الضفة التي عادت/ عبد العزيز الخبشي- المغرب

حين خرج إلياس من البيت، لم يكن الفجر قد استعاد لونه بعد. كانت الأزقة نصف نائمة، والقطط تبحث في أكوام القمامة عن بقايا ليلة أخرى، بينما كانت أمه، خلف الباب، تغط في نوم خفيف يشبه انتظارًا مؤجلًا.
ترك الباب مواربًا.
لم يلتفت.
كان يخشى أن تناديه.
في الساحة، كان رفاقه يتجمعون بصمت. لم يكن أحد يتحدث عن البحر، ولا عن سبتة، ولا عن أوروبا. كانوا يتحدثون عن أشياء صغيرة: كرة ضائعة، مقهى أغلق أبوابه، جار باع منزله، وكلب صار ينبح طوال الليل. كانوا يعرفون أن الكلام الكبير يخيف، لذلك احتموا بالتفاصيل.
قال سعيد وهو ينظر إلى الأفق:
ـ البحر قريب اليوم.
ابتسم إلياس.
كان البحر، في نظره، لا يقترب ولا يبتعد. وحدهم البشر هم الذين يغيرون المسافات.
حين وصلوا إلى الشاطئ، بدا الماء هادئًا على نحو يثير الريبة. لا شيء في وجهه يوحي بأنه ابتلع قبل أيام أحلامًا وأجسادًا وأسماءً اختفت من دفاتر العائلات.
خلع إلياس حذاءه.
تركه فوق الرمل.
فكر، لبرهة، أن الأحذية تعرف العودة أكثر مما يعرفها أصحابها.
ثم دخل الماء.
في البداية كان البحر باردًا، ثم صار جسده جزءًا منه. لم يعد يميز بين الموج وأنفاسه. كان يسمع حوله أصواتًا متقطعة، ضحكات، صرخات، وصفيرًا يأتي من بعيد، لكنه لم يكن يرى سوى وجه أبيه.
كان الأب يقول له، كلما مرّا بمحاذاة الساحل:
“البحر لا يسرق الناس… الناس هم الذين يودعون عنده ما عجزوا عن حمله.”
لم يفهم الجملة آنذاك.
أما الآن، فقد شعر أنها تطفو فوق الماء قبله.
وصل.
كانت المدينة أمامه صامتة.
لا رايات.
لا مدافع.
لا حراس يقفون في انتظار الغازين.
دخلها كما يدخل الغريب حلمًا لا يعرف إن كان يخصه.
تجول مع أصدقائه في الأزقة.
واجهات المحلات تلمع.
المقاهي مليئة بأناس يشربون قهوتهم ببطء، كأن الزمن هنا يمشي بعكاز.
توقف أمام نافذة متجر.
رأى صورته في الزجاج.
تردد قليلًا.
لم يعرف الرجل الذي ينظر إليه.
سأل نفسه:
“هل عبرتُ البحر… أم عبرني البحر؟”
لم يجب أحد.
في ساحة صغيرة، جلس شيخ يطعم الحمام.
كانت الطيور تلتقط الحبوب ثم تعود إلى المكان نفسه.
قال الشيخ، دون أن يرفع رأسه:
ـ الطيور وحدها تعرف أن العودة ليست هزيمة.
رفع إلياس عينيه.
ظن أن الرجل يخاطب الحمام.
لكن الحمام لم يكن يصغي.
كان وحده من سمع الجملة.
تابع السير.
في كل شارع كان يكتشف أن المدن تتشابه أكثر مما تختلف. الإسفلت هو الإسفلت، والزجاج هو الزجاج، والوجوه، مهما اختلفت لغاتها، تحمل التعب نفسه.
الاختلاف الوحيد كان في داخله.
كان شيئًا ما يتصدع بصمت.
جلس على حافة الرصيف.
أخرج من جيبه حفنة تراب صغيرة، كان قد أخذها من أمام البيت قبل أن يغادر. لا يعرف لماذا فعل ذلك. ربما لأن الإنسان، حين يخاف أن يضيع، يحمل معه دليلًا صغيرًا على أنه كان موجودًا في مكان ما.
فتح كفه.
نظر إلى التراب طويلًا.
ثم أغلقها من جديد.
اقترب منه حمزة.
قال:
ـ سنبقى؟
نظر إلياس إلى البحر.
كان يلمع تحت شمس الظهيرة كمرآة مكسورة.
أجاب:
ـ لا أدري.
لكنه كان يعرف.
كان يعرف منذ اللحظة التي رأى فيها صورته في الزجاج.
وقبل الغروب، عادوا إلى الساحل.
لم يكن البحر قد تغير.
الماء هو الماء.
الموج هو الموج.
لكن الذين دخلوه صباحًا لم يكونوا هم الذين وقفوا أمامه مساءً.
قال سعيد:
ـ ألم نأتِ لنبحث عن حياة أخرى؟
ابتسم إلياس.
هز رأسه ببطء.
ثم قال:
ـ ربما… لكن الحياة الأخرى ليست دائمًا في الضفة الأخرى.
دخل الماء ثانية.
هذه المرة لم يكن يسبح نحو مدينة.
كان يسبح نحو سؤال.
وحين لاح له الشاطئ الذي غادره صباحًا، رأى حذاءه ما يزال في مكانه.
لم يبتله المطر.
ولم يسرقه أحد.
انتعله.
شعر أن قدميه عادتا إلى مقاسهما الطبيعي.
في الطريق إلى البيت، مر بالأطفال وهم يلعبون الكرة في الزقاق الضيق.
اختلفوا على هدف لم يدخل المرمى.
تشاجروا.
ثم ضحكوا.
واصلوا اللعب.
ابتسم.
قال في سره:
“حتى الأوطان تشبه هؤلاء الصغار… نغضب منها، نغادرها في الخيال، ثم نعود إليها لأن المباراة لم تنته بعد.”
حين فتح الباب، كانت أمه تجلس في المكان نفسه.
لم تسأله أين ذهب.
ولم يخبرها أين كان.
وضعت يدها على كتفه، كما لو أنها تعيد تثبيته في العالم.
في تلك الليلة، لم يسمع هدير البحر.
كان يسمع فقط نبضًا خافتًا يأتي من التراب تحت البيت.
وأدرك، لأول مرة، أن بعض الرحلات لا تُقاس بعدد الأميال، بل بالمسافة التي يقطعها الإنسان بين الوهم والحقيقة.
أما البحر…
فقد ظل هناك.
لا يفصل بين ضفتين.
بل بين قلبين:
قلب يظن أن الخلاص في الرحيل،
وقلب يكتشف، بعد فوات الموج، أن العودة ليست رجوعًا إلى المكان، بل رجوعًا إلى الذات.





