حين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم تكن عتيقة تؤمن بالحب كما يؤمن به الآخرون. كانت ترى في الرجال، كلما اقتربوا منها، ظلالا متشابهة لشيء واحد: وعدا يبدأ جميلا ثم يتحول، مع الوقت، إلى قيد. لذلك اختارت أن تعيش خارج تلك الدائرة. لم تكن تكره الرجال، ولم تكن تخاف الحب، لكنها كانت تخاف أكثر من أن تفقد حريتها باسم الحب.
كانت تقول لنفسها كلما طرق رجل باب حياتها:
«لا أريد أن أربط رأسي بأحد.»
وكانت العبارة، بمرور السنوات، تتحول من مجرد قرار إلى جدار. جدار عال، متين، لا نوافذ فيه.
كانت عتيقة كاتبة معروفة، تكتب القصة القصيرة كما لو أنها تلتقط من الحياة شظاياها الأكثر خفاء. لم تكن تحب الحكايات الكبيرة بقدر ما كانت مفتونة بتلك اللحظة الصغيرة التي تغير مصير إنسان: نظرة، كلمة، صمت، ارتباك عابر، أو يد تتردد قبل أن تطرق بابا.
وفي مساء هادئ، نشرت على حسابها نصا قصيرا.
لم تكن تعرف أن النص الذي كتبته في دقائق قليلة سيخرج من الشاشة ليبحث لها عن رجل لم تكن تنتظره.
كان عبد العزيز يملك عادة غريبة.
كان يقرأ.
لكن القراءة عنده لم تكن استهلاكا للنصوص، بل محاولة لاكتشاف ما تخفيه وراء لغتها. كان يكتب من حين إلى آخر قراءات نقدية لبعض النصوص الأدبية، وينشرها في مواقع ثقافية، بعضها خارج البلاد، حيث لا يعرف أصحاب النصوص من يكون ذلك القارئ الذي يقترب من كتاباتهم بكل هذا الانتباه.
وصل إلى نص عتيقة. قرأه مرة. ثم أعاد القراءة. وفي المرة الثالثة شعر أن النص لم يعد نصا.
كان وراء الكلمات صوت امرأة. لم يعرفها، لكنه شعر أنه يعرف شيئاً منها.
بدأ يكتب قراءته.
لم يكتف بتقديم النص أو الثناء على لغته. دخل إلى طبقاته العميقة، إلى المساحات البيضاء بين الجمل، إلى ذلك الحزن الذي لم تقلْه الكاتبة صراحة، وإلى الأسئلة التي تركتها معلقة في نهاية الحكاية.
كتب طويلا. وحين انتهى، نشر قراءته على موقع ثقافي دولي. ثم أغلق الحاسوب، ومضى إلى شأنه.
لم يكن يعرف أن عتيقة كانت في الجهة الأخرى من العالم الرقمي تقرأ ما كتب.
توقفت طويلا عند بعض الجمل، أعادت قراءة القراءة، كما أعادت ذات يوم قراءة نصوصها حين كانت تشك في أنها قالت شيئا أكثر مما أرادت.
كان الرجل قد رأى في نصها ما لم تره هي نفسها. لم يكن يمدحها.
كان يقرأها.
وهذا، بالنسبة إلى كاتبة، أخطر من الإعجاب.
فالإعجاب يمكن أن يكون عابرا، أما أن يشعر الإنسان أن أحدا دخل إلى مناطق مخفية منه دون أن يستأذن، فذلك شيء آخر.
احترمت عتيقة عبد العزيز قبل أن تعرفه. وكان الاحترام، في هذه الحكاية، هو الباب الأول.
بعدها جاء التواصل. رسالة قصيرة. ثم أخرى. ثم مكالمة.
كان يفترض أن تكون دقائق. لكن الدقائق تمددت، حتى صار الزمن نفسه كأنه فقد سلطته على الحديث.
تحدثا أكثر من ساعة. لم يتحدثا عن الحب. كانا يتحدثان عن الكتب، والكتابة، والمشاريع الثقافية، وعن المدن التي صنعت في كل واحد منهما شيئاً، وعن الإنسان حين يحاول أن يكتب نفسه ولا ينجح.
لكن عبد العزيز كان يسمع أكثر مما يسمع الكلمات. وكان صوتها يصل إليه بطريقة غريبة. لم يكن صوتا جميلا فقط، بل كان صوتا يربك داخله.
كلما تحدثت، شعر برجفة خفيفة لا يعرف لها اسماً. ولم يكن قد امتلك شجاعته الكاملة للاعتراف بذلك.
بعد أيام، قال لها: «صوتك يفعل بي شيئاً لا أعرف كيف أشرحه.»
ضحكت، ثم سكتت.
فأضاف: «أشعر أنه لا يصل إلى أذني فقط. كأنه يمضي إلى أبعد نقطة في شرايين قلبي.»
لم تجبه فورا.
كانت الكلمات كبيرة، لكنها لم تشعر أنها ثقيلة.
على العكس، أحست براحة لم تكن تتوقعها.
للمرة الأولى منذ وقت طويل، كانت تتحدث مع رجل دون أن تشعر أنها مطالبة بأن تكون شيئا آخر.
لم يطلب منها عبد العزيز أن تتغير، ولم يسألها عن حدودها ليحاول تجاوزها. كان يستمع فقط.
وحين تحدثت عن مشروعها الثقافي والفكري، شعرت أنه لا يستمع إليها مجاملة، بل لأنه يريد أن يعرف العالم الذي تعيش فيه. كان ذلك العالم، بالنسبة إليها، أهم من أي شيء.
ولذلك بدأت المسافة بينهما تضيق دون أن ينتبها.
ثم جاء المساء الذي تغيرت فيه الحكاية.
كانت عتيقة تتحدث، وفجأة شعرت بدوار. كانت هذه الحالة تزورها من حين إلى آخر. حاولت أن تستمر في الكلام، لكنها لم تستطع.
انقطع الاتصال.
جلس عبد العزيز ينظر إلى شاشة هاتفه.
انتظر، دقيقة، ثم عشر دقائق. ثم ساعة. لم يكن يعرف ما الذي حدث.
لكن القلق بدأ يأكل هدوءه.
اتصل مرة.
لم تجب.
اتصل مرة أخرى.
لا شيء.
لم يكن يعرف أين هي، ولا كيف يمكنه الاطمئنان عليها.
وفي تلك اللحظة اكتشف شيئا أخطر من الإعجاب. لقد أصبحت عتيقة تعنيه. وكان غيابها قادرا على أن يفسد مساءه.
وكان صمت هاتفها قادرا على أن يوقظ في داخله خوفا لم يكن يعرف أنه موجود.
حين عادت إلى التواصل، كان شيء ما قد تغير.
ربما تغير فيها هي.
وربما تغير فيه.
قالت له، بعد تردد: «أظن أنني بدأت أعتاد وجودك.»
لم يكن عبد العزيز بحاجة إلى تفسير. كانت الجملة، في حد ذاتها، اعترافا. ثم جاءت الجملة التي كانت أكثر وضوحا: «وأنا أيضا معجبة بك.»
لم يفرح عبد العزيز كما يفرح رجل يسمع اعترافا بالحب، فقد كان فرحه أعمق. كان يشبه نجاة إنسان وجد أخيرا اسمه مكتوبا في المكان الذي ظل يبحث عنه طويلا.
مرت أكثر من أسبوع. وفي كل يوم كان الحديث يأخذ شكلا جديدا. أحيانا يستغرق ساعات.
وكان عبد العزيز، في تلك الساعات، يقطع مسافات طويلة بين مدن بعيدة، دون أن يشعر بالتعب. وكانت الطرق تمر من حوله، والليل يتسع أمام السيارة، لكنه كان في مكان آخر.
كان معها، في الصوت، في الحكايات، في الأسئلة. وفي ذلك الصمت الذي كان بين جملة وأخرى. لم يكن الحب قد وصل بعد إلى جسديهما. لكنه كان قد وجد طريقه إلى أرواحهما. وكان ذلك هو الأمر الذي أربك عتيقة أكثر من أي شيء آخر.
فهي التي أمضت سنوات تقول إنها لن تربط حياتها برجل، وجدت نفسها فجأة مرتبطة بصوت. برجل لا يطالبها بشيء، بشخص دخل حياتها من نافذة صغيرة اسمها «قراءة نقدية».
كانت المفارقة تثير دهشتها. فهي التي جعلت من الكتابة وسيلة لحماية نفسها، اكتشفت أن الكتابة نفسها يمكن أن تكون الطريق الذي يدخل منه الآخر إلى قلبها.
ثم عادَت عتيقة إلى عملها في مدينتها.
وكان أول ما فكرت فيه بعد استقرارها أن تلتقي عبد العزيز.
لم يكن اللقاء الأول يشبه لقاء عاشقين بالمعنى التقليدي، ولم تكن هناك مبالغة، لا ورود كثيرة، ولا عبارات محفوظة.
جلسا كأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات. وكانت الصراحة بينهما غريبة. تحدثا عن الثقافة والسياسة والكتب والكتابة والناس، وعن الخيبات الصغيرة التي تصنع في النهاية شخصياتنا الكبيرة.
ثم سكتا.
كان الصمت هذه المرة مختلفا.
نظر كل واحد منهما إلى الآخر، وكأنهما وصلا معا إلى النقطة التي كانا يبحثان عنها منذ البداية.
لم تعد المسألة قراءة نص، ولا قراءة كاتب، ولا حتى قراءة إنسان. كان كل واحد منهما يقرأ الآخر.
قرأ عبد العزيز في عينيها المرأة التي أخفت قلبها طويلاً خلف استقلالها.
وقرأت عتيقة في عينيه رجلاً لم يأت ليقتحم عالمها، بل ليجلس على عتبته منتظراً أن تفتح له الباب.
ولذلك لم يكن ما حدث بعد ذلك انتصار رجل على امرأة. بل كان انتصار روحين على خوفهما.
حين اختارا الزواج، لم يكن القرار وليد لحظة عاطفية عابرة. بل كان ثمرة طريق طويل من الإنصات والاحترام والصدق.
كانت عتيقة تعرف أنها لا تريد أن تعيش علاقة تبتلعها.
وكان عبد العزيز يعرف أنه لا يريد امرأة يفقدها نفسها كي تكسبه.
فأصبح الزواج، بالنسبة إليهما، لا قيدا بل مساحة مشتركة. مساحة يستطيع فيها كل واحد منهما أن يبقى هو نفسه، دون أن يكون وحيدا.
عاشا حياة لم يتخيلاها في البداية. كانا يختلفان أحيانا.
يتعبان.
يصمتان.
ويعودان.
لكن شيئا واحداً ظل ثابتا: ذلك الاحترام الأول الذي بدأ من نص قصير وقراءة نقدية.
وكان عبد العزيز كلما تذكر البداية يبتسم. يقول في سره: «لم أدخل قلبها من بابه.»
لقد دخل من نص.
دخل من جملة.
من قراءة.
من اهتمام لم يكن يبحث عن امرأة.
وكانت عتيقة، كلما تذكرت أنها قالت ذات يوم إنها لن تربط رأسها بأي رجل، تبتسم هي الأخرى.
ثم تنظر إلى الرجل الجالس قربها، وتفكر أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا لأننا بحثنا عنهم، بل لأن نصاً كتبناه ذات مساء قرر أن يرسلهم إلينا.
وهكذا، لم تكن الحكاية في النهاية حكاية رجل استطاع أن يصل إلى قلب امرأة. كانت حكاية قلبين اكتشفا أن الحب الحقيقي لا يبدأ دائماً من العينين.
أحيانا يبدأ من قارئ يقرأك كما لم يقرأك أحد من قبل. وأحيانا اخرى، لا تحتاج الروح إلى من يقتحم حصونها. بل تحتاج فقط إلى شخص يقف أمام الباب، يقرأ ما كتبت، ويفهم لماذا أغلقته.
عندها، وربما للمرة الأولى، تفتح أنت الباب. لا لأنك هزمت. بل لأنك وجدت أخيرا من يستحق أن يدخل.



