📰 آخر الأخبار
أنا جميلة للغاية / أيمان عبد الرحيمThree Literary Texts By Salim Elias Madaloعدي بن الرقاع العاملي /جواد عامرSoliloquy of an Exiled Star / Abu Zubier -Bangladeshصِغر وأثر  /  سميرة جدي -الجزائرEcstasy / Heo Hyung-manهات رسائلي/مجيدة محمديأخطاء لويس عوض في ترجمة قصيدة الأرض اليباب لإليوت/إبراهيم أبو عواد / الأردنموت الإله: من نبوءة نيتشه الفلسفية إلى القلق التاريخي للمفهوم/علي نفنوف-دبيماذا يحدث ؟نبيل حامد-القاهرة«مستر زِبِغ..»… سيرة بريجنسكي بين الحرب الباردة ولعبة التنس/محمد تركي الربيعوحقوق النشر الرقمي/د.ازهر سليمانالكراهية بوصفها عاطفة إنسانية : محمد الجلايدي- المغربالشاعر نعمة العزاوي: الهايكو طفرة أدبية/حاوره / علي صحن عبد العزيزHell’s Passion/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanالقيامة المؤجلة... غزة، المقبرة التي ما زالت تتنفس/الدكتور حسن العاصيزهراء غريب.. أول كاتبة بحرينية تعمل في صحيفة فلسطينية تصدر من غزة/جواد العقاد| رئيس تحرير اليمامة الجديدةشيء ما يشبه الضباب قصيدة للشاعر البرتغالي فيراندو بيسو/ترجمة سالم الياس مدالومن نقد الوعي الانتخابي إلى تفكيك صناعة الفرجة السياسية: قراءة نقدية في مقولة الشاعر بوجمعة العوفي/عبد العزيز الخبشي- المغربفي ذروة الدهشة/حَسَن السَّاعدِي-الْعِرَاقأدونيس .. شاعر يسرق إبداعات الآخرين/جهاد فاضل مدانٌ بالحياة/عارف عبد الرحمنأدونيس 37 عاما من تكريس الفشل/د. رسول عدنان-الولايات المتحدةقصيدتان من شعر السيجو الكوري الحديث/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالنادر وطبيب العائلة/سالم الياس مدالو
أنا جميلة للغاية / أيمان عبد الرحيمThree Literary Texts By Salim Elias Madaloعدي بن الرقاع العاملي /جواد عامرSoliloquy of an Exiled Star / Abu Zubier -Bangladeshصِغر وأثر  /  سميرة جدي -الجزائرEcstasy / Heo Hyung-manهات رسائلي/مجيدة محمديأخطاء لويس عوض في ترجمة قصيدة الأرض اليباب لإليوت/إبراهيم أبو عواد / الأردنموت الإله: من نبوءة نيتشه الفلسفية إلى القلق التاريخي للمفهوم/علي نفنوف-دبيماذا يحدث ؟نبيل حامد-القاهرة«مستر زِبِغ..»… سيرة بريجنسكي بين الحرب الباردة ولعبة التنس/محمد تركي الربيعوحقوق النشر الرقمي/د.ازهر سليمانالكراهية بوصفها عاطفة إنسانية : محمد الجلايدي- المغربالشاعر نعمة العزاوي: الهايكو طفرة أدبية/حاوره / علي صحن عبد العزيزHell’s Passion/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanالقيامة المؤجلة... غزة، المقبرة التي ما زالت تتنفس/الدكتور حسن العاصيزهراء غريب.. أول كاتبة بحرينية تعمل في صحيفة فلسطينية تصدر من غزة/جواد العقاد| رئيس تحرير اليمامة الجديدةشيء ما يشبه الضباب قصيدة للشاعر البرتغالي فيراندو بيسو/ترجمة سالم الياس مدالومن نقد الوعي الانتخابي إلى تفكيك صناعة الفرجة السياسية: قراءة نقدية في مقولة الشاعر بوجمعة العوفي/عبد العزيز الخبشي- المغربفي ذروة الدهشة/حَسَن السَّاعدِي-الْعِرَاقأدونيس .. شاعر يسرق إبداعات الآخرين/جهاد فاضل مدانٌ بالحياة/عارف عبد الرحمنأدونيس 37 عاما من تكريس الفشل/د. رسول عدنان-الولايات المتحدةقصيدتان من شعر السيجو الكوري الحديث/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالنادر وطبيب العائلة/سالم الياس مدالو
مقالات نقدية

حين يصبح الشاعر ظلا: قراءة في «قرنفلة إلى محمد السرغيني» للشاعر عبد السلام الموساوي/عبد العزيز الخبشي- المغرب

collage 4

قُرنْفُلَة إلى مُحمَّد السَّرْغِيني

رَأَيتُهُ
كانَ مِثْلَ ظِلٍّ بِلا ذِكْرَيات
يَنْظُرُ بِلا مَعْنىً
كَأَنَّهُ يَنْظُرُ لِأَوَّلِ مَرَّة
وَكَانَ يَنْفُثُ بِضْعَ كَلمَاتٍ
لَا تُشْبِهُ وَجْهَه
كَمْ مَشَى فَي الشَّوَارِعِ
يُدَقِّقُ فِي الْأَحْزَانِ الْمَعرُوضَةِ
ثُمَّ يَقْفِلُ مُتْعَباً
إِلَى أَرِيكَتِهِ
يَحْمِلُ الْجَرَائِدَ وَالْبَرِيد
وَوَعْداً بِكِتَابَةِ الْقَصِيد
قَالَ لِي مَرَّةً سَاخِراً:
-كَيْفَ تَخُوضُ حُرُوباً
أَنْتَ لَمْ تَحْفِرْ بِفَأْسِكَ
خَنَادِقَهَا
وَلَمْ تَشْحَذْ بِحِذْقٍ رِمَاحَهَا
وَقَالَ لِي:

لَا تَجْرَح الْأَبْوَابَ
إِذَا مَا عَزَّ الدُّخُولُ
وَلَا تَلْهُ بِحُرُوفٍ
تَجْرِفُهَا السُّيُولُ
وَكُنْ دَائِماً حَيْثُ
يَنْبَغِي أَنْ تَكُون!
وَرَأَيْتُهُ أَمْس
تَخْطِيطاً مِنْ ظِلٍّ
وَرُوحاً فِي ثِيَاب
كَانَ خَفِيفاً كَرِيشَةٍ تَطِير
وَكَانَ صَامِتاً
كَقِطْعَةٍ مِنْ لَيْلٍ صَغِير!!

عبد السلام الموساوي – المغرب.

ينتمي نص «قُرنْفُلة إلى محمد السرغيني» إلى ذلك النوع من الكتابة التي لا تتعامل مع الشاعر بوصفه شخصا غائبا فحسب، وإنما تستعيده من خلال أثره، وصوته، وصورته المتكسرة في ذاكرة من عرفه أو قرأه. ومنذ العنوان، يضعنا النص أمام مفارقة دالة: «قرنفلـة»، بما تحمله من إيحاءات الجمال والرائحة والدم والذكرى، تُهدى إلى محمد السرغيني، أحد الأسماء البارزة في الشعر المغربي الحديث واحد مؤسسي الحداثة الشعرية. وهكذا تتحول الزهرة إلى علامة رمزية تختصر فعل الرثاء، لكنها تتجاوز الرثاء المباشر إلى بناء صورة شعرية للغياب.

والنص، الذي يحمل توقيع الشاعر المغربي عبد السلام الموساوي، لا ينبغي قراءته باعتباره مرثية تقليدية لمحمد السرغيني، وإنما باعتباره نصا شعريا يعيد بناء صورة الشاعر الراحل من خلال علاقة مركبة بين الذاكرة والرؤية واللغة. فالموساوي لا يرثي السرغيني من الخارج، بل يستدعيه من منطقة حميمة تتداخل فيها المعرفة الشخصية بالانبهار الشعري، ويجعل من الغياب مناسبة لإعادة اكتشاف الحضور.

النص، كما ورد في ظلال ضاحكة في شارع سوريالي، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2022، ص. 113، يقوم على استحضار شخص غائب عبر ضمير المتكلم: «رأيتُه». وهذه البداية ليست محايدة؛ فالفعل «رأيت» يؤسس لعلاقة بين الذاكرة والمشهد، ويجعل الرؤية مدخلا إلى الكتابة. غير أن المفارقة أن الشاعر الذي يُرى لا يظهر في اكتماله، بل يظهر منذ البداية في هيئة «ظل بلا ذكريات». هنا يبدأ النص في تفكيك الصورة التقليدية للمرثي: فالموت لا يُقدَّم بوصفه انقطاعًا نهائيًا، بل بوصفه تحوّلًا من الجسد إلى ظل، ومن الحضور المادي إلى أثر شعري.

إن اختيار «رأيتُه» بدل «أتذكره» بالغ الأهمية من الناحية السردية والشعرية؛ لأن الرؤية تمنح الغائب حضورًا شبه مادي، بينما الذاكرة وحدها كانت ستضعه في فضاء الماضي. إن الموساوي يجعل السرغيني يظهر أمامه، ثم يبدأ هذا الظهور نفسه في الانمحاء. ولذلك فإن النص يتحرك في منطقة ملتبسة بين الرؤية والحلم، وبين اليقظة والاسترجاع، وهي منطقة تتيح للمرثي أن يكون حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه.

وتتقدم القصيدة عبر سلسلة من الصور التي تتعمد زعزعة يقين القارئ. «ينظر بلا معنى / كأنه ينظر لأول مرة». إن فقدان المعنى هنا ليس مجرد وصف لحالة نفسية، وإنما يمكن قراءته بوصفه انتقالا من عالم مألوف إلى عالم فقدت فيه الأشياء أسماءها ودلالاتها. الشاعر، الذي كانت مهمته منح الأشياء معنى بالكلمات، يصبح هو نفسه أمام الأشياء كما لو أنه يراها للمرة الأولى. إنها مفارقة عميقة: صانع المعنى يصبح أسيرًا لغيابه.

وهذه المفارقة تفتح بابًا فلسفيًا على مفهوم الوجود نفسه؛ فالإنسان حين يفقد ذاكرته لا يفقد الماضي فقط، بل يفقد علاقته بالعالم. لذلك يبدو السرغيني في النص وكأنه يقف عند العتبة القصوى بين وجودين: وجود كان يعرف الأشياء ويسميها، ووجود جديد ينظر إليها «لأول مرة». ومن هنا يصبح فقدان الذاكرة معادلًا رمزيًا للموت، بينما يصبح الشعر محاولة لاستعادة ما يتعرض للمحو.

وتزداد هذه المفارقة وضوحًا في قوله: «وكان ينفث بعض كلمات / لا تشبه وجهه». فالكلمات، في الوعي الشعري، امتداد للذات، لكن النص يجعلها منفصلة عن صاحبها. لم تعد الكلمات مرآة للوجه، بل أصبحت كائنات غريبة عنه. وهذه الصورة تفتح بابًا تأويليًا واسعًا حول علاقة الشاعر باللغة: ماذا يحدث حين تعجز اللغة عن استعادة الإنسان؟ وهل يمكن للكلمات أن تحمل صاحبها بعد أن يتراجع الجسد أو يختفي؟

ولعل هذه الصورة من أكثر صور النص عمقًا، لأنها تضع اللغة نفسها موضع مساءلة. فالقصيدة لا تحتفي بالكلمات احتفاءً ساذجًا، بل تشك في قدرتها على تمثيل الإنسان. الكلمات قد تكون أحيانًا أقل من صاحبها، وقد تصبح بعد غيابه أشباحًا لا تشبه وجهه. وفي ذلك وعي شعري حديث بأن اللغة ليست مرآة شفافة للذات، وإنما بناء مستقل قد ينفصل عن صاحبه ويعيد إنتاجه بطريقة أخرى.

أما صورة الشاعر وهو «يمشي في الشوارع / يدقق في الأحزان المعروضة»، فتقدم السرغيني بوصفه شاعرًا جوالًا، قارئًا للمدينة ولتفاصيلها الإنسانية. الأحزان هنا ليست مخفية، وإنما «معروضة»؛ كأن المدينة سوق كبرى للمآسي، وكأن الشاعر يتجول بين واجهاتها باحثًا عن مادة الشعر. وهذه الصورة تمنح النص بعدًا اجتماعيًا؛ فالشعر لا يأتي من العزلة وحدها، وإنما من الاحتكاك بالعالم، ومن مراقبة الإنسان في انكساراته اليومية.

والمدينة في هذا السياق ليست مجرد فضاء جغرافي، بل نص مفتوح يقرأه الشاعر. الشوارع تتحول إلى صفحات، والمارة إلى شخصيات، والأحزان إلى علامات قابلة للتأويل. إن «تدقيق» الشاعر في الأحزان يكشف عن وظيفة أخلاقية للشعر: أن يرى ما يتجاهله الآخرون، وأن يمنح الألم اليومي قيمة جمالية وإنسانية.

وتبلغ القصيدة مستوى آخر حين ينتقل الشاعر إلى الأريكة حاملًا «الجرائد والبريد / ووعدًا بكتابة القصيد». إن الجمع بين الجرائد والبريد والقصيدة يضع الشاعر في قلب الحياة اليومية، بين الأخبار والرسائل والانتظار والإبداع. واللافت أن القصيدة ليست مكتوبة بعد، بل هي «وعد». وكأن الشعر مشروع دائم التأجيل، أو أفق لا يكتمل إلا بمواصلة الحياة. ومن هنا يصبح الموت أكثر إيلامًا: لأن الوعد بالقصيدة يظل مفتوحًا على ما لن يُكتب.

ويكمن جمال هذه الصورة في أنها تجمع اليومي بالشعري دون افتعال. فالجرائد تنتمي إلى عالم الخبر العابر، والبريد إلى عالم الرسالة الشخصية، بينما القصيد ينتمي إلى عالم البقاء. وبين هذه العناصر الثلاثة يقف الشاعر بوصفه وسيطًا بين ما يحدث وما يُحفظ. ولعل «وعدًا بكتابة القصيد» هو في العمق وعد بالاستمرار، لكن الموت يحول الوعد إلى سؤال مفتوح، ويترك القصيدة القادمة في منطقة المستحيل.

ويشكل الحوار في النص نقطة تحول أساسية. يقول السرغيني ساخرًا:

«كيف تخوض حروبًا
أنت لم تحفر بفأسك
خنادقها
ولم تشحذ بحذق رماحها»

هنا يستعيد النص صورة الشاعر بوصفه صاحب تجربة لا مجرد صاحب كلام. الحرب استعارة للحياة والمواجهة والكتابة، والخنادق والرماح تحيل إلى ضرورة امتلاك أدوات المعركة قبل خوضها. إنها وصية شاعر إلى شاعر، لكنها في العمق درس في أخلاق الكتابة: لا يمكن للإنسان أن يتحدث عن المعارك التي لم يعشها، ولا أن يدعي البطولة في أرض لم تطأها قدماه.

غير أن الحرب هنا تتجاوز معناها المباشر لتصبح استعارة لفعل الكتابة نفسه. فالشاعر الحقيقي، وفق هذا المنظور، لا يدخل معركة اللغة أعزل، وإنما يحمل تجربة ومعرفة ووعيًا. «الفأس» و«الخنادق» و«الرماح» تتحول إلى أدوات رمزية تقابلها أدوات الشاعر: التجربة، والوعي، واللغة، والقدرة على تحمل تبعات القول. ولذلك فإن سخرية السرغيني ليست تهكمًا من المخاطَب بقدر ما هي امتحان له: هل يستحق أن يخوض معركة الكتابة؟

ثم تأتي الوصايا الثلاث: «لا تجرح الأبواب»، و**«لا تله بحروف تجرفها السيول»، و«كن دائمًا حيث ينبغي أن تكون»**. وهذه العبارات تكثف فلسفة كاملة في التعامل مع الحياة واللغة. الباب هنا رمز للحدود والآخر والفرصة؛ وجرحه يعني محاولة اقتحام ما لا يُفتح. أما الحروف التي تجرفها السيول فهي صورة للكتابة العابرة، التي لا تمتلك قوة البقاء. بينما العبارة الأخيرة تبدو أشبه بخلاصة أخلاقية: أن يعرف الإنسان موقعه، وأن يمتلك وعيًا باللحظة والمقام والضرورة.

وتبدو الوصايا، في ضوء موت قائلها، أكثر مأساوية. فالكلمات التي كانت تبدو في لحظة الحياة نصائح عابرة تصبح بعد الرحيل نوعًا من الوصية الشعرية. وهنا يحدث انقلاب في وظيفة الحوار: لم يعد المتلقي مجرد مخاطَب، بل أصبح حاملًا لأمانة. إن السرغيني يغيب جسديًا، لكنه يترك كلامه حيًا، وبذلك ينتقل الإرث من الجسد إلى اللغة.

ومن الناحية الفنية، يعتمد النص على اقتصاد الصورة، والتكثيف، والتقطيع، والتجاور بين الجمل القصيرة، بما ينسجم مع حساسية القصيدة الحديثة. ولا يقوم الإيقاع على الوزن الخليلي، وإنما يتولد من التكرار، وتوالي الأفعال، والتقطيع البصري، والتناغم بين الجمل. ويشكل تكرار «وكان» و**«وقال لي»** نوعًا من الإيقاع الداخلي الذي يمنح النص طابع الاستذكار، كما لو أن المتكلم يعيد تركيب شخص غائب من شظايا ذاكرته.

كما أن البياضات والتقطيعات بين الأسطر تؤدي وظيفة دلالية، لا مجرد وظيفة شكلية؛ فالفراغ بين الكلمات يحاكي فراغ الغياب، والانقطاع البصري يحاكي انقطاع الحضور. وهذا من خصائص الكتابة الشعرية الحديثة التي تجعل الصفحة جزءًا من المعنى. إن القصيدة لا تُقرأ فقط بما تقوله، وإنما أيضًا بما تتركه من مساحات صامتة بين قول وآخر.

أما الحقل الدلالي الأكثر حضورًا فهو حقل الغياب والظل والصمت والموت والذاكرة: «ظل»، «بلا ذكريات»، «لا معنى»، «الأحزان»، «متعبًا»، «خفيفًا»، «صامتًا»، «ليل». لكنه يقابَل بحقل آخر هو الحرب والكتابة والحركة: «حروب»، «خنادق»، «رماح»، «حروف»، «كتابـة القصيد». ومن خلال الصراع بين الحقلين يتشكل المعنى العميق للنص: الشاعر كائن يقاوم الغياب بالكلمات، لكنه في النهاية يتحول هو نفسه إلى كلمة وصورة وظل.

ويمكن إضافة حقل ثالث لا يقل أهمية، هو حقل «الرؤية»: «رأيته»، «ينظر»، «يدقق»، ثم «رأيته أمس». إن النص مبني في عمقه على فعل النظر. وكأن عبد السلام الموساوي يريد أن يقول إن الموت لا يلغي الصورة، بل يعيد تشكيلها. فكلما تراجع الجسد، ازدادت الرؤية الشعرية كثافة، حتى يصبح الشاعر الراحل موضوعًا بصريًا وروحيًا أكثر منه شخصًا ماديًا.

وتأتي النهاية شديدة الدلالة: «ورأيته أمس / تخطيطًا من ظل / وروحًا في ثياب». هنا تتفكك صورة الإنسان تدريجيًا؛ لم يعد جسدًا، وإنما رسمٌ للظل وروحٌ داخل ثياب. ثم يبلغ التلاشي ذروته: «كان خفيفًا كريشة تطير»، قبل أن ينتهي إلى «قطعة من ليل صغير». إنها صورة موت لا يصرخ، بل يتسلل. موت بلا ضجيج، يتحول فيه الإنسان إلى خفة، ثم إلى صمت، ثم إلى ليل.

واللافت أن الشاعر لا يقول «اختفى» أو «مات» بشكل مباشر، بل يختار سلسلة من التحولات المجازية. وهذه استراتيجية جمالية ترفض تسمية الموت باسمه، وتجعله يُستنتج من حركة الصورة. فالسرغيني ينسحب من العالم تدريجيًا: ظلًا، ثم تخطيطًا، ثم روحًا، ثم ريشة، ثم ليلًا. إنها عملية محو بطيئة، لكن paradoxalement كلما تلاشى الجسد ازداد حضور الصورة الشعرية.

وهكذا لا يرثي النص محمد السرغيني بالدموع المباشرة، بل يرثيه بالاستعارة. إنه لا يقول لنا إن الشاعر مات، وإنما يجعلنا نراه وهو ينسحب تدريجيًا من العالم: من الجسد إلى الظل، ومن الظل إلى الريشة، ومن الريشة إلى الليل. وفي هذا تكمن قوة النص وجماله؛ إذ يصبح الغياب ليس نهاية للوجود، وإنما الصورة الأخيرة التي يكتب بها الشعر حياة الشاعر.

إن «قرنفلة إلى محمد السرغيني» نص في الذاكرة بقدر ما هو نص في الموت، وفي الشعر بقدر ما هو نص في الفقد. وقد نجح صاحبه في تحويل المرثية من خطاب حزين إلى مشهد سوريالي كثيف، تتداخل فيه الذاكرة بالحلم، والحضور بالغياب، والإنسان بالظل. ولذلك فإن السرغيني لا يغادر النص ميتًا، بل يبقى حاضرًا في وصاياه، وفي سخريته، وفي كلماته، وفي ذلك السؤال الذي يتركه الشعر خلفه: كيف يمكن للشاعر أن يواجه الغياب، إذا كانت الكلمات نفسها قابلة لأن تجرفها السيول؟

ومن زاوية التناص والمرجعيات الشعرية، يمكن النظر إلى النص باعتباره حوارًا ضمنيًا بين تجربتين شعريتين مغربيتين: تجربة محمد السرغيني، بما راكمته من حداثة ورمزية وسوريالية وانفتاح على التراث واللغة، وتجربة عبد السلام الموساوي الذي يستعيد هذا الإرث لا عبر المحاكاة، وإنما عبر إعادة إنتاجه في خطاب وجداني خاص. فالسرغيني هنا ليس موضوعًا للقصيدة فقط، بل يصبح جزءًا من ذاكرتها الثقافية، وكأن الموساوي يكتب عنه وفي الوقت نفسه يكتب من خلاله.

كما أن عنوان «قرنفلة إلى محمد السرغيني» يحمل كثافة رمزية تستحق التوقف. فالقرنفلة ليست مجرد زهرة، وإنما علامة على الذاكرة والعطر والحضور الذي يبقى بعد غياب صاحبه. وحين تُهدى الزهرة إلى شاعر، تصبح القصيدة نفسها قرنفلة لغوية: شيء صغير في حجمه، لكنه قادر على مقاومة النسيان. ومن هنا يمكن فهم العنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا للنص كله: القصيدة زهرة تُوضع في مواجهة الموت، والشعر عطر لا يستطيع الغياب محوه.

وبذلك، فإن عبد السلام الموساوي ينجح في بناء مرثية حديثة لا تقوم على تعداد مناقب الراحل ولا على البكاء عليه، وإنما على تفكيك حضوره وإعادة تركيبه من خلال الصور. وهذه سمة أساسية في المرثية الحديثة: أن يصبح الموت سؤالًا جماليًا وفلسفيًا، لا مجرد مناسبة للرثاء.

إن قيمة النص، في النهاية، تكمن في قدرته على جعل القارئ يشعر بأن محمد السرغيني لم يمت داخل القصيدة، وإنما غيّر شكله فقط. صار ظلا، وصوتا، ووصية، وريشة، وقطعة من ليل. وهذه هي المفارقة الكبرى التي ينجح النص في تأسيسها: كلما ازداد الغياب حضورًا، وكلما خفَّ الجسد، ثقل الأثر. وربما هنا تحديدا تنتصر القصيدة على الموت؛ لأن الموت يستطيع أن يأخذ الشاعر، لكنه لا يستطيع أن يأخذ الصورة التي تركها في ذاكرة شاعر آخر.

ومن ثم يمكن اعتبار «قرنفلة إلى محمد السرغيني» نصًا عن «استمرار الشاعر بعد الشاعر»: فالموساوي لا يكتفي بتأبين السرغيني، بل يحمل صوته إلى فضاء جديد، ويجعل من وصاياه مادة لوعي شعري وأخلاقي. وفي هذه النقطة يتحول النص من رثاء شخص إلى رثاء زمن شعري كامل، زمن كان فيه للشاعر موقعه، وللكلمة وزنها، وللصمت دلالته، وللذاكرة قدرة على مقاومة النسيان.

إنها، في المحصلة، قصيدة تكتب الموت بلغة الحياة، وتكتب الحياة من داخل الموت؛ قصيدة تجعل من «القرنفلة» ذاكرة، ومن «الظل» جسدًا شعريًا، ومن «الليل» فضاءً أخيرًا للحضور. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه هذا النص هو أن السرغيني، رغم تحوله إلى «قطعة من ليل صغير»، يظل كبيرًا بما يكفي لأن تظل قصيدته مفتوحة على قراءات لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية