الفرق بين الحرية والقيد/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنان
*
*
كم من حرٍّ مقيّد؟
كيف يكون الحرّ مقيّدًا؟
كل من يكون خارج إطار السجن، بالمفهوم العام، فهو حر. لكن هل الحرية تقتصر على عدم وجود الإنسان خلف القضبان؟
قد يكون الإنسان حرًّا بالمفهوم العام، لكنه مقيّد بقيود أخرى لا تُرى بالعين.
فالموظف، مثلًا، مقيّد بالقوانين وبقرارات من هم أعلى منه في التراتبية الوظيفية. وهو، وإن كان حرًّا في حياته خارج مكان العمل، إلا أن وظيفته تفرض عليه الالتزام بأنظمة وقرارات تحدد له ما يستطيع فعله وما لا يستطيع.
وكم من رجل مقيّد بأحكام زوجته وقوانينها، وزوجة مقيّدة بأحكام زوجها، وقد يكون كلاهما مقيّدًا أيضًا بأحكام الأهل وتقاليدهم وما يفرضه المحيط الاجتماعي.
فالقيود ليست دائمًا سلاسل وأصفادًا، وليست بالضرورة جدران سجن تحيط بالإنسان؛ فقد تكون في الحياة اليومية، وفي العلاقات، وفي العمل، وفي العادات، وفي الأفكار.
أما الزعيم أو الحاكم أو السياسي، فمنهم من يتخطى القوانين ويعمل بأجندة خارجية؛ وهذا، بالمفهوم العام، قد يكون حرًّا في حركته، لكنه قد يكون مقيّدًا بفكره ورأيه وبما ارتبط به من توجهات ومصالح.
وهنا نصل إلى الوجه الآخر من المسألة:
ومن مقيّدٍ حرّ؟
المثقف قد تقيّده القوانين، لكنه يتخطاها بحرية رأيه، حتى لو تعرّض للسجن. فالجسد يمكن أن يُقيّد، لكن الفكر لا يُسجن بالضرورة، والرأي الذي يؤمن به الإنسان قد يبقى حرًّا حتى عندما تُغلق الأبواب من حوله.
والجندي أيضًا تقيّده القوانين، والأفكار المزروعة في رأسه، وعقيدته التي تربّى عليها. منهم من يبقى ملتزما و منهم ، الثائر ، كالعصفور السجين، عندما يرى القيد ظالمًا، قد يتحرر منه، بإحداث ثورة تغيّر واقعه عند تغيّر المعطيات، وقد يكون الثمن حياته.
وهنا تتبدّى لنا صورة أخرى للحرية؛ فليس كل من يملك حرية الحركة حرًّا في فكره، وليس كل من قُيّد جسده فقد حريته الداخلية.
القيد ليس فقط بتكميم الأفواه والأصفاد.
فقيد الأفكار أصعب بكثير؛ لأن الإنسان قد يحمل سجنه في داخله، وقد يصبح أسير فكرة لا يستطيع الخروج منها، أو أسير اعتقاد لا يسمح له بأن يرى ما وراءه.
وسجن العقول في قوالب سياسية عمياء هو أيضًا من القيود، وهو وئد للحرية؛ لأن الحرية لا تكون في أن يفكر الإنسان كما يُطلب منه، بل في أن يمتلك القدرة على التفكير، والسؤال، والمراجعة، وتكوين رأيه.
فقد يكون الإنسان خارج السجن، لكنه يعيش في سجن فكره، وقد يكون خلف القضبان، لكنه يحتفظ بحرية روحه وفكره ورأيه.
ومن هنا، فالحرية ليست مجرد باب مفتوح يعبر منه الإنسان، وليست غياب الأصفاد عن اليدين؛ إنها أوسع من ذلك بكثير.
قد يكون الحرّ مقيّدًا، وقد يكون المقيّد حرًّا.
والفارق بين الاثنين قد لا يظهر في المكان الذي يقف فيه الإنسان، بل في الفكر الذي يحمله، والرأي الذي يملكه، والقدرة على أن يرى القيد قيدًا، والحرية حرية.



