حين يصبح الضجيج أيديولوجيا: كيف اغتالت الهواتف الذكية الحق في الصمت؟عبد العزيز الخبشي- المغرب

ثمة ظواهر تبدو في ظاهرها تافهة، لكنها في حقيقتها تكشف عن تصدعات عميقة في بنية المجتمع. ومن بين هذه الظواهر أن تجلس في مقهى، بحثا عن لحظة هدوء أو تأمل، فإذا بك تجد نفسك أسيرا لعشرات المقاطع المصورة التي تنبعث من هواتف الزبائن بأعلى الأصوات؛ هذا يشاهد فيديوهات “تيك توك”، وذاك يتنقل بين “فيسبوك” و”إنستغرام”، وآخر يرفع صوت مباراة أو أغنية أو دردشة، حتى يتحول المقهى إلى سوق إلكترونية مفتوحة، لا يعرف فيها الصمت طريقا، ولا يجد العقل فرصة لالتقاط أنفاسه.
قد يعتقد البعض أن الأمر لا يعدو كونه سلوكا مزعجا، لكنه في الحقيقة أكثر خطورة من ذلك بكثير. إنه إعلان غير واع عن انهيار إحدى أهم القيم التي قامت عليها الحضارة الإنسانية، وهي الاعتراف بوجود الآخر. فحين يفرض شخص صوته على الجميع، فإنه لا يزعجهم فقط، بل ينكر عليهم حقهم في امتلاك لحظتهم الخاصة، وكأنه يقول لهم: “ما أستمع إليه أهم مما تشعرون به.”
لقد كان الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس يرى أن الفضاء العمومي هو المجال الذي يتعلم فيه الناس التعايش عبر الحوار العقلاني والاحترام المتبادل، وأن جودة الديمقراطية تقاس بقدرة الأفراد على الاعتراف ببعضهم بعضا داخل المجال المشترك. أما اليوم، فإن جزءا من هذا الفضاء لم يعد يُدار بالحوار، بل بالضجيج. لقد انتقلنا من مجتمع يتبادل الأفكار إلى مجتمع تتصارع فيه الأصوات، ومن ثقافة الإصغاء إلى ثقافة البث المستمر، حتى أصبح الصوت المرتفع بديلا عن الحجة، والاستعراض بديلا عن التواصل.
إن الهاتف الذكي لم يعد مجرد أداة تواصل، بل أصبح عند كثيرين امتدادا للذات النرجسية. لم يعد السؤال: ماذا أحتاج؟ بل أصبح: كيف أفرض حضوري؟ ولذلك فإن رفع صوت الهاتف داخل المقهى ليس مجرد عادة سيئة، بل هو تعبير عن ثقافة ترى أن الذات هي مركز الكون، وأن الآخرين مجرد ديكور بشري لا يستحق الالتفات إليه.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فكلما تطورت التكنولوجيا، تراجعت أحيانا أخلاق استعمالها. لقد نجح الإنسان في اختراع أجهزة تستطيع أن تنقل الصوت إلى أقصى الأرض، لكنه فشل في تعلم متى ينبغي أن يخفض ذلك الصوت. إن المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الإنسان الذي لم يتطور وعيه بالسرعة نفسها التي تطورت بها أدواته.
لقد حذر الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هربرت ماركوز، في نقده للمجتمع الصناعي الحديث، من أن التقنية قد تتحول إلى وسيلة لإنتاج “الإنسان أحادي البعد”؛ إنسان مستهلك، ومنشغل باستمرار، فاقد للقدرة على التأمل والنقد، يعيش داخل دائرة من الإشباع الفوري والاستهلاك المتواصل. وما نشهده اليوم داخل المقاهي يكاد يكون تجسيدا يوميا لهذه الفكرة؛ فالفرد لم يعد قادرا على الجلوس دقائق قليلة دون أن يغمر وعيه سيل لا ينتهي من المقاطع القصيرة والأصوات المتلاحقة.
ولو كان هربرت ماركوز بيننا اليوم، لربما اعتبر أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي نجحت في استعمار انتباه الإنسان، بحيث لم يعد الفرد يملك حريته الداخلية، بل أصبح أسيرا لمنطق الإشعارات والمقاطع القصيرة التي تستولي على وعيه وتدفعه إلى إعادة إنتاج الضجيج في كل مكان يوجد فيه.
ومن زاوية علم النفس، فإن الإنسان الذي يعجز عن احتمال الصمت يعاني، في كثير من الأحيان، من خوف خفي من مواجهة ذاته. فالصمت ليس فراغا كما يظن البعض، بل هو مساحة يلتقي فيها الإنسان بنفسه. ولذلك يهرب كثيرون منه إلى الضجيج الرقمي، لأن مواجهة الذات أصعب من متابعة مئات المقاطع العابرة. إن الضجيج هنا ليس مجرد صوت، بل آلية دفاع نفسي ضد التفكير، وضد الأسئلة الكبرى، وضد الوحدة الداخلية.
وفي هذا السياق، تبدو أفكار عالم الاجتماع الكندي إرفينغ غوفمان ذات دلالة خاصة؛ فقد أوضح أن الحياة الاجتماعية تقوم على طقوس دقيقة من الاحترام المتبادل، وأن كل فرد مطالب بإدارة حضوره داخل المجال العام بطريقة لا تنتهك المساحة النفسية أو الرمزية للآخرين. ومن هذا المنظور، فإن فرض الأصوات على الجالسين ليس مجرد مخالفة لقواعد الذوق، بل إخلال بأخلاقيات التفاعل الاجتماعي التي تجعل العيش المشترك ممكنًا.
كما يمكن استحضار الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس الذي جعل من “الآخر” محورا للفلسفة الأخلاقية، معتبرا أن المسؤولية تجاه الآخر تسبق حتى حريتنا الفردية. فإذا كانت حريتي في استعمال هاتفي تؤدي إلى سلب الآخر حقه في الهدوء، فإنها تتحول من حرية إلى اعتداء مقنع، لأن الأخلاق تبدأ، في نظر ليفيناس، عندما نعترف بأن للآخر حقا علينا قبل أن يكون لنا حق عليه.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا السلوك بدأ يكتسب شرعية اجتماعية. فلم يعد أحد يستنكر رفع الصوت، بل أصبح المستنكر نفسه يشعر بالحرج إذا طلب من جاره أن يستعمل سماعة الأذن. وهكذا ينقلب ميزان القيم؛ فيصبح الاحترام استثناء، بينما تتحول الفوضى إلى قاعدة.
إن الحضارات لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تتآكل من تفاصيلها الصغيرة. تبدأ حين يفقد الناس احترام الطابور، ثم احترام القانون، ثم احترام الوقت، ثم احترام الصمت. وما يبدو مجرد هاتف مرتفع الصوت ليس سوى عرض لمرض أعمق، هو تراجع الحس المدني، ذلك الحس الذي يجعل الإنسان يدرك أن وجوده لا يكتمل إلا بالاعتراف بحقوق الآخرين.
ولعل ما يسميه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان بـ”الحداثة السائلة” يفسر جانبا من هذه الظاهرة؛ ففي مجتمع سريع الإيقاع، أصبحت العلاقات أكثر هشاشة، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية، وحلت الفردانية محل روح الجماعة، حتى صار الإنسان يعيش مع الآخرين دون أن يشعر فعلا بوجودهم.
والمفارقة الساخرة أن العالم وفر حلا بسيطا لهذه المشكلة منذ سنوات. سماعة صغيرة، لا يتجاوز ثمنها بضع عشرات من الدراهم، تستطيع أن تمنح صاحبها كل المتعة التي يريدها، دون أن تسلب الآخرين حقهم في السكينة. لكن المشكلة، مرة أخرى، ليست في غياب السماعة، بل في غياب الثقافة التي تجعل الإنسان يشعر بالخجل من إزعاج غيره.
إن احترام الصمت ليس ترفا برجوازيا كما قد يتصور البعض، بل هو حق إنساني. فالصمت هو البيئة الطبيعية للتفكير، والإبداع، والقراءة، والحوار الحقيقي. وقد كتب الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ-تشول هان أن مجتمعنا يعيش تحت وطأة فائض دائم من المعلومات والاتصال والضجيج، حتى أصبح الإنسان عاجزا عن ممارسة التأمل العميق، لأن كل لحظة صمت تُملأ فورا بمحتوى جديد يستهلك انتباهه.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يرفع الناس صوت هواتفهم؟ بل: كيف أصبحنا مجتمعا يتسامح مع هذا القدر من الاعتداء اليومي على الفضاء المشترك؟ وكيف تحولت الأنانية من سلوك معيب إلى ممارسة عادية لا تستدعي حتى الاعتذار؟
إننا لا نحتاج اليوم إلى هواتف أكثر ذكاء، بل إلى بشر أكثر وعيا. ولا نحتاج إلى تطبيقات جديدة، بقدر حاجتنا إلى إعادة الاعتبار لقيم الذوق العام، والتربية المدنية، واحترام المجال المشترك. فالحضارة ليست عدد الأقمار الصناعية التي نطلقها إلى السماء، وإنما قدرتنا على الجلوس في مقهى واحد دون أن يتحول كل هاتف إلى مكبر صوت يحتل آذان الجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا ليس الضجيج في حد ذاته، بل أن يفقد أفراده القدرة على ملاحظة الضجيج، وأن يتكيفوا معه حتى يصبح الإزعاج طبيعيا، والاحترام استثناء، والصمت حالة شاذة. عندها لا يكون الهاتف هو الذي انتصر، بل تكون ثقافة الاستهلاك والاستعراض قد انتصرت على الإنسان نفسه. وحين يموت الإحساس بالآخر، لا يعود الضجيج مجرد صوت مرتفع، بل يصبح لغة مجتمع فقد شيئا من إنسانيته، دون أن يشعر.





