحث عن ذاته بعيداً عنا. فالعمر أقصر بكثير من أن نرجو فيه مقبلاً يلتفت وراءه، أو نستبقي فيه مدبرًا آثر الرحيل. والكرامة هي النور الداخلي الأبدي الذي لا ينطفئ، بل يزداد توهجاً كلما أظلمت من حولنا دروب الجحود، لتظل أرواحنا حرة، طليقة، ومكتفية بذاتها في فضاء هذا الوجود الشاسع.



