نافذة لا تغلق / عبد العزيز الخبشي- المغرب

كان المساء قد تمدد فوق المدينة ببطء، حين جلس أمام شاشة هاتفه للمرة الثالثة، لا لسبب واضح سوى أنه كان ينتظر ظهور اسمها.
لم يكن قد مضى على معرفته بها سوى أسابيع قليلة، لكنها كانت أسابيع كافية لأن يتسلل صوتها إلى يومه دون استئذان، وأن يصبح حضورها، من حيث لا يدري، جزءاً من عاداته الصغيرة. لم يكن يعرف إن كان ما يشعر به حباً، أم بداية حب، أم مجرد ذلك الانجذاب الغامض الذي يجعل إنساناً يبدو لنا، في وقت قصير، أقرب مما تسمح به الأيام.
كانت عتيقة مختلفة.
لم تكن كثيرة الكلام، لكنها حين تتحدث تترك وراء كلماتها معنى آخر. كانت تكتب كما لو أنها لا تريد للكلمات أن تكون مجرد عبارات عابرة، بل نوافذ صغيرة يمكن أن يرى من خلالها الآخر شيئاً من روحها. وكان هو، في كل مرة يقرأ لها، يشعر أنه لا يتعرف إليها فقط، بل يتعرف أيضاً إلى نفسه من خلالها.
في ذلك المساء، انتظر رسالتها.
قال لنفسه في البداية إنها ربما مشغولة.
ثم قال إنها ربما خرجت.
ثم تذكر أنها أخبرته بأنها ستكون في سفر رفقة أسرتها.
لكن الليل طال.
ومع كل دقيقة كان القلق يزداد، حتى بدأ عقله ينسج من الصمت حكايات لا علاقة لها بالواقع. هل حدث لها شيء؟ هل انزعجت منه؟ هل أخطأ في شيء؟ هل كان اهتمامه أكبر مما ينبغي؟ أم أنها ببساطة لم تعد ترغب في الحديث معه؟
فتح الهاتف وأغلقه.
كتب رسالة ثم محاها.
كتب أخرى أكثر اختصاراً ثم تراجع.
وفي النهاية، غلبه القلق، فكتب لها أنه كان ينتظر تواصلها وأن غيابها أقلقه كثيراً.
لم يكن يريد أن يعاتبها.
أو هكذا أقنع نفسه.
كان يريد فقط أن يقول لها إن غيابها لم يكن عادياً بالنسبة إليه.
في الصباح، وصل الرد.
قرأه مرة.
ثم أعاد قراءته ببطء.
لم يكن فيه غضب، ولا برود، ولا محاولة لإغلاق الباب. كان فيه شيء آخر أكثر هدوءاً وأشد عمقاً.
قالت له إنها لم تقصد إهماله أو تجاهله، وإنها كانت تنوي التواصل معه حين تصل إلى البيت، لكنها عادت متعبة وفي وقت متأخر بعد السفر ورفقة الأسرة. قالت إنها تتفهم انزعاجه لأنه كان ينتظر تواصلها، لكنها لا تستطيع أن تكون متاحة دائماً، خصوصاً وأنهما ما زالا في بداية التعارف.
ثم قالت الجملة التي بقيت في رأسه طويلاً:
«أفضل أن نترك التواصل بيناتنا عفوياً ومريحاً وبسيطاً.»
توقف عندها.
كان يمكنه أن يقرأها باعتبارها تراجعاً.
وكان يمكنه أن يقرأها باعتبارها رغبة في الابتعاد.
وكان يمكنه، كما يفعل القلب حين يخاف، أن يبحث بين الكلمات عن باب مغلق.
لكنه، للمرة الأولى، حاول أن يقرأ ما وراء الكلمات.
لم تكن تقول له: ابتعد.
كانت تقول له: لا تجعل القرب عبئاً.
لم تكن تقول: لا أهتم.
كانت تقول: لا تجعل اهتمامنا امتحاناً يومياً.
لم تكن ترفض حضوره.
كانت تطلب فقط ألا يتحول حضوره إلى مطالبة.
جلس طويلاً أمام النافذة.
كانت المدينة تستيقظ ببطء، والناس يعبرون الشوارع كما لو أن لكل واحد منهم موعداً لا يعرفه الآخرون. أدرك فجأة أن المشكلة لم تكن في غيابها، بل في المعنى الذي منحه هو لذلك الغياب.
لقد أراد أن يطمئن عليها، وهذا جميل.
لكنه لم ينتبه إلى أن قلقه، حين يُقال بطريقة معينة، يمكن أن يصبح عبئاً على الشخص الذي نحبه.
فليس كل انتظار حباً، وليس كل عتاب اهتماماً، وليس كل خوف دليلاً على عمق العلاقة.
أحياناً، يكون الحب الحقيقي هو أن تقلق دون أن تحاصر، وأن تشتاق دون أن تطالب، وأن تنتظر دون أن تجعل الآخر يشعر بأنه مدين لك بحضوره.
وفي المساء، كتب لها.
لم يكن يريد أن يدافع عن نفسه.
ولم يكن يريد أن يبرر قلقه.
كان يريد فقط أن يقول إنه فهم.
كتب:
«مساء الخير عتيقة، وأشكرك على ردك الجميل وتفاعلك الراقي. ربما كنت أقرأ رسالتك الأولى بعين القلق أكثر مما ينبغي، لكن ردك جعلني أرى فيها معنى آخر. أتفق معك أن أجمل بدايات التعارف هي تلك التي لا تثقلها التوقعات، ولا تفسدها الحسابات. يسعدني أن نتعرف إلى بعضنا بهذا الهدوء والعفوية، وأن يظل بيننا الاحترام والدفء وشيء جميل يشبه الأمل.»
قرأ الرسالة قبل إرسالها أكثر من مرة.
ثم ضغط على زر الإرسال.
هذه المرة لم ينتظر الرد.
وضع الهاتف جانباً.
شعر بخفة لم يعرف مصدرها.
كان شيئاً قد تغير فيه، شيئاً صغيراً لكنه مهم. لقد اكتشف أن القرب لا يعني أن يصبح الآخر متاحاً دائماً، وأن المعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نعرف أين يوجد الآخر في كل لحظة، بل حين نعرف كيف نحترم غيابه.
مرّت ساعة.
ثم ساعتان.
وفي وقت متأخر من الليل، اهتز الهاتف.
كانت رسالة منها.
فتحها.
لم تكن طويلة.
قالت:
«أعتقد أننا بدأنا نفهم بعضنا أكثر.»
ابتسم.
قرأها مرة ثانية.
ثم أغلق الهاتف.
لم يشعر بالحاجة إلى إضافة شيء.
كان يعرف أن بعض الرسائل لا تحتاج إلى جواب، لأنها حين تصل إلى القلب تكون قد قالت كل شيء.
في الأيام التالية، لم يعد يقيس المسافة بينهما بعدد الرسائل. لم يعد ينزعج إن تأخرت، ولم تعد هي تشعر بأنها مطالبة بتبرير كل غياب. صارا يتحدثان حين يرغبان، ويصمتان حين تفرض الحياة صمتها.
وكان الغريب أن المسافة التي خاف منها في البداية لم تُبعدهما.
بل جعلت القرب أكثر جمالاً.
كلما تحدثا، كان يشعر أن الكلام يأتي من رغبة حقيقية، لا من واجب. وكلما غابت، لم يعد يرى في غيابها تهديداً، بل مساحة طبيعية لحياتها، كما له حياته.
وذات مساء، كانت السماء تمطر.
كان جالساً في مقهى هادئ، حين رن هاتفه.
قالت:
— هل ما زلت تحب صوتي؟
ضحك.
وقال:
— أكثر مما ينبغي.
قالت:
— ولماذا أكثر مما ينبغي؟
فكر قليلاً، ثم قال:
— لأن صوتك لا يصل إلى أذني فقط.
سكتت.
ثم ضحكت تلك الضحكة التي كان يحبها.
قالت:
— وأين يصل؟
أجاب:
— إلى المكان الذي لا أعرف كيف أشرح لكِ طريقه.
ساد الصمت بينهما.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن انتظاراً ولا قلقاً.
كان ألفة.
كانت نافذة مفتوحة على مساء طويل.
بعد أن انتهت المكالمة، ظل ينظر إلى المطر خلف زجاج المقهى. تذكر كم كان خائفاً من الصمت قبل أيام، وكيف كان يظن أن الغياب يعني بالضرورة ابتعاداً.
ابتسم.
ربما كان عليه أن يتعلم منذ البداية أن الإنسان الذي نريد أن نقترب منه ليس بيتاً ندخل إليه دون استئذان، ولا كتاباً نملك حق فتح صفحاته متى شئنا. إنه عالم كامل، له أبوابه ونوافذه وغيومه ومواعيده وأسراره.
وأن أجمل ما يمكن أن نهديه لمن نحب ليس حضورنا الدائم، ولا طلب حضوره الدائم، وإنما الأمان.
ذلك الأمان الذي يقول للآخر:
اذهب حين تحتاج إلى الذهاب، وعد حين ترغب في العودة؛ لن أحوّل غيابك إلى تهمة، ولن أجعل حضوري قيداً عليك.
وفي صباح اليوم التالي، كتب لها:
«صباح الخير عتيقة.»
ثم توقف.
كان يريد أن يكتب كثيراً.
أن يقول لها إنها أول فكرة تعبر قلبه حين يستيقظ، وأن صوتها صار يشبه الدفء، وأنه يشتاق إليها، وأن بعض النساء لا يكفيهن صباح الخير.
لكنه اكتفى هذه المرة بكلمتين.
صباح الخير.
ثم ابتسم.
كان يعرف أن ما لم يقله لن يضيع.
فبعض المشاعر، حين تكون صادقة، لا تحتاج إلى أن تُقال كلها.
يكفي أن تجد طريقها إلى القلب.
وكان قلبه قد وجد طريقه إليها.
لا مسرعاً.
لا خائفاً.
ولا مطالباً.
بل هادئاً، كما ينبغي لحب جميل أن يبدأ.



